بقلم: قويدر عبد الرحيم
أعادت دراسة علمية مغربية، نُشرت الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، ملف غياب التلاميذ بالمغرب إلى الواجهة، بعدما أظهرت أن مديري مؤسسات تعليمية تمثل 43.1 في المائة وفق الأوزان الإحصائية المعتمدة يعتبرون الغياب مشكلة خطيرة، في حين كشف التحليل عن ارتباط قوي بين تقييمهم لمشكلات حضور الأساتذة وتأخرهم عن العمل، وتقييمهم لخطورة غياب التلاميذ.
وتطرح هذه النتائج سؤالاً بشأن انتظام الدراسة داخل المؤسسات التعليمية، ومدى قدرة البيانات المتاحة على التمييز بين الغياب الفعلي للتلاميذ والمدرسين وبين تقييمات المسؤولين الإداريين لخطورة الظاهرة.
غير أن نسبة 43.1 في المائة لا تعني أن هذه الحصة من التلاميذ المغاربة تتغيب عن الدراسة، وإنما تشير إلى نسبة تقديرية للمؤسسات التي صنف مديروها الغياب مشكلة خطيرة.
كما أن الارتباط الإحصائي المسجل بين تقييم حضور المدرسين وتقييم غياب التلاميذ لا يثبت أن غياب الأساتذة يتسبب مباشرة في تغيب التلاميذ، وهي نقطة أكد الباحثون ضرورة مراعاتها عند تفسير النتائج.
غياب التلاميذ بالمغرب.. دراسة تعتمد بيانات 250 مؤسسة
نُشرت الدراسة بمجلة «Large-scale Assessments in Education» التابعة لمجموعة «Springer Nature»، تحت عنوان «غياب التلاميذ كما يبلّغ عنه مديرو المؤسسات بالمغرب: الارتباطات السياقية ومعلومات الحضور الصادرة عن المستجيب نفسه ضمن TIMSS 2023».
وشارك في إعدادها أربعة باحثين مغاربة، هم عبد الأمين الوافي، من المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالداخلة التابعة لجامعة ابن زهر، وإلياس تموش من المدرسة الوطنية العليا للمعادن بالرباط، وسعاد الدارويش من مركز تربوي جهوي بالرباط، وإيمان لعصار من مختبر البحث في المعلوميات بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة.
واعتمد الفريق على قاعدة بيانات المسح الدولي «TIMSS 2023»، التي توفر معطيات مرتبطة بواقع التعليم والتحصيل الدراسي في الرياضيات والعلوم.
وركز البحث على المؤسسات المغربية التي تضم تلاميذ المستوى الثامن، الموافق للسنة الثانية من التعليم الثانوي الإعدادي.
وبلغ العدد الأصلي للمؤسسات المدرجة في الملف 250 مؤسسة، توفرت لدى 243 منها إجابات صالحة بشأن خطورة غياب التلاميذ.
أما التحليلات التي تتطلب توفر جميع المتغيرات، فاعتمدت بيانات 232 مؤسسة تعليمية.
وجاءت المعلومات من استبيانات أجاب عنها مديرو المؤسسات، دون أن يجمع الباحثون سجلات مستقلة لغياب التلاميذ أو الأساتذة.
المصدر العلمي الأصلي | Springer Nature – دراسة غياب التلاميذ بالمغرب، 20 أكتوبر 2026
43.1% يعتبرون الغياب مشكلة خطيرة.. ماذا تعني النسبة؟
من بين 243 مديراً قدموا إجابات صالحة، اعتبر 108 أن غياب التلاميذ يمثل مشكلة خطيرة داخل مؤسساتهم.
وبعد تطبيق الأوزان الإحصائية الخاصة بالمسح الدولي، قدر الباحثون نسبة المؤسسات التي ينطبق عليها هذا التقييم بنحو 43.1 في المائة.
لكن النتيجة جاءت مصحوبة بفاصل ثقة إحصائي عند مستوى 95 في المائة، يتراوح بين 29.2 و57 في المائة.
ويعكس هذا المجال الواسع قدراً مهماً من عدم اليقين الإحصائي، ما يجعل التعامل مع 43.1 في المائة باعتبارها نسبة دقيقة ونهائية لجميع المؤسسات المغربية أمراً غير سليم.
