بقلم: مراد مجاهد

اخترنا الصمت في البداية، لا خوفاً من أحد ولا عجزاً عن الكلام، بل لأننا افترضنا أن المؤسسات المكلفة بمراقبة قطاع سيارات الأجرة بفاس لا تحتاج إلى ضجيج مواقع التواصل لكي تقوم بما يفرضه عليها اختصاصها.

ويضع ملف سيارات الأجرة بفاس اليوم فعالية المراقبة أمام اختبار واضح، بعدما تحولت تسجيلات ومعطيات متداولة داخل الوسط المهني إلى موضوع نقاش يتجاوز أصحابها إلى سؤال يتعلق بدور المؤسسات نفسها.

قلنا إن الجهات المعنية ستتحقق، وإن المصالح المكلفة بالتنظيم والمراقبة ستفحص ما يدخل في نطاق مسؤوليتها، وإن القانون سيقول كلمته بعيداً عن ضغط الشارع والمحاكمات الافتراضية.

وانتظرنا.

لكن مرور الأيام دون ظهور توضيح مؤسساتي معلن نقل النقاش من مضمون التسجيلات والمعطيات المتداولة إلى سؤال آخر: ماذا فعلت الجهات التي تملك، قانوناً وتنظيماً، صلاحية مراقبة هذا القطاع؟

ويتعلق الأمر، للتوضيح، بتسجيلات ومعطيات جرى تداولها داخل أوساط مهنية، ولم يصدر بشأنها، بحسب المتاح علناً، حكم قضائي أو قرار إداري يحسم في صحة مضمونها أو ينفيه.

ولذلك لا نتعامل معها باعتبارها وقائع قضائية ثابتة، ولا نبني عليها إدانة مسبقة لأي شخص.

لكن عدم وجود حسم قضائي معلن لا يلغي حق المهنيين والرأي العام في السؤال عما إذا كانت الجهات المختصة قد تحققت مما يدخل في نطاق اختصاصها.

سيارات الأجرة بفاس.. من سؤال التسجيل إلى سؤال المؤسسة

لم يعد السؤال موجهاً فقط إلى الشخص الذي نُسبت إليه التسجيلات أو إلى مضمون ما جرى تداوله، بل إلى كل جهة تقع على عاتقها مسؤولية تنظيم قطاع سيارات الأجرة ومراقبة شروط الاستغلال واحترام الضوابط المهنية.

هل بلغت هذه المعطيات المصالح المختصة؟

هل جرى فحصها؟

هل انتهت الجهات المعنية إلى عدم وجود ما يستوجب أي إجراء؟

أم أن هناك مساطر إدارية أو عمليات تحقق تحركت بالفعل ولا يعلم الرأي العام عنها شيئاً؟

هذه الأسئلة لا تتضمن حكماً على أحد، ولا تفترض وجود مخالفة قبل إثباتها، لكنها تصبح مشروعة عندما تتحول قضية متداولة داخل قطاع منظم إلى موضوع صمت مؤسساتي يثير التساؤلات.

ولا نريد دولة تتحرك لأن منشوراً انتشر أو لأن رأياً عاماً غاضباً طالب بالعقوبة.

فدولة القانون ليست دولة «الترند» ولا دولة المحاكمات الفيسبوكية.

لكنها، في المقابل، دولة يفترض أن تجعل المهني مطمئناً إلى أن المعطيات التي قد تمس شروط الاستغلال واحترام قواعد المهنة، متى بلغت الجهات المختصة وكانت جدية وقابلة للتحقق، تعامل وفق المساطر المقررة للجميع.

المساواة أمام القانون هي الامتحان

تكمن حساسية الملف في المقارنة التي بدأت تظهر داخل الوسط المهني.

فالسائق البسيط يعرف أن مخالفته للقواعد قد تضعه بسرعة أمام المراقبة أو الجزاء الإداري، ولذلك يصبح من الطبيعي أن يسأل عندما تتداول معطيات يعتبرها مهنيون أكثر خطورة: هل تطبق القواعد بالجدية نفسها على الجميع؟

ويزداد النقاش حول سيارات الأجرة بفاس حساسية حين يتعلق الأمر بالمساواة في تطبيق شروط الاستغلال والضوابط التنظيمية على المهني الصغير والكبير بالمعايير نفسها.

السؤال لا يعني أن شخصاً بعينه خرق القانون، ولا أن جهة ما تحميه.

فهذه استنتاجات تحتاج إلى أدلة وتحقيق وقرارات رسمية.

لكن استمرار الغموض يسمح بنشوء انطباع أخطر: أن صرامة القاعدة قد تختلف باختلاف الشخص الموجود أمامها.
وهذا تحديداً ما ينبغي للمؤسسات أن تمنع ترسخه.

ينص الفصل السادس من الدستور على أن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، وأن الجميع، أشخاصاً ذاتيين أو اعتباريين، بما في ذلك السلطات العمومية، متساوون أمامه وملزمون بالامتثال له.

المصدر الرسمي | دستور المملكة المغربية

وقيمة هذا المبدأ لا تظهر فقط عندما يطبق القانون على من لا يملك نفوذاً أو مالاً أو موقعاً داخل القطاع، بل عندما يطمئن الجميع إلى أن القاعدة نفسها قادرة على الوصول إلى أي شخص متى ثبتت الوقائع التي تستوجب تطبيقها.

لا نريد أن نصل إلى استنتاج مفاده أن القانون قوي مع الضعيف ومتردد أمام القوي.

لكن الطريق الأفضل لمنع هذا الاعتقاد هو عمل المؤسسات ووضوح تطبيق المساطر، لا مطالبة المهنيين بالتوقف عن طرح الأسئلة.

القضية لا تخص المهنيين وحدهم

سيارة الأجرة ليست نشاطاً خاصاً منفصلاً عن المصلحة العامة.

إنها وسيلة نقل عمومي ترتبط بسلامة المواطن وبثقته في أن المركبة والسائق وشروط الاستغلال تخضع للضوابط التي وضعتها الدولة.

ولهذا، فعندما تتداول معطيات بشأن استغلال مركبات أو ممارسة نشاط في ظروف يقال إنها لا تحترم بعض الشروط المهنية، فإن القضية لا تعود مجرد خصومة داخلية بين مهنيين.

يصبح السؤال متعلقاً أيضاً بالمواطن الذي يستعمل سيارة الأجرة وبحقه في الاطمئنان إلى أن الجهة التي تنظم هذا المرفق تراقبه وفق القواعد نفسها.

وسبق لـMarocActu24 أن تابع ملفات مرتبطة بتدبير النقل العمومي واحتجاجات المهنيين، من بينها الجدل الذي رافق قرار ترحيل محطة باب دكالة بمراكش إلى منطقة العزوزية.

اقرأ أيضاً | مراكش.. ترحيل محطة باب دكالة إلى العزوزية يشعل غضب مهنيي النقل

ولا يعني ذلك أن كل ما يقال داخل الوسط المهني صحيح.

التحقق هو الذي يفصل بين الادعاء والواقعة.

وهو أيضاً ما يجعل مطالبة الجهات المختصة بالنظر في المعطيات مختلفة تماماً عن مطالبتها بمعاقبة شخص قبل إثبات شيء في حقه.

وماذا عن الجهات القضائية؟

أما النيابة العامة، فلا نرسم لها طريق عملها ولا نطالبها بإدانة أحد، لأن تحديد ما إذا كانت وقائع معينة تدخل في نطاق القانون الجنائي من عدمه يعود حصراً إلى السلطات القضائية المختصة.

لكن يبقى من المشروع طرح السؤال: إذا كانت المعطيات المتداولة تتضمن عناصر يمكن قانوناً أن تدخل في اختصاص جهة قضائية، فهل بلغت الجهات المعنية؟

وهل يوجد فيها ما يستوجب النظر أو التحقق وفق ما يقرره القانون؟

الجواب ليس من اختصاص الكاتب ولا مواقع التواصل.

ولهذا تحديداً نريد أن يبقى القانون والمؤسسات هما المرجع.
فلا نريد قضاء يتحرك لأن كاتباً رفع صوته، كما لا نريد أن ينمو داخل المجتمع اعتقاد بأن هناك ملفات تقع خارج مدى الرقابة لمجرد أن أصحابها يُنظر إليهم باعتبارهم أقوى من غيرهم.

عندما يصبح الصمت نفسه سؤالاً

قد يكون للصمت تفسير مشروع لا يعرفه الرأي العام.

وقد تكون هناك إجراءات أو عمليات تحقق لا يمكن الإعلان عنها.

وقد تكون الجهات المختصة قد فحصت المعطيات وانتهت إلى أن لا شيء فيها يستوجب إجراءً.
كل ذلك ممكن.

لكن غياب المعلومة يترك فراغاً، والفراغ هو البيئة المثالية للشائعات وروايات الحماية والنفوذ والانتقائية.
ولا نريد أن نبني اتهاماً على هذا الفراغ.

نريد أن تملأه المؤسسات بالفعل.

فاس ليست في حاجة إلى قطاع يعتقد فيه المهني البسيط أن احترام القانون واجب عليه وحده، كما أنها ليست في حاجة إلى ترسيخ تصور بأن المكانة أو المال أو عدد العقود يمكن أن يمنح أصحابها وضعاً مختلفاً عن باقي المهنيين.

سواء كان هذا التصور صحيحاً أو خاطئاً، فإن انتشاره يضر بالثقة.

والجهة القادرة على حسمه ليست الصحافة ولا صفحات التواصل، وإنما المؤسسات صاحبة الاختصاص.

المطلوب ليس العقوبة.. بل أن تعمل المسطرة
لا نطالب برأس أحد.

ولا نطلب أن تتحول المؤسسات إلى أداة لتصفية الخصومات المهنية.
ولا نريد أن يصبح الاتهام المتداول حكماً نهائياً.

المطلوب أبسط من ذلك وأهم: أن تعمل المسطرة عندما توجد معطيات جدية تستوجب النظر، وأن تطبق القواعد وفق المعايير نفسها على جميع المهنيين.

إذا تبين أن المعطيات غير صحيحة، فذلك جواب.

إذا تبين أنها لا تشكل مخالفة، فذلك جواب.

وإذا أثبتت الجهات المختصة وجود مخالفات، فالقانون هو الذي يحدد الإجراءات والجزاءات.

أما استمرار السؤال دون جواب ظاهر، فهو الذي يسمح بنمو الاعتقاد بأن البعض قد يكون أقوى من القاعدة.

لهذا يبقى ملف سيارات الأجرة بفاس اختباراً لمدى وضوح تطبيق القواعد على الجميع، لا فقط عندما يتعلق الأمر بمخالفة صغيرة يسهل رصدها، بل أيضاً عندما تصبح المعطيات المتداولة أكبر وأكثر حساسية.

لقد انتظرنا لأننا نحترم المؤسسات، لكن احترام المؤسسات لا يعني التنازل عن حق مساءلتها.

والثقة في دولة القانون لا تعني أن يصمت المواطن عندما يرى القانون يعمل في ملفات، ثم يتساءل عن أثره في ملفات أخرى.

ولهذا يبقى السؤال قائماً:

إذا كانت المعطيات المتداولة تستوجب النظر، فهل جرى النظر فيها؟ وإذا كان القانون يصل إلى المهني البسيط عند مخالفته، فما الذي يمنعه من أن يعمل بالجدية نفسها مع الجميع؟

ذلك ليس حكماً ولا إدانة.

إنه سؤال عن المساواة أمام القانون.

والجواب الأقوى لن يكون سجالاً ولا منشوراً مضاداً، بل أن يرى المهني والمواطن أن المؤسسات تتحقق وتقرر، كل في حدود اختصاصه، وأن القاعدة حين تكون واجبة التطبيق لا تسأل أولاً عن اسم الشخص أو ماله أو موقعه داخل القطاع.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version