بقلم: محمد الباز

أعادت دراسة علمية دولية ملف توزيع الموارد الفلاحية بسهل سايس، في جهة فاس مكناس، إلى واجهة النقاش حول العدالة المجالية والسياسات الزراعية بالمغرب، بعدما خلصت إلى أن الولوج غير المتكافئ إلى الموارد الطبيعية يعزز مواقع ما وصفته الباحثة بـ«نخبة ريفية جديدة»، بينما يتحمل صغار الفلاحين أعباء بيئية أكبر مقارنة بإمكاناتهم، في منطقة تستعد للاستفادة من مشروع جديد للسقي بتمويل أوروبي يبلغ نحو 1.6 مليار درهم.

وتكتسب نتائج الدراسة أهمية خاصة عند مقارنتها بالالتزامات المعلنة في مشروع «سايس 3»، الذي حصل على اتفاقية قرض بقيمة 150 مليون يورو، بهدف توسيع شبكة السقي وحماية المياه الجوفية، مع استهداف نحو 7300 استغلالية فلاحية.

ولا يتعلق الأمر بدراسة تقيم المشروع الجديد أو تتهم المستفيدين منه بممارسات غير قانونية، وإنما ببحث علمي سابق يطرح سؤالاً بشأن قدرة الاستثمارات المائية الجديدة على تقليص التفاوتات القائمة بين الفلاحين.

الدراسة، التي أنجزتها الباحثة الألمانية بيرغيت كيمرلينغ (Birgit Kemmerling)، من مركز بون الدولي لدراسات النزاعات، ونُشرت إلكترونياً يوم 22 غشت 2026 في مجلة «Society & Natural Resources»، تحمل عنوان «إعادة التفاوض بشأن العقد الاجتماعي القروي؟ التغير البيئي والتفاوتات الاجتماعية في قطاع الزيتون المغربي».

المصدر العلمي الأصلي | Society & Natural Resources – 22 غشت 2026

سهل سايس.. كيف تستفيد النخبة الريفية من الموارد الفلاحية؟

اعتمدت الباحثة على مراجعة للأدبيات العلمية ومقابلات شبه موجهة مع فاعلين في قطاع إنتاج الزيتون وتحويله بسهل سايس، شملت فلاحين وأطرافاً مرتبطة بسلسلة الإنتاج.

وامتدت بعض المقابلات الميدانية إلى سنوات 2020 و2021 و2022، ما يجعل النتائج مرتبطة بالتحولات التي رصدتها الباحثة خلال تلك الفترة، وليس بقياس مباشر للوضع الفلاحي في أكتوبر 2026.

وخلصت الدراسة إلى أن توزيع فرص الولوج إلى الموارد الطبيعية لا يتم بصورة متكافئة، وأن هذا الاختلال يمنح فئات أكثر قدرة على تعبئة الموارد موقعاً أفضل داخل الاقتصاد القروي.

واستعملت الباحثة تعبير «النخبة الريفية الجديدة» للإشارة إلى المستفيدين من الترتيبات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالموارد، مقابل فئات صغيرة تواجه تحديات أكبر في التعامل مع التغيرات البيئية.

ولم تعتبر الدراسة هذه التفاوتات مسألة إنتاجية فقط، بل ربطتها بطبيعة العلاقة بين الدولة والفلاحين، وبالقواعد الرسمية وغير الرسمية التي تحدد من يستطيع الوصول إلى الموارد، ومن يتحمل الأضرار الناتجة عن استغلالها.

وبحسب خلاصتها، فإن صغار الفلاحين يتأثرون بصورة غير متناسبة بالتدهور البيئي، في حين تحد محدودية مشاركتهم السياسية من قدرتهم على التأثير في القرارات المتعلقة بتوزيع الموارد وتغيير قواعد تدبيرها.

وتخلص الباحثة إلى أن النموذج القائم يمنح أولوية للإنتاجية الفلاحية مقارنة بالاستدامة البيئية، بما يضع التوازن بين رفع الإنتاج وحماية الموارد الطبيعية والإنصاف الاجتماعي في قلب النقاش.

ولا تتضمن النتائج المنشورة أسماء فلاحين أو شركات استفادت بصورة غير قانونية، كما لا تثبت وجود اختلاس أو تحويل أموال عمومية لفائدة جهة بعينها.

1.6 مليار درهم لمشروع «سايس 3».. من سيستفيد من المياه؟

تتقاطع الإشكالات التي رصدتها الدراسة مع مشروع استثماري مائي جديد أعلنته وزارة الاقتصاد والمالية يوم 12 دجنبر 2025، بعد توقيع اتفاقية تمويل مع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.