كما أن السؤال الذي أجاب عنه المديرون يتعلق بدرجة خطورة الغياب في نظرهم، وليس بعدد أيام التغيب المسجلة إدارياً.
فقد يعتبر مدير مؤسسة أن الغياب يمثل مشكلة خطيرة بسبب تأثيره على انتظام الحصص أو كثرة الحالات المتكررة، بينما يعتمد مدير آخر تقييماً مختلفاً للظاهرة نفسها.
ولا تكشف الدراسة عدد التلاميذ المتغيبين داخل كل مؤسسة، أو مجموع أيام الغياب، أو نسبة الغياب المبرر وغير المبرر.
ولذلك فإن قيمتها تكمن في رصد تقييمات مديري المؤسسات، وليس في تقديم إحصاء وطني مباشر للغياب المدرسي.
غياب الأساتذة وتأخرهم.. ارتباط إحصائي قوي يحتاج إلى تفسير
سجلت الدراسة أبرز نتائجها بعدما أضاف الباحثون إلى نموذج التحليل مؤشراً يتعلق بتقييم مديري المؤسسات لغياب الأساتذة وتأخرهم عن العمل.
وأظهرت النتائج أن ارتفاع هذا المؤشر بمقدار انحراف معياري مرجح واحد ارتبط بزيادة أرجحية اعتبار غياب التلاميذ مشكلة خطيرة بنحو 8.24 مرات، بعد مراعاة المتغيرات الأخرى المدرجة في النموذج.
وتراوحت القيمة المقدرة لهذا الارتباط، ضمن فاصل الثقة الإحصائي، بين 3.60 و18.83.
ويشير الرقم إلى قوة العلاقة داخل النموذج الإحصائي، لكنه لا يعني أن احتمال غياب التلميذ يرتفع ثماني مرات، ولا أن كل أستاذ يتغيب يتسبب في تغيب عدد معين من التلاميذ.
فالمؤشر يتعلق بتقييم المديرين للمشكلتين، وليس بقياس مباشر لسلوك الأساتذة والتلاميذ على المستوى الفردي.
وهنا تبرز إحدى أبرز حدود الدراسة: المدير نفسه هو الذي قيّم خطورة غياب التلاميذ، كما قيّم مشكلات غياب الأساتذة وتأخرهم.
وقد يعكس الارتباط ظروفاً تنظيمية مشتركة داخل المؤسسة، مثل اضطراب الجداول أو صعوبات التنقل أو مشاكل تدبير الحضور.
لكنه قد يتأثر أيضاً بطريقة إجابة المدير وتقييمه العام للوضع المدرسي، بما أن المؤشرين وردا في الاستبيان نفسه.
ولا تسمح البيانات المتاحة بفصل التأثير المحتمل للظروف التنظيمية عن أثر طريقة القياس بصورة حاسمة.
ولهذا تجنب الباحثون اعتبار النتيجة دليلاً على علاقة سببية بين غياب المدرسين والتلاميذ.
الحرمان الاقتصادي يظهر في نتائج الدراسة
لم يقتصر البحث على حضور الأساتذة، بل اختبر خمسة مؤشرات أخرى ترتبط بمحيط المؤسسة التعليمية.
وشملت هذه المؤشرات الوضع الاقتصادي للتلاميذ، والموقع القروي للمؤسسة، وتوفر الإنترنت عالي السرعة، وكفاية الموارد التعليمية، ومدى التركيز على النجاح الدراسي.
وفي النموذج الأول، لم يحتفظ أي من هذه المؤشرات بدلالة إحصائية بعد تطبيق التصحيح المعتمد لتعدد الاختبارات.
لكن عند إدراج مؤشر حضور الأساتذة، ظهر ارتباط بين ارتفاع نسبة التلاميذ المنحدرين من أسر محرومة اقتصادياً وبين تصنيف غياب التلاميذ مشكلة خطيرة.
وبلغت نسبة الأرجحية المعدلة لهذا المؤشر 2.91، مع فاصل ثقة يتراوح بين 1.25 و6.79.
وتتعلق هذه النتيجة بالتركيبة الاجتماعية للمؤسسة، وليس بقياس الظروف الفردية لكل تلميذ.
