بقلم: قويدر عبدالرحيم
كشفت دراسة علمية جديدة عن وجود بقايا المبيدات بسد المسيرة في أنسجة أسماك موجهة للاستهلاك، بعدما أظهرت تحاليل شملت 120 سمكة من البلطي النيلي رصد ثمانية مركبات من المبيدات العضوية المكلورة، من بينها الألدرين والديلدرين و«DDT» ومشتقاته، في نتائج تطرح سؤال استمرار المراقبة البيئية، رغم تأكيد الباحثين أن المخاطر الصحية المقدرة ظلت منخفضة وفق المعايير المعتمدة في الدراسة.
ونُشرت الدراسة إلكترونياً يوم فاتح أكتوبر 2026 في مجلة «Journal of Ecological Engineering»، تحت عنوان «وجود المبيدات العضوية المكلورة وآثارها المحتملة على صحة مستهلكي أسماك البلطي النيلي من سد المسيرة بالمغرب».
وأنجز البحث فريق علمي من جامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال والمختبر الوطني للدراسات ورصد التلوث بالرباط، بمشاركة تسعة باحثين، تتصدرهم لبنى فراج، التي تولت مهمة الباحثة المسؤولة عن المراسلات العلمية.
المصدر العلمي الأصلي | Journal of Ecological Engineering – فاتح أكتوبر 2026
بقايا المبيدات بسد المسيرة.. ماذا كشفت تحاليل 120 سمكة؟
اعتمد الباحثون على 120 سمكة من البلطي النيلي جُمعت من صيادين محليين خلال الفترة الممتدة من يوليوز 2022 إلى يونيو 2023، قبل تحضير 24 عينة مركبة من أنسجتها العضلية القابلة للاستهلاك.
وخضعت العينات لتحاليل باستخدام تقنية الاستشراب الغازي المقترن بمطياف الكتلة «GC-MS»، بهدف تحديد المركبات الكيميائية الموجودة وقياس تراكيزها.
وشملت التحاليل ثمانية مركبات هي ثلاثة أشكال من «HCH»، بينها الليندان، إضافة إلى الألدرين والديلدرين و«DDT» ومركبي «DDE» و«DDD» الناتجين عن تحلله.
وأكد الباحثون رصد المركبات الثمانية ضمن العينات المدروسة، وإن بنسب متفاوتة، دون أن يعني ذلك وجود كل مركب في جميع الأسماك أو في كل عينة على حدة.
وسُجل أعلى تركيز فردي بالنسبة إلى الألدرين، وبلغ 8.445 نانوغرام في الغرام الواحد من النسيج الرطب.
أما الديلدرين، فبلغ أعلى تركيز مسجل له 5.611 نانوغرام في الغرام، مقابل 7.571 نانوغرام في الغرام بالنسبة إلى مركب «DDT»، فيما كان «DDD» من أقل المركبات حضوراً.
وتُقاس هذه التراكيز بكميات متناهية الصغر، إذ يعادل النانوغرام جزءاً من مليار جزء من الغرام، وهو ما يجعل قراءة الأرقام مرتبطة بالحدود الصحية المرجعية وطبيعة التعرض، وليس بمجرد إثبات وجود المادة الكيميائية.
وأظهرت المقارنة الإحصائية أن مستويات مجموع المبيدات تغيرت بين أشهر جمع العينات، لكن هذه التغيرات لم تبلغ عتبة الدلالة الإحصائية المعتمدة في الدراسة.
كما لم يجد الباحثون علاقة واضحة بين طول السمكة وتركيز المركبات، بينما ظهرت علاقة إيجابية ذات دلالة إحصائية بين وزن الأسماك ومستويات الديلدرين.
وتشير هذه العلاقة الأخيرة إلى احتمال تأثر تراكم المادة بعوامل مرتبطة بحجم السمكة ومدة تعرضها، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير اختلاف التركيزات بين العينات.
هل تكشف الدراسة استعمالاً حديثاً لمبيدات محظورة؟
لا تقتصر أهمية النتائج على رصد المركبات، بل تمتد إلى طبيعتها الكيميائية، باعتبار أن المبيدات العضوية المكلورة تتميز بقدرتها على البقاء في البيئة لفترات طويلة والتراكم داخل الكائنات الحية.
وقد أشار الباحثون إلى أن النسب المسجلة بين بعض أشكال «HCH» توحي بإمكان وجود مدخلات حديثة نسبياً لمركب الليندان خلال الفترة التي شملتها الدراسة.
وفي المقابل، رجحوا أن وجود «DDT» ومشتقاته يرتبط أساساً بتلوث تاريخي استمرت آثاره في البيئة المائية، نتيجة البطء الذي تتحلل به هذه المركبات.
ولا تثبت هذه المؤشرات، بمفردها، استعمال مبيدات محظورة حديثاً في محيط سد المسيرة، كما لا تحدد الجهة أو النشاط الذي قد يكون وراء وصولها إلى الوسط المائي.
ويتطلب تحديد المصادر المحتملة إجراء قياسات إضافية للمياه والرواسب والتربة المحيطة، إلى جانب تتبع النشاط الفلاحي والتغيرات البيئية التي تؤثر على انتقال الملوثات.
بقايا المبيدات بسد المسيرة.. ماذا عن المخاطر الصحية؟
خلص الباحثون إلى أن التركيزات المقاسة بقيت دون الحدود المرجعية الدولية المتاحة للمقارنة، والتي استندت فيها الدراسة إلى مراجع أوروبية وأمريكية وكندية.
كما استخدم الفريق نماذج لتقدير كمية المبيدات التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان عبر استهلاك الأسماك، مع التمييز بين البالغين والأطفال والأشخاص الذين يتناولون كميات أكبر من السمك.
واعتمد التحليل على متوسطات التركيز وسيناريوهات تعرض مرتفعة نسبياً، بما يسمح باختبار مستويات مختلفة من الاستهلاك.
وأظهرت النتائج أن تقديرات المدخول اليومي بقيت دون العتبات المرجعية المستخدمة، كما ظلت مؤشرات الخطر المحسوبة أقل من الواحد، وهي العتبة التي اعتمدها الباحثون في تقييمهم للمخاطر المسرطنة المحتملة.
ورغم تسجيل مستويات تعرض مقدرة أعلى لدى الأطفال مقارنة بالبالغين، فإن النتائج لم تُظهر تجاوزاً للعتبات المعتمدة في السيناريوهات المدروسة.
وبناء على ذلك، اعتبر الباحثون أن المخاطر الصحية المرتبطة باستهلاك أسماك البلطي النيلي التي تناولتها الدراسة منخفضة.
لكن هذه الخلاصة لا تمثل ضماناً شاملاً لسلامة جميع الأسماك الموجودة بالسد، ولا تشمل ملوثات أخرى لم تدخل ضمن نطاق التحاليل.
كما أن الدراسة لم تجر اختبارات سريرية على مستهلكين، وإنما اعتمدت على قياسات مخبرية ونماذج علمية لتقدير التعرض الغذائي.
مراقبة الأغذية والملوثات.. ماذا تقول المعطيات الأخرى؟
تأتي نتائج سد المسيرة في سياق اهتمام متزايد بتتبع الملوثات الكيميائية داخل المنتجات الغذائية المغربية، وإن اختلفت طبيعة العينات والمواد والمخاطر بين الدراسات والأنظمة الرقابية.
وكان MarocActu24 قد تابع، في 11 أكتوبر 2026، معطيات النظام الأوروبي للإنذار السريع للأغذية والأعلاف، التي سجلت 256 إخطاراً بشأن منتجات غذائية مغربية خلال الفترة الممتدة من 2020 إلى 2025، بينها حالات مرتبطة بالأسماك ومشتقاتها وبقايا المبيدات والمعادن الثقيلة.
ولا ترتبط تلك الإخطارات بدراسة سد المسيرة أو بالأسماك التي شملتها، وإنما تقدم مثالاً مختلفاً على أهمية التحاليل المخبرية وتتبع سلامة المنتجات الغذائية.
اقرأ أيضاً | 256 إخطاراً أوروبياً بشأن أغذية مغربية.. 101 صُنفت خطيرة و147 رفضاً حدودياً
وسبق للمنصة أيضاً أن تناولت، في شتنبر الماضي، 19 إخطاراً أوروبياً بشأن أغذية مغربية خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، شملت مخاطر متنوعة، من بينها بقايا المبيدات والسالمونيلا والزئبق وملوثات أخرى.
وتتعلق هذه المعطيات بالصادرات الغذائية الخاضعة لنظام المراقبة الأوروبي، ولا يمكن استخدامها لتقييم جودة مياه سد المسيرة أو سلامة أسماكه.
اقرأ أيضاً | إخطارات الأغذية المغربية في أوروبا.. 19 حالة خلال 8 أشهر بين الرصاص والسالمونيلا والمبيدات
نتائج 2023 تُنشر في 2026.. ماذا نعرف عن الوضع الحالي؟
يبرز في دراسة سد المسيرة معطى زمني أساسي؛ فرغم نشر نتائجها في فاتح أكتوبر 2026، فإن جميع العينات جُمعت بين يوليوز 2022 ويونيو 2023.
وبالتالي، فإن النتائج تعكس مستويات بقايا المبيدات خلال فترة جمع العينات، ولا يمكن اعتبارها قياساً محدثاً للوضع البيئي أو الصحي للسد في أكتوبر 2026.
كما لم تقدم الدراسة سلسلة قياسات لاحقة تسمح بمعرفة ما إذا كانت تركيزات المركبات الثمانية قد ارتفعت أو انخفضت خلال السنوات الثلاث الماضية.
وتزداد أهمية هذا الجانب بالنظر إلى الدور الذي يؤديه سد المسيرة في تخزين المياه والأنشطة الفلاحية والصيد القاري، وما يقتضيه ذلك من متابعة دورية لجودة البيئة المائية.
وفي هذا السياق، تطرح النتائج أسئلة محددة بشأن ما إذا كانت المؤسسات المختصة قد أجرت تحاليل أحدث لأسماك السد ومياهه ورواسبه، ومدى انتظام برامج مراقبة المبيدات العضوية المكلورة، وإمكانية إتاحة النتائج للصيادين والمستهلكين والباحثين.
كما تبرز الحاجة إلى معرفة ما إذا كانت التحاليل تُجرى ضمن برنامج متكامل يسمح بالمقارنة بين السنوات، وتحديد الاتجاهات الزمنية للتركيزات ومصادرها المحتملة.
ولا تقدم الدراسة دليلاً على وجود تقصير رسمي في المراقبة، كما لا تثبت خطراً صحياً آنياً يستدعي وقف استهلاك الأسماك المدروسة.
لكنها توفر معطيات علمية موثقة عن وجود بقايا مبيدات ثابتة في أنسجة أسماك قابلة للاستهلاك، وتدعم توصية الباحثين بمواصلة الرصد البيئي المنتظم، خصوصاً لحماية الأطفال والمستهلكين المتكررين للأسماك.
والسؤال الذي تتركه نتائج الدراسة مفتوحاً لا يتعلق بما إذا كانت عينات 2022 و2023 تجاوزت حدود السلامة، فقد خلص الباحثون إلى أنها لم تتجاوز العتبات المعتمدة، بل بما تكشفه التحاليل الأحدث، إن توفرت، عن تطور بقايا المبيدات بسد المسيرة ومدى استمرار مراقبتها.
