بقلم: قويدر عبد الرحيم

إحالة شرطي بالرباط على المعهد الملكي للشرطة بالقنيطرة، عقب خلاف مع والي جهة الرباط سلا القنيطرة بشأن مراقبة سيارة تابعة للولاية، تفتح نقاشاً حول حدود صلاحيات رجال الأمن ومبدأ المساواة أمام القانون.

فالواقعة التي كشف عنها موقع «نيشان»، الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، تطرح سؤالاً يتجاوز تفاصيل خلاف مروري: هل ارتكب الشرطي خطأً مهنياً يستوجب المساءلة، أم أنه واجه إجراءً إدارياً بعدما مارس صلاحياته في مراقبة مركبة تابعة لمؤسسة عمومية؟

وبحسب الرواية التي نشرها الموقع، أوقف الشرطي سيارة تابعة للولاية وطلب الإدلاء بوثائقها، قبل أن يتدخل الوالي ويكشف عن صفته الإدارية، مستفسراً عن سبب توقيف المركبة وطبيعة المخالفة المرورية.

وأضاف المصدر أن النقاش تطور إلى اتصال أجراه الوالي بمسؤول أمني بارز بولاية أمن الرباط، للاعتراض على طريقة التعامل التي اعتبرها غير لائقة، قبل فتح بحث إداري والاستماع إلى الشرطي المعني وإحالته على المعهد الملكي للشرطة بالقنيطرة.

غير أن الرواية المنشورة لا تتضمن وثيقة إدارية تثبت طبيعة الإجراء، ولا توضح السلوك المهني المحدد المنسوب إلى الشرطي أو موقفه من الاتهامات. كما لم تحدد ما إذا كان الوالي يقود السيارة بنفسه أم كان أحد ركابها.

وهي تفاصيل أساسية قبل الحكم على مشروعية تدخل الشرطي أو أسباب مساءلته، لأن مجرد وقوع خلاف مع مسؤول إداري لا يكفي لإثبات أن رجل الأمن ارتكب مخالفة مهنية أو أنه تعرض لإجراء تعسفي.

المصدر الصحفي الأصلي | نيشان – سيارة والي الرباط وراء إحالة شرطي على التأديب، 20 أكتوبر 2026

سيارة والي الرباط.. ماذا يسمح القانون للشرطي أن يفعل؟

لا ترتبط صلاحية مراقبة المركبات في المغرب بالصفة الاجتماعية أو الإدارية للشخص الموجود داخلها، وإنما بالمقتضيات القانونية التي تنظم السير والجولان واختصاصات الأعوان المكلفين بالمراقبة.

فالمادة 191 من القانون رقم 52.05 المتعلق بمدونة السير على الطرق تخول الضباط والأعوان المؤهلين مراقبة سير المركبات على الطريق العمومية، ومعاينة المخالفات وتحرير المحاضر بشأنها، وتوقيف المركبات في الحالات المنصوص عليها قانوناً.

أما المادة 194 فتنص، ضمن الإجراءات المرتبطة بمعاينة مخالفات السير، على إيقاف المركبة المعنية وطلب مستندات السير الخاصة بالسائق والمركبة، إلى جانب مراقبة حالة المركبة وتحديد طبيعة المخالفة وإخبار المعني بها.

وتلزم المادة 193 مستعملي الطريق العمومية بالامتثال للأوامر القانونية الصادرة عن الأعوان المؤهلين الذين يستوفون شروط المراقبة المحددة في المادة 192.

وبذلك، فإن مجرد طلب وثائق مركبة تابعة لمؤسسة عمومية لا يشكل في حد ذاته خطأً مهنياً، متى جرى في إطار الاختصاص والصلاحيات والإجراءات المنصوص عليها قانوناً.

لكن هذا لا يعني أن العون يستطيع إيقاف أي مركبة خارج الضوابط القانونية، لأن ممارسة المراقبة تظل مقيدة بشروطها التنظيمية، كما يخضع الشرطي لالتزامات تتعلق بحسن التعامل واحترام المساطر المهنية.

المصدر القانوني الرسمي | مدونة السير على الطرق، القانون رقم 52.05، المواد 191 إلى 194

ويظهر هنا عنصر لم توضحه الرواية الصحفية: هل سجل الشرطي مخالفة مرورية محددة قبل توقيف السيارة، أم تعلق الأمر بمراقبة اعتيادية للوثائق؟

كما لم يُعرف ما إذا كان قد حرر محضراً بشأن مخالفة معينة، أو ما إذا كان الخلاف مرتبطاً بمشروعية التوقيف نفسه أم بطريقة التواصل أثناءه.

وتحديد هذه العناصر ضروري للتمييز بين إجراء مروري مشروع واحتمال وقوع تجاوز مهني، دون افتراض أي من الحالتين مسبقاً.

الفصل السادس من الدستور.. هل تمنح الصفة الإدارية امتيازاً؟

تتجاوز القضية أحكام مدونة السير إلى مبدأ دستوري يتعلق بالمساواة أمام القانون.

فالفصل السادس من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 ينص على أن «القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة»، وأن الجميع، أشخاصاً ذاتيين أو اعتباريين، بما في ذلك السلطات العمومية، متساوون أمامه وملزمون بالامتثال له.

ويعني هذا المقتضى أن المسؤولية الإدارية، مهما علت درجتها، لا تمنح صاحبها استثناءً عاماً من قواعد السير أو من المراقبة القانونية للمركبات.

وفي المقابل، فإن مبدأ المساواة لا يعفي رجل الأمن من واجب احترام المواطنين والمسؤولين، ولا يمنع المؤسسة الأمنية من مساءلته إذا ثبت أنه تجاوز صلاحياته أو أخل بالتزاماته المهنية.

ولهذا فإن المسألة الحاسمة ليست معرفة المنصب الذي يشغله الشخص الموجود داخل السيارة، وإنما تحديد ما إذا كانت إجراءات الطرفين مطابقة للقانون.

المصدر الدستوري الرسمي | المحكمة الدستورية – دستور المملكة المغربية، الفصل السادس

وفي حال ثبت أن الشرطي ارتكب خطأً مهنياً، فإن خضوعه للمساءلة يدخل ضمن قواعد الانضباط التي تنظم عمل الأجهزة الأمنية.

أما إذا ثبت أنه احترم المقتضيات القانونية والمهنية، فإن الصفة الإدارية للشخص الذي كانت السيارة تقله لا ينبغي أن تكون سبباً مستقلاً لاتخاذ إجراء يضر بمساره المهني.

لكن أي حكم في الاتجاهين يتطلب معرفة نتائج البحث الإداري، وليس الاكتفاء بتسلسل الأحداث كما نقلته الصحافة.

من البحث الإداري إلى المعهد الملكي.. ما طبيعة الإحالة؟

تتعلق إحدى أكثر النقاط غموضاً في القضية بقرار إحالة الشرطي على المعهد الملكي للشرطة بالقنيطرة.

فموقع «نيشان» تحدث عن إحالة مرتبطة بالمسطرة التأديبية، لكنه لم ينشر قراراً إدارياً يحدد طبيعة الإجراء وأسبابه ومدته.

ولا يكفي ذكر المعهد الملكي للشرطة لإثبات صدور عقوبة تأديبية نهائية، لأن معرفة الوضعية القانونية للموظف تستلزم الاطلاع على القرار الصادر في حقه والأساس الذي استندت إليه الإدارة.

كما ينبغي التمييز بين الاستماع إلى الشرطي في إطار بحث إداري، واتخاذ تدبير مؤقت، وصدور جزاء تأديبي نهائي.

فهذه إجراءات تختلف من حيث طبيعتها وآثارها، ولا يجوز جمعها تحت وصف واحد دون التحقق من الوثائق المعنية.

كذلك لا يشكل اتصال الوالي بمسؤول أمني، بمفرده، إثباتاً لاستعمال النفوذ أو الضغط غير المشروع.

فقد يتعلق الاتصال بتقديم شكاية بشأن سلوك اعتبره المسؤول غير لائق، وهو أمر يحتاج بدوره إلى فحص الوقائع والتحقق من مدى صحتها.

أما إثبات وجود تدخل خارج المساطر القانونية، فيتطلب معطيات إضافية بشأن مضمون الاتصال والقرارات التي اتخذت بعده وأسبابها.

وحتى إعداد هذه المادة، لم يتسن العثور على توضيح رسمي منشور من المديرية العامة للأمن الوطني أو ولاية جهة الرباط سلا القنيطرة يحسم طبيعة المخالفة المهنية المزعومة أو يحدد الوضعية الإدارية النهائية للشرطي.

عندما توقف الملك عند الضوء الأحمر.. واقعتان أعادتا قانون السير إلى الواجهة

سبق أن أثار احترام قواعد السير اهتماماً إعلامياً في المغرب عندما تعلق الأمر بشخصيات من أعلى مستويات الدولة.

ففي 10 أكتوبر 2019، نشرت جريدة «هسبريس» تقريراً استند إلى شهادات مواطنين بشأن توقف الملك محمد السادس بسيارته عند إشارة ضوئية حمراء بمنطقة كورنيش يعقوب المنصور في الرباط، لإفساح المجال أمام الراجلين لعبور الطريق.

وكانت الواقعة، بحسب التقرير المنشور آنذاك، قد حدثت مساء 9 أكتوبر، بعد أن غادر الملك القصر الملكي عقب أنشطة رسمية.

واعتبر عدد من المتفاعلين معها أن الالتزام بالإشارات الضوئية يقدم مثالاً على أهمية احترام قانون السير.

المصدر الصحفي | هسبريس – الملك يحترم قانون السير ويقف بالإشارات الضوئية، 10 أكتوبر 2019

وفي أبريل 2023، نشرت وسائل إعلام مغربية، بينها موقع «مباشر»، صوراً لسيارة كان يقودها ولي العهد الأمير مولاي الحسن، تظهر على زجاجها الخلفي علامة «90» المرتبطة بالسائقين الحاصلين حديثاً على رخصة السياقة.

وأثارت الصور حينها تعليقات أشادت باحترام قواعد السير.

المصدر الصحفي | مباشر – ظهور علامة 90 على سيارة ولي العهد، 23 أبريل 2023

ولا تمثل الواقعتان دليلاً على ظروف الخلاف بين الشرطي ووالي الرباط، كما أنهما تختلفان عنه من حيث الأطراف والوقائع.

لكنهما تقدمان سياقاً إعلامياً للنقاش المرتبط باحترام قواعد الطريق، بصرف النظر عن صفة مستعملها.

الأمن الوطني يسجل آلاف المخالفات.. والمراقبة جزء من السلامة الطرقية

تكتسب مسألة احترام المراقبة المرورية أهميتها من طبيعة العمل اليومي الذي تقوم به المصالح الأمنية داخل المدن المغربية.

ففي حصيلة أعلنتها المديرية العامة للأمن الوطني يوم 15 شتنبر 2026، كشفت عن تسجيل 51 ألفاً و57 مخالفة مرورية خلال أسبوع واحد، من 7 إلى 13 شتنبر.

كما أنجزت المصالح الأمنية 7986 محضراً أحيلت على النيابة العامة، واستخلصت 43 ألفاً و71 غرامة صلحية، بمبلغ إجمالي تجاوز 9.46 ملايين درهم.

وتعكس هذه الأرقام حجم عمليات المراقبة الطرقية، لكنها لا تسمح باستخلاص أي نتيجة بشأن الواقعة المرتبطة بسيارة الوالي، لأنها تتعلق بحصيلة مستقلة لفترة سابقة.

وكان MarocActu24 قد تناول هذه المعطيات ضمن تقرير عن حوادث السير داخل المجالات الحضرية، التي أسفرت خلال الأسبوع نفسه عن 42 وفاة و3248 مصاباً.

اقرأ أيضاً | 42 وفاة و3248 جريحاً في 7 أيام.. حوادث السير تضرب مدن المغرب بـ2404 حوادث

ولا ينحصر دور المراقبة في تحرير المخالفات وتحصيل الغرامات، بل يشمل الوقاية من السلوكيات التي تعرض مستعملي الطريق للخطر، والتحقق من احترام الشروط القانونية المتعلقة بالسائقين والمركبات.

ويقتضي نجاح هذه المهمة تمكين الأعوان من ممارسة اختصاصاتهم وفق القانون، وفي الوقت نفسه ضمان خضوعهم للمساءلة عند ثبوت تجاوزات مهنية.

وفي سياق آخر، سبق لموقع MarocActu24 أن تناول نقاشاً يتعلق بفعالية المراقبة وتطبيق الضوابط التنظيمية في قطاع سيارات الأجرة بمدينة فاس.

وأثار المقال سؤال المساواة في التعامل مع المخالفات المحتملة داخل قطاع منظم، دون أن يقدم الاتهامات المتداولة باعتبارها وقائع قضائية ثابتة.

ويختلف ذلك الملف عن واقعة الرباط، لكنه يرتبط بالمبدأ نفسه: ضرورة اعتماد معايير واضحة ومتساوية في تطبيق القانون والتحقق من الشكايات.

اقرأ أيضاً | إذا كان القانون لا يتحرك أمام هذا… فمتى يتحرك؟

إحالة شرطي بالرباط.. ثلاثة أسئلة تنتظر توضيحاً رسمياً

تضع الواقعة المديرية العامة للأمن الوطني وولاية جهة الرباط سلا القنيطرة أمام أسئلة محددة يمكن أن تساعد الإجابة عنها على الفصل بين الوقائع المؤكدة والروايات المتداولة.

يتعلق السؤال الأول بطبيعة المراقبة المرورية: ما السبب القانوني لتوقيف السيارة، وهل جرى تسجيل مخالفة محددة أو تحرير محضر بشأنها؟

أما السؤال الثاني فيتعلق بما نُسب إلى الشرطي من سلوك غير لائق: ما التصرف الذي كان موضوع اعتراض الوالي، وهل توفرت أدلة أو شهادات أو معطيات مهنية تثبت ارتكاب خطأ؟

ويرتبط السؤال الثالث بطبيعة الإجراء الإداري: هل تعني الإحالة على المعهد الملكي للشرطة اتخاذ تدبير تأديبي، أم إجراءً آخر؟ وما القرار الرسمي الذي استندت إليه الإدارة؟

ولا تتطلب الإجابة عن هذه الأسئلة كشف بيانات شخصية غير ضرورية عن الشرطي أو تفاصيل محمية من مسطرة داخلية، بقدر ما تتطلب توضيح الأساس القانوني للإجراء، واحترام حقوق الأطراف المعنية.

ومن المهم كذلك إتاحة موقف الشرطي من الوقائع المنسوبة إليه، إلى جانب موقف الولاية والمديرية العامة للأمن الوطني، حتى لا تقوم المعالجة الإعلامية على رواية طرف واحد.

فالشرطي ليس فوق المساءلة المهنية، والوالي ليس خارج نطاق القواعد القانونية المنظمة للمراقبة.

وبالتالي، فإن الجدل بشأن سيارة والي الرباط لا يمكن حسمه بمجرد وجود اختلاف بين رجل أمن ومسؤول إداري، ولا بمجرد الإعلان عن إحالة الشرطي على مؤسسة تابعة للأمن الوطني.

وما يحتاج إلى توضيح هو ما إذا كان الإجراء الإداري قد استند إلى خطأ مهني جرى إثباته وفق المساطر المعمول بها، أم أن هناك معطيات أخرى لم تكشفها الرواية المنشورة.

وإلى حين صدور هذه التوضيحات، يبقى السؤال المتعلق بالمساواة أمام القانون مشروعاً، لكن دون تحويله إلى إدانة مسبقة لأي طرف.

فحماية هيبة الشرطي لا تعني إعفاءه من المحاسبة، كما أن احترام مسؤولية الوالي لا يعني معاملته بمعايير مختلفة عن بقية مستعملي الطريق.

والمعيار الذي ينبغي أن يحسم الواقعة هو القانون والوقائع المثبتة، لا المنصب الإداري للشخص الذي كان داخل السيارة، ولا صفة العون الذي طلب وثائقها.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version