كما أنها لا تحدد السبب المباشر للغياب، أو ما إذا كان مرتبطاً بتكاليف النقل أو الوضع الصحي أو الالتزامات الأسرية أو صعوبات أخرى.
وأشار الباحثون إلى أن ارتفاع قيمة الارتباط بعد إضافة مؤشر حضور الأساتذة يحتاج إلى تفسير حذر، بسبب طبيعة العلاقات الإحصائية بين المتغيرات ومحدودية حجم العينة الفعال.
ولم تظهر للموقع القروي أو توفر الإنترنت أو كفاية الموارد التعليمية أو التركيز على النجاح الدراسي علاقات مستقلة ثابتة إحصائياً في النموذج النهائي.
لكن عدم ظهور دلالة إحصائية لهذه المؤشرات لا يعني أنها غير مؤثرة في الواقع المدرسي، وإنما أن البيانات والنموذج المستخدمين لم يقدما دليلاً كافياً على ارتباط مستقل بها في هذه العينة.
من 0.499 إلى 0.774.. ماذا تغير في النموذج الإحصائي؟
اختبر الباحثون أيضاً مدى قدرة النموذج على التمييز بين المؤسسات التي اعتبر مديروها غياب التلاميذ مشكلة خطيرة وتلك التي قدمت تقييماً أقل حدة.
وسجل النموذج المعتمد على الخصائص العامة للمؤسسات قيمة 0.499 في مؤشر «ROC AUC»، وهي نتيجة قريبة من مستوى التمييز العشوائي.
لكن بعد إضافة مؤشر مشكلات حضور الأساتذة، ارتفعت القيمة إلى 0.774.
وتعكس هذه الزيادة تحسناً في قدرة النموذج على التمييز بين إجابات المديرين ضمن الاختبارات الإحصائية المنجزة على البيانات المتاحة.
لكنها لا تثبت قدرته على توقع غياب التلاميذ مستقبلاً، لأن المتغيرات جُمعت خلال الفترة نفسها، واعتمدت المصدر ذاته.
كما أن المؤشر لا يمثل نسبة نجاح مباشرة قدرها 77.4 في المائة في توقع الغياب الفعلي.
وتزداد أهمية هذه الحدود بالنظر إلى أن التحليل المكتمل شمل 232 مؤسسة، لكن حجم العينة الفعال، بعد احتساب تفاوت الأوزان الإحصائية، بلغ نحو 60.5.
ولا يعني هذا الرقم أن الباحثين درسوا 60 مؤسسة فقط، وإنما يعكس انخفاض حجم المعلومات الإحصائية الفعالة بسبب اختلاف الأوزان بين المؤسسات.
وهو عامل يزيد الحاجة إلى الحذر عند تفسير قوة بعض الارتباطات وتعميم النتائج.
الغياب المدرسي ليس هو الانقطاع النهائي عن الدراسة
تطرح الدراسة الجديدة سؤالاً يرتبط بكيفية التعامل مع الغياب المتكرر قبل تحوله، في بعض الحالات، إلى انقطاع نهائي عن الدراسة.
لكن يجب التمييز بين المؤشرين.
فالدراسة المنشورة يوم 20 أكتوبر اعتمدت تقييم المديرين لخطورة الغياب داخل المؤسسات التي شملها مسح TIMSS لسنة 2023.
أما الانقطاع المدرسي، فيتعلق بمغادرة التلميذ للنظام التعليمي، ويخضع لمؤشرات إدارية وإحصائية مختلفة.
وكان MarocActu24 قد نشر، يوم 17 أكتوبر، تقريراً عن ملف الهدر المدرسي بالمغرب، استند إلى معطيات رسمية تفيد بانقطاع 276 ألفاً و179 تلميذاً وتلميذة خلال الموسم الدراسي 2024–2025، بينهم 144 ألفاً و744 في التعليم الثانوي الإعدادي.
ولا يجوز مقارنة هذا العدد مباشرة بنسبة 43.1 في المائة الواردة في الدراسة الجديدة، لأن المؤشرين يختلفان من حيث التعريف والفترة الزمنية وطريقة القياس.
لكن الجمع بين البحثين يبرز أهمية الرصد المبكر لصعوبات المواظبة، إلى جانب تتبع حالات الانقطاع وإعادة الإدماج.