وتبلغ قيمة القرض 150 مليون يورو، أي نحو 1.617 مليار درهم، إضافة إلى منح تبلغ 11.5 مليون يورو، تعادل حوالي 124 مليون درهم، وهي مبالغ منفصلة عن قيمة القرض الأساسي.

ووقع الاتفاقية الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، والنائب الأول لرئيس البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية غريغ غوييط.

ويشكل «سايس 3» المرحلة الثالثة والأخيرة من برنامج يستهدف حماية الفرشة المائية بسهل سايس، عبر تعويض جزء من المياه الجوفية المستعملة في السقي بمياه سطحية مصدرها سد مداز.

وبحسب وزارة الاقتصاد والمالية، يتضمن المشروع توسيع شبكة الري لتشمل 20 ألف هكتار إضافية، وتأمين السقي بصورة مباشرة لنحو 7300 استغلالية فلاحية، مع تعبئة ما بين 90 و120 مليون متر مكعب من المياه سنوياً ضمن البرنامج.

كما أعلنت الوزارة أن البرنامج يتضمن مواكبة تقنية تستهدف الشباب والنساء وصغار الفلاحين، بهدف تحسين الممارسات الزراعية وتعزيز الاستدامة والاندماج الاقتصادي داخل المجال القروي.

المصدر الرسمي | وزارة الاقتصاد والمالية – اتفاقية تمويل سايس 3 بتاريخ 12 دجنبر 2025

غير أن الأهداف المعلنة لا تسمح وحدها بتحديد عدد صغار الفلاحين الذين سيحصلون فعلياً على خدمات السقي، أو حصتهم من المياه مقارنة بالاستغلاليات الكبرى.

كما أن عدد 7300 يتعلق بالاستغلاليات الفلاحية المستهدفة، ولا يعني بالضرورة العدد نفسه من الأشخاص المستفيدين.

ومن هنا تبرز أهمية معرفة معايير الربط بشبكات الري، والتكلفة التي سيتحملها المستغلون، والإجراءات الموضوعة لضمان عدم استبعاد الفئات الأقل قدرة على تمويل التجهيزات أو أداء رسوم الخدمة.

وثيقة البنك الأوروبي تثير مسألة تسعيرة المياه والتعويضات

تكشف وثائق البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية جانباً إضافياً من التحديات المرتبطة بمشروع «سايس 3»، لا يتعلق فقط بتمويل البنيات التحتية، بل بالشروط الاقتصادية والاجتماعية التي ستحدد استفادة الفلاحين منها.

فبحسب الوثيقة المنشورة على الموقع الرسمي للمؤسسة الممولة، تمثل تسعيرة خدمات توزيع مياه السقي عنصراً أساسياً في تحقيق الآثار الإيجابية للمشروع.

وتوضح المؤسسة أن وزارة الفلاحة تعمل على تحديد صيغة ملائمة وشاملة لتسعير المياه، بما يسمح بتوفير خدمة الري بصورة أكثر إنصافاً.

ويعني ذلك أن العدالة في توزيع المياه لا ترتبط فقط بوصول القنوات إلى الأراضي الفلاحية، بل أيضاً بمدى قدرة المستغلين الصغار على تحمل تكلفة الاستفادة منها.

وفي جانب آخر، تشير وثائق التقييم البيئي والاجتماعي للبنك إلى وجود ملفات تعويض مرتبطة باقتناء الأراضي والتأثيرات الاقتصادية للمراحل السابقة، ظلت مبالغها مرصودة في الحالات التي تعذر فيها صرفها، بسبب صعوبات تحديد المستحقين أو استمرار نزاعات حول التقييم.

كما سجل التقييم اختلالات سابقة في شروط العمل مرتبطة، من بينها، بساعات عمل إضافية مفرطة وتأخر صرف بعض الأجور، وأوصى بتعزيز إجراءات مراقبة المقاولات والالتزام بالمعايير الاجتماعية في المرحلة الجديدة.

ولا تعني هذه الملاحظات أن مشروع «سايس 3» ارتكب المخالفات نفسها، أو أن الملفات القديمة بقيت دون معالجة حتى أكتوبر 2026، وإنما توضح المخاطر التي حددها البنك عند إعداد المرحلة الجديدة والإجراءات التي طالب باعتمادها.

وتنص وثائق المشروع أيضاً على تحديث آليات التشاور مع الأطراف المعنية، وإجراءات التعويض عن الأضرار المحتملة، وتوفير مواكبة لتعزيز إدماج النساء والشباب.

المصدر الرسمي | البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية – وثائق مشروع Saiss III، المرجع 55198

وتكتسب هذه التفاصيل أهمية مباشرة في ضوء الدراسة العلمية التي انتقدت محدودية قدرة صغار الفلاحين على التأثير في القرارات المتعلقة بالموارد الطبيعية.

