في وقت لا تزال فيه قضية قدماء المعتقلين الإسلاميين تطرح أسئلة تتجاوز سنوات السجن إلى ما بعدها، فتح مصطفى كريمي، المنسق الوطني للتنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين، في حوار خاص مع موقع MarocActu24، ملف الإدماج وجبر الضرر وتسوية الأوضاع القانونية والمهنية والاجتماعية لمن أنهوا عقوباتهم وغادروا المؤسسات السجنية.

ويكشف الحوار عن تحول واضح في خطاب التنسيقية من التركيز أساساً على الإفراج وإنهاء الاعتقال إلى ما تسميه «حقوق ما بعد السجن»، إذ يعتبر كريمي أن انتهاء العقوبة القضائية لا ينهي بالضرورة آثارها الاجتماعية والمهنية والنفسية والإدارية.

ويشدد المنسق الوطني للتنسيقية على أن مطالب الإطار الذي يمثله لا تستهدف إلغاء الأحكام القضائية أو محو المسؤولية المرتبطة بها، وإنما معالجة ما يعتبره استمراراً لآثار العقوبة بعد انتهائها، من خلال الإدماج وجبر الضرر وتسوية الوضعيات العالقة.

وفي هذا الحوار مع MarocActu24، يتحدث مصطفى كريمي عن واقع قدماء المعتقلين، ومطالب التنسيقية من المؤسسات، واستراتيجيتها خلال المرحلة المقبلة، كما يقدم قراءته النقدية لـ«برنامج مصالحة» وتصورها لما ينبغي أن تكون عليه مرحلة ما بعد السجن.

قدماء المعتقلين الإسلاميين.. هل تنتهي المشكلة بانتهاء العقوبة؟

MarocActu24: بعد مرور سنوات على الإفراج عن عدد كبير من المعتقلين، كيف تقيم التنسيقية واقع قدماء المعتقلين اليوم؟ وهل انتهت المشكلة بانتهاء العقوبة، أم أن آثار الاعتقال ما تزال تفرز إشكالات اجتماعية وقانونية ومهنية ونفسية تستدعي معالجة مؤسساتية؟

مصطفى كريمي:

بكل وضوح، نعتبر أن الاعتقاد بأن الملف انتهى بمجرد خروج المعتقل من السجن اختزال غير مقبول لقضية ما تزال آثارها حاضرة في حياة عدد من الناس.

العقوبة لها بداية ونهاية محددتان في الحكم القضائي، لكن آثارها قد تمتد لسنوات بعد الإفراج، بل قد تتحول في بعض الحالات إلى ما يشبه عقوبة اجتماعية ومهنية ونفسية غير معلنة.

هناك من خرج من السجن فوجد أبواب العمل مغلقة أمامه، وهناك من انقطع مساره المهني، وأسر دفعت ثمناً لم تكن مسؤولة عنه، وأشخاص ما يزال ماضيهم القضائي يلاحقهم في حياتهم اليومية رغم انتهاء العقوبة.

وهنا نطرح سؤالاً جوهرياً: ماذا يعني أن تنتهي العقوبة على الورق، بينما يظل الإنسان يدفع ثمنها في العمل والمجتمع والإدارة وحياته اليومية؟

التنسيقية ترفض أن يتحول انتهاء مدة السجن إلى نهاية شكلية للمسؤولية عن معالجة آثار الاعتقال. نحن نطالب بمعالجة واقعية لما خلفته سنوات السجن، وتمكين من أنهى عقوبته من استعادة حياته وكرامته ومساره المهني والاجتماعي.

لهذا نقول إن ملف قدماء المعتقلين لم ينته، لأن الإنسان لا يستعيد بالضرورة حياته بمجرد خروجه من السجن.

والتعامل الجاد مع هذا الواقع يبدأ، في نظرنا، بالاعتراف بأن مرحلة ما بعد السجن تحتاج إلى سياسة واضحة للإدماج وجبر الضرر وتسوية الوضعيات ومعالجة الآثار الاجتماعية والمهنية والقانونية.

اقرأ أيضاً | الملك محمد السادس يصدر عفواً عن 634 شخصاً بمناسبة المولد النبوي
“MarocActu24 – العفو عن 634 شخصاً ومن بينهم محكومون في قضايا التطرف والإرهاب”

من الإفراج إلى «حقوق ما بعد السجن»

MarocActu24: ما الذي تطالب به التنسيقية تحديداً من الدولة؟ وهل انتقل خطابها من المطالبة بالعفو والإفراج إلى المطالبة بحقوق ما بعد السجن، أم ما تزال المطالب محكومة أساساً بمنطق معالجة الماضي؟

مصطفى كريمي:

نعم، انتقلنا بشكل واضح من منطق المطالبة بالإفراج إلى منطق المطالبة بالحقوق، وهذه نقطة أساسية ينبغي أن تكون واضحة للرأي العام.

لم تعد القضية بالنسبة إلينا تقتصر على سؤال من بقي في السجن ومن خرج منه، بل أصبح السؤال هو: ماذا حدث لهذا الإنسان بعد خروجه؟ وكيف جرى التعامل مع آثار سنوات الاعتقال عليه وعلى أسرته؟

نحن نطالب بجبر الضرر باعتباره حقاً وليس إحساناً، ونطالب بالإدماج الحقيقي لا الإدماج الشكلي، كما نطالب بتسوية الوضعيات القانونية والإدارية والاجتماعية والمهنية التي ما تزال تعرقل حياة عدد من قدماء المعتقلين.

ونطالب كذلك بإحداث آلية مؤسساتية واضحة تستمع إلى المعنيين، وتدرس ملفاتهم حالة بحالة، وتحدد طبيعة الأضرار، ثم تضع حلولاً عملية قابلة للتنفيذ.

نرفض أن يظل الإنسان محكوماً بماضيه إلى ما لا نهاية. إذا كانت العقوبة محددة بمدة، فلماذا تستمر آثارها من دون سقف زمني؟

هذا هو السؤال الذي تطرحه التنسيقية اليوم.

نحن لا نطالب بمحو الماضي أو بإلغاء المسؤولية القضائية، وإنما نطالب بأن تكون للعقوبة حدود، وأن يكون لما بعدها معنى.

انتهت سنوات السجن بالنسبة إلى كثيرين، لكن معاناتهم لم تنته. ومن غير المقبول أن نطلب من شخص أن يندمج في المجتمع، بينما تظل أمامه عراقيل تمنعه من بناء حياة مستقرة.

مطلبنا اليوم هو الانتقال من مرحلة إدارة الملف إلى مرحلة معالجته.

من المراسلات إلى الترافع المؤسساتي

MarocActu24: بعد تجربة المراسلات والاتصالات مع المؤسسات، وما رافقها من محدودية في الاستجابة، ما الاستراتيجية التي تعتمدها التنسيقية لفتح حوار مؤسساتي؟ وهل لديكم تصور يجمع بين العمل الحقوقي والإعلامي والمدني والمؤسساتي بدل الاكتفاء بتجديد المطالب؟

مصطفى كريمي:

أدركت التنسيقية من خلال تجربتها أن المراسلات وحدها لا تكفي، وأن إرسال المطالب إلى المؤسسات وانتظار الرد لا يمكن أن يشكل استراتيجية دائمة.

لذلك ننتقل اليوم إلى عمل أكثر تنظيماً ووضوحاً، يقوم على التوثيق والنشر والتواصل والترافع، إلى جانب فتح قنوات مع الهيئات الحقوقية والمدنية والإعلامية والمؤسسات المعنية.

نريد أن يصبح الملف معروفاً ومحدداً ومبنياً على شهادات ومعطيات ووثائق، لا أن يبقى مجرد روايات متفرقة.

وفي الوقت نفسه نقول للمؤسسات المعنية إن الحوار لا يمكن أن يبقى مجرد شعار. إذا كانت هناك إرادة حقيقية لمعالجة الملف، فنحن مستعدون للحوار في أي وقت، وعلى أساس واضح ومسؤول.

لكن الحوار الذي نريده ليس لقاءً بروتوكولياً، ولا مناسبة لالتقاط الصور، ولا جلسة استماع تنتهي بوضع المذكرات في الأدراج.

نريد حواراً ينتج عنه مسار واضح يبدأ بتشخيص المشاكل، وتحديد المسؤوليات، ودراسة المطالب، ووضع الحلول، ثم متابعة تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

التنسيقية لن تكتفي بتكرار المطالب بالطريقة نفسها. سنواصل العمل الحقوقي والإعلامي والمدني، وسنوسع دائرة التعريف بالملف، لأن الصمت لم يعد حلاً.

نحن لا نبحث عن مواجهة مع المؤسسات، بل عن معالجة حقيقية لملف طال انتظاره. وفي المقابل، لا يمكن مطالبة المتضررين بالصمت إلى أجل غير مسمى.

وكلما طال تجاهل الملف، أصبحت الحاجة إلى معالجته أكثر إلحاحاً.

«برنامج مصالحة» بين المقاربة الرسمية وانتقادات التنسيقية

MarocActu24: ما المشروع الذي تقترحه التنسيقية لمرحلة ما بعد ملف المعتقلين؟ هل تريدون البقاء إطاراً للدفاع عن المطالب، أم تسعون إلى بناء تجربة مدنية تجعل من قدماء المعتقلين فاعلين في الإدماج وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع؟

مصطفى كريمي:

التنسيقية لا تريد أن تبقى إلى الأبد مجرد إطار يعدد المظالم ويطالب بحلول.

نريد أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها قدماء المعتقلين جزءاً طبيعياً وفاعلاً داخل المجتمع، لا أشخاصاً يعيشون باستمرار تحت ظل الماضي.

لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب أولاً معالجة حقيقية للآثار التي خلفها الاعتقال.

لا يمكن أن نقول لشخص: اندمج، ثم نتركه يواجه البطالة والإقصاء والوصم والعراقيل بمفرده. ولا يمكن أن نطالبه بفتح صفحة جديدة، بينما تظل آثار الصفحة القديمة حاضرة في حياته.

نحن ضحايا لهذه المرحلة، ولسنا مسؤولين عن نتائجها، ولا مطالبين بتحمل تبعاتها إلى ما لا نهاية.

من هنا يقوم مشروع التنسيقية على استعادة الإنسان لحقوقه ومكانته وكرامته، وتمكينه من بناء حياته من جديد على أساس المساواة والإنصاف.

نريد أن يصبح قدماء المعتقلين مواطنين فاعلين في المجتمع، وأن تتحول تجربتهم من مصدر للمعاناة إلى رصيد إنساني وحقوقي يوثق الذاكرة، ويحفظ الشهادة، ويساهم في منع تكرار الانتهاكات.

لكننا نرفض في الوقت نفسه اختزال قضيتنا في أي برنامج لإعادة التأهيل، أو في مطالبة الضحية بإثبات أهليته للاندماج.

وهنا لدينا موقف نقدي واضح من «برنامج مصالحة». استفاد بعض المشاركين منه، لكن لا يمكن اعتباره، من وجهة نظرنا، حلاً شاملاً لقضية المعتقلين، ولا بديلاً عن جبر الضرر والإدماج وتسوية الوضعيات ومعالجة الآثار التي خلفتها سنوات الاعتقال.

قضية الضحايا لا يمكن، في تصورنا، اختزالها في تغيير المواقف أو المشاركة في برامج معينة.

الإنصاف الحقيقي يبدأ بالاستماع إلى الضحايا، والاعتراف بمعاناتهم، ومعالجة الأضرار التي لحقت بهم وبأسرهم، وفتح الطريق أمامهم لاستعادة حياتهم وحقوقهم.

نحن لا نريد أن نبقى أسرى الماضي، لكننا نرفض في الوقت نفسه تجاوز الماضي من دون إنصاف من تضرروا منه.

ورسالتنا اليوم واضحة: انتهت العقوبة بالنسبة إلى من استوفى مدته، لكن آثارها لم تنته.

نطالب بأن تنتهي الآثار غير المعلنة للعقوبة، وأن يبدأ حق الإنسان في حياة جديدة.

نحن ضحايا نطالب بالإنصاف، ولسنا متهمين مطالبين بتبرير وجودنا أو الدفاع عن حقنا في الحياة والاندماج.

ويعرّف «مركز مصالحة» البرنامج، في المقابل، باعتباره آلية لتأهيل وإعادة إدماج النزلاء المحكوم عليهم بموجب قانون مكافحة الإرهاب، تشمل جوانب فكرية ودينية وقانونية وحقوقية ونفسية وسوسيو-مهنية، إضافة إلى مواكبة مرحلة ما بعد الاعتقال. ووفق أحدث حصيلة منشورة للمركز، بلغ عدد المستفيدين من البرنامج 436 مستفيداً ومستفيدة منذ انطلاقه سنة 2017 إلى اختتام الدورة التاسعة عشرة في أبريل 2026.

المصدر الرسمي | مركز مصالحة

المصدر الرسمي | حصيلة الدورة 19 وافتتاح الدورة 20
“مركز مصالحة – 436 مستفيداً منذ 2017”

ويضع حوار مصطفى كريمي ملف قدماء المعتقلين الإسلاميين أمام نقاش يتجاوز سؤال الإفراج إلى طبيعة السياسات المعتمدة بعد انتهاء العقوبة، بين رؤية التنسيقية التي تطالب بجبر الضرر وتسوية الوضعيات، والمقاربة المؤسساتية التي تركز على التأهيل وإعادة الإدماج.

حوار خاص مع موقع MarocActu24

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version