اقرأ أيضاً | 276 ألف منقطع و86 ألف معاد تسجيلهم.. الهشومي أمام اختبار الهدر المدرسي
حق التلميذ في التعلم.. كيف يمكن قياس الغياب بدقة؟
تؤكد الدراسة أن تحديد أسباب الغياب يحتاج إلى مصادر معلومات تتجاوز استبيانات مديري المؤسسات.
ومن بين المعطيات الضرورية سجلات الحضور الفعلية للتلاميذ والمدرسين، وعدد أيام الغياب، وتوزيعها حسب الفترات الدراسية، وطبيعة الغياب المبرر وغير المبرر.
كما يمكن الاستعانة بإفادات التلاميذ والأسر والأساتذة، وربطها بظروف النقل والصحة والبيئة الاجتماعية والتنظيم المدرسي.
ومن شأن اعتماد هذه المصادر المتعددة أن يساعد على التمييز بين مؤسسات تواجه مشكلات فعلية متكررة في الحضور، وأخرى تختلف فيها طريقة تقييم المسؤولين لخطورة الغياب.
ولا تتضمن الدراسة اختباراً لفعالية أجهزة المراقبة التابعة لوزارة التربية الوطنية، أو تقييماً للإجراءات الحكومية الرامية إلى الحد من الغياب.
كما أن نتائجها تستند إلى معطيات سنة 2023، ولا تقدم حكماً على وضع المدارس المغربية خلال أكتوبر 2026.
وتكتسب مسألة موثوقية البيانات التربوية أهمية إضافية في ظل الإصلاحات التي تستهدف تحسين تقييم التعلمات داخل المؤسسات.
وكان MarocActu24 قد تناول، يوم 18 أكتوبر، طلب الاستعانة بخبير لتحليل نحو 3500 سؤال مستعمل في تقييمات مدارس الريادة، بهدف تحسين دقة قياس مكتسبات التلاميذ وإمكانية مقارنة النتائج.
ولا يتعلق ذلك المشروع بقياس الغياب، لكنه يعكس أهمية أدوات التقييم والمنهجيات الإحصائية عند إصدار أحكام بشأن أداء المنظومة التعليمية.
اقرأ أيضاً | 3500 سؤال بمدارس الريادة تحت الفحص العلمي.. هل تعكس النتائج تحسناً حقيقياً؟
ماذا تكشف الدراسة فعلاً عن غياب التلاميذ بالمغرب؟
تقدم الدراسة المغربية الجديدة نتيجتين أساسيتين: نسبة تقديرية تبلغ 43.1 في المائة للمؤسسات التي يعتبر مديروها غياب التلاميذ مشكلة خطيرة، وارتباطاً قوياً بين هذا التقييم وتقييم مشكلات غياب الأساتذة وتأخرهم.
كما تسجل ارتباطاً بالحرمان الاقتصادي في النموذج الذي أدرج مؤشر حضور المدرسين.
لكن هذه النتائج لا تحدد عدد أيام الدراسة الضائعة، ولا تثبت أن تغيب الأساتذة تسبب في تغيب التلاميذ، ولا تسمح بمعرفة مدى تغير الظاهرة منذ جمع بيانات TIMSS في سنة 2023.
وتبقى أهميتها في تحديد حدود الاعتماد على التقييمات الذاتية، والتنبيه إلى الحاجة لبيانات مستقلة وقابلة للمقارنة.
ومن هنا يبرز سؤال موجه إلى الجهات المسؤولة عن تدبير المنظومة التعليمية: هل تتوفر على معطيات منتظمة تكشف عدد أيام الغياب الفعلية لدى التلاميذ والأساتذة، وتحدد أسبابها، وتوضح نتائج الإجراءات المتخذة لمعالجتها؟
فحماية حق التلميذ في التعلم لا ترتبط فقط بتسجيله داخل مؤسسة تعليمية، بل أيضاً بضمان انتظام الحصص ومعرفة الأسباب التي قد تحول دون استفادته منها.
أما الإجابة عن مدى تأثير حضور المدرسين في مواظبة التلاميذ، فتحتاج إلى دراسات تستند إلى سجلات مستقلة ومعطيات زمنية تسمح بالتمييز بين الارتباط الإحصائي والعلاقة السببية.
