​بقلم: الباز عبدالإله

رحلة الصين في مشروع الواحات المغربي تثير أسئلة بشأن أولويات الإنفاق، بعدما أظهرت خطة مشتريات حديثة للبنك الدولي برمجة 88,600 دولار لتنظيم مهمة لتبادل الخبرات إلى الصين، في وقت لا يتجاوز فيه الاعتماد التقديري لعملية تجهيز آبار وإنجاز منشآت ملحقة بجماعتي أوفوس والرتب بإقليم الرشيدية 84,150 دولاراً، ضمن المشروع نفسه المخصص لحماية المنظومات الواحية من آثار الجفاف والتدهور البيئي.

وتكشف المقارنة أن المبلغ المرصود لرحلة الصين يفوق ميزانية عملية تجهيز الآبار بفارق 4,450 دولاراً، كما يتجاوز بنحو 22,400 دولار اعتماداً آخر مخصصاً لتجهيز مسالك داخل الواحات بالإنارة الشمسية.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأن المشروع يستهدف تحسين تدبير الموارد المائية واستعادة الأراضي المتدهورة وتقوية صمود سكان الواحات، بينما لا تكشف الوثيقة عدد المشاركين في المهمة الخارجية أو صفاتهم المهنية أو المؤسسات الصينية التي سيزورونها.

ولا يتعلق الأمر بنفقات صُرفت بالفعل، إذ تظهر رحلة الصين ضمن العمليات التي تنتظر التنفيذ، مع عدم تسجيل قيمة عقد فعلية لها في خطة المشتريات.

لكن وجود اