بقلم: ياسر الحيداوي
أثار ملف زيارة ملك إسبانيا لسبتة ومليلية مواجهة سياسية جديدة، بعدما وجّه تحالف اليسار المغربي انتقادات حادة إلى السلطات الإسبانية، معتبراً زيارة العاهل الإسباني فيليبي السادس للمدينتين يومي 13 و14 أكتوبر 2026 «تصعيداً ضد المغرب، دولة وشعباً»، فيما انتقد ما وصفه بالصمت الرسمي للحكومة المغربية تجاه الخطوة.
وفي بيان صادر بالدار البيضاء، الأربعاء 14 أكتوبر 2026، أعلن التحالف، الذي يضم فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، إدانته للزيارة الملكية الإسبانية، واصفاً إياها بأنها «خطوة استفزازية» تهدف، بحسب تعبيره، إلى «تكريس شرعية زائفة للاحتلال الإسباني للمدينتين المغربيتين».
واعتبر التنظيم السياسي أن الزيارة تشكل «تحدياً سافراً للقوانين والأعراف الدولية»، مؤكداً رفضه لما يراه محاولة لإضفاء الشرعية على الوجود الإسباني في سبتة ومليلية، اللتين تخضعان للإدارة الإسبانية ويتمسك التحالف بمطلب استرجاعهما.
المصدر الأصلي | بيان تحالف اليسار المنشور بصفحة فيدرالية اليسار الديمقراطي على فيسبوك
زيارة ملك إسبانيا لسبتة ومليلية.. اليسار ينتقد صمت الحكومة المغربية
لم تقتصر انتقادات تحالف اليسار على مدريد، بل شملت أيضاً الحكومة المغربية، بعدما عبّر البيان عن استغرابه مما سماه «الصمت الرسمي للحكومة المغربية» إزاء الزيارة.
وبحسب الموقف الذي أعلنه التحالف، فإن غياب رد حكومي معلن يثير تساؤلات بشأن طريقة التعامل مع خطوة يعتبرها التنظيم مساساً بالمطالب المغربية المتعلقة بالمدينتين.
وأكد التحالف أن «كفاح الشعب المغربي من أجل تحرير وتوحيد كافة أجزاء ترابه الوطني لن يتوقف مهما كانت الضغوط والمؤامرات»، مشدداً على استمرار مطلب استرجاع سبتة ومليلية.
ويعكس هذا الموقف اعتراضاً سياسياً مزدوجاً، موجهاً إلى السلطات الإسبانية بسبب تنظيم الزيارة، وإلى الحكومة المغربية بسبب ما يعتبره التحالف غياباً لموقف رسمي واضح.
غير أن البيان لم يتضمن معطيات تثبت أن الحكومة المغربية قررت عدم الرد نهائياً، كما لم يقدم معلومات عن اتصالات دبلوماسية محتملة بين الرباط ومدريد بشأن الزيارة.
وبذلك يبقى انتقاد الصمت الحكومي مرتبطاً بغياب احتجاج رسمي معلن حتى تاريخ صدور البيان، ولا يسمح وحده بالجزم بعدم وجود مشاورات بين البلدين.
وكان MarocActu24 قد تابع، الثلاثاء 13 أكتوبر، تفاصيل وصول الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة، في أول زيارة ملكية إسبانية للمدينة منذ 19 عاماً، مع قرار المبيت فيها قبل الانتقال إلى مليلية.
وتناولت المادة الفرق بين الزيارة الحالية وزيارة الملك السابق خوان كارلوس الأول سنة 2007، التي أثارت احتجاجاً دبلوماسياً مغربياً وصل إلى استدعاء السفير المغربي من مدريد.
اقرأ أيضاً | بعد 19 عاماً.. ملك إسبانيا يدخل سبتة ويقرر المبيت فيها لأول مرة وسط صمت دبلوماسي مغربي معلن!
رسالة إلى إسبانيا والاتحاد الأوروبي بشأن السيادة والتعاون
انتقل تحالف اليسار في بيانه من إدانة الزيارة إلى مستقبل العلاقات بين المغرب وشركائه الأوروبيين، معتبراً أن استمرار التعاون والشراكة مع بلدان الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها إسبانيا، يقتضي احترام السيادة المغربية والمطالب التي وصفها بالمشروعة.
ووضع التنظيم استرجاع الأراضي التي يعتبرها محتلة واستكمال الوحدة الترابية ضمن المطالب التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار في العلاقات مع الشركاء الأوروبيين.
ورغم حدة العبارات المستعملة، لم يطالب التحالف صراحة بتجميد التعاون الاقتصادي أو تعليق العلاقات الدبلوماسية مع مدريد، كما لم يقترح إجراءات محددة ضد المصالح الإسبانية.
ويعني ذلك أن البيان ركز على تسجيل موقف سياسي احتجاجي، دون تقديم برنامج دبلوماسي بديل أو خطوات عملية لتنفيذه.
وفي المقابل، تؤكد الوثائق الرسمية الصادرة عن الديوان الملكي الإسباني أن زيارة فيليبي السادس والملكة ليتيثيا لسبتة يوم 13 أكتوبر ومليلية يوم 14 أكتوبر جرت في إطار برنامج رسمي شمل لقاءات مع السلطات المحلية وممثلي المجتمع المدني ومؤسسات تعليمية.
وقدمت المؤسسة الملكية الإسبانية الزيارة باعتبارها تعبيراً عن دعم التاج الإسباني للمؤسسات والسكان في المدينتين، وهو توصيف يعكس الموقف الرسمي لمدريد، ويختلف عن القراءة السياسية التي قدمها تحالف اليسار المغربي.
المصدر الرسمي | الديوان الملكي الإسباني – زيارة سبتة بتاريخ 13 أكتوبر 2026
المصدر الرسمي | الديوان الملكي الإسباني – زيارة مليلية بتاريخ 14 أكتوبر 2026
وتأتي هذه التطورات في ظرفية تتسم بحساسية العلاقات المغربية الإسبانية، بعد أزمة العبور الجماعي نحو سبتة خلال نهاية يوليوز الماضي، وما أعقبها من خلافات بشأن تدبير الهجرة وإعادة المهاجرين والقاصرين.
كما تزامنت الزيارة مع استمرار النقاش حول مستقبل التعاون الحدودي بين البلدين، بعد الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس أمام البرلمان يوم 9 أكتوبر 2026، وانتقد فيه ما وصفه باستغلال ملف الهجرة لممارسة الضغوط السياسية.
غير أن الخطاب الملكي لم يتضمن إشارة صريحة إلى زيارة فيليبي السادس لسبتة ومليلية، ولا يمكن اعتباره رداً رسمياً مباشراً عليها دون سند واضح.
وكان MarocActu24 قد تناول ردود الفعل التي أثارها الخطاب داخل الصحافة الإسبانية، بما فيها الانتقادات المرتبطة بأزمة سبتة وتحديات التعاون في مجال الهجرة.
اقرأ أيضاً | خطاب محمد السادس يثير جدلاً في إسبانيا.. اتهامات بشأن سبتة وانتقادات لتعيين المنصوري
وتعيد انتقادات تحالف اليسار ملف سبتة ومليلية إلى النقاش الحزبي المغربي، في وقت تواصل فيه الرباط ومدريد التعاون في ملفات اقتصادية وأمنية وهجرية، رغم استمرار الخلاف التاريخي حول المدينتين.
ويطرح هذا الموقف سؤالاً بشأن ما إذا كان التحالف سيترجم اعتراضه إلى مبادرات سياسية أو برلمانية، خصوصاً أنه لم يعلن في بيانه عن خطوات لاحقة محددة.
أما على المستوى الحكومي، فيظل السؤال مرتبطاً بما إذا كانت السلطات المغربية ستصدر توضيحاً بشأن الزيارة، أو ستواصل التعامل مع الملف عبر القنوات الدبلوماسية دون إعلان احتجاج علني.
وبين إدانة التحالف للزيارة وانتقاده الصمت الحكومي، تبقى الوقائع الثابتة أن العاهل الإسباني زار سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر، وأن تحالف اليسار اعتبر الزيارة تصعيداً ضد المغرب، دون أن تقدم المعطيات المتاحة حتى صدور البيان موقفاً حكومياً مغربياً معلناً يوضح كيفية التعاطي معها.