فوجود آلية للتشاور لا يكفي وحده لإثبات مشاركة مختلف الفئات بصورة متكافئة، مثلما أن الإعلان عن عدد المستفيدين لا يوضح بالضرورة كيفية توزيع المياه والتكاليف بينهم.

استثمارات الري بالمغرب.. التحدي بين التمويل والتنفيذ

لا تنحصر أسئلة حكامة مشاريع السقي في سهل سايس، إذ سبق أن تابع MarocActu24 مسار استثمارات مائية ممولة من البنك الدولي داخل منطقة تادلة.

وكشفت وثائق المشتريات المتعلقة بمشروع «مرونة واستدامة مياه الري» عن عمليات ظهرت في وضعية «ملغاة» قبل إعادة طرح بعض الأشغال بصيغ مختلفة، مع انتقال مشروع تحديث قناة زيدانية إلى عقد بقيمة تناهز 370 مليون درهم.

ولا تعني العمليات المصنفة ملغاة بالضرورة ضياع التمويلات، لكنها توضح أهمية متابعة المراحل التي تفصل بين برمجة الاستثمارات وتنفيذ الأشغال ووصول خدمات السقي إلى الفلاحين.

اقرأ أيضاً | عمليات بملايين الدولارات ظهرت «ملغاة».. وثيقة للبنك الدولي تكشف مسار مشروع الري بتادلة وصفقة بـ370 مليون درهم

ويرتبط مشروع سايس أيضاً بسد مداز، الذي يشكل جزءاً من المنظومة المائية لحوض سبو.

وكان MarocActu24 قد تناول مشروعاً آخر داخل الحوض، بعدما كشفت وثائق طلب عروض عن تخصيص ثلاثة ملايين درهم لدراسة إمكانية تركيب تجهيزات للطاقة الشمسية العائمة فوق 12 سداً، من بينها سد مداز.

ويتعلق ذلك المشروع بدراسة الجدوى الطاقية والبيئية، وليس باستثمار مؤكد في محطات جاهزة للتنفيذ، لكنه يعكس تعدد الاستعمالات والمشاريع المرتبطة بالمنشآت المائية نفسها.

اقرأ أيضاً | قبل وضع لوح واحد فوق الماء.. 3 ملايين درهم لاختبار الطاقة الشمسية العائمة فوق 12 سداً بسبو

هل تصل استثمارات سهل سايس إلى صغار الفلاحين؟

تضع المقارنة بين الدراسة العلمية ووثائق التمويل أسئلة عملية أمام وزارة الفلاحة والجهات المكلفة بتنفيذ مشروع «سايس 3»، تتعلق بالمعايير التي سيجري اعتمادها لتوزيع خدمات الري بين المستغلين.

ومن بين هذه الأسئلة تحديد حصة الاستغلاليات الصغيرة من المساحة المستهدفة، وكيفية احتساب تكلفة المياه، وطبيعة الدعم المتاح للفلاحين الذين يواجهون صعوبات مالية، ومدى تمثيلهم في آليات التشاور والتدبير.

كما تبرز الحاجة إلى مؤشرات منشورة تسمح بتتبع عدد المستفيدين الفعليين، والمساحات التي دخلت الخدمة، وحجم المياه الموزعة، وتطور الاعتماد على الفرشة المائية بعد تشغيل الشبكات الجديدة.

ومن المهم التأكيد أن الدراسة المنشورة في غشت 2026 لا تمثل افتحاصاً لمشروع «سايس 3»، لأن مقابلاتها الميدانية سبقت توقيع اتفاقية تمويل مرحلته الأخيرة في دجنبر 2025.

كما أن الإشارة إلى استفادة نخبة ريفية من الموارد الطبيعية لا تثبت أن تلك الفئة حصلت على تمويل المشروع أو استفادت منه بطريقة غير قانونية.

غير أن النتائج تمنح أساساً علمياً لمساءلة أثر الاستثمارات الجديدة على الفوارق القائمة، خصوصاً بعدما أقر البنك الأوروبي نفسه بأهمية العدالة في تسعير المياه وضمان مشاركة الفئات المعنية.

وبين قرض يناهز 1.6 مليار درهم، وبرنامج يستهدف 20 ألف هكتار إضافية ونحو 7300 استغلالية، تبقى القضية الأساسية هي مدى قدرة مشروع سهل سايس على تحقيق هدفين متلازمين: حماية المياه الجوفية وضمان وصول خدمات السقي إلى الفلاحين بشروط منصفة.

أما الحكم على نجاح هذا التوجه، فلن يتحدد بحجم التمويل المعلن وحده، وإنما بنتائج التنفيذ وتوزيع الموارد، وبمدى استفادة صغار الفلاحين من المشروع الذي يفترض أن يعزز استدامة النشاط الزراعي بالمنطقة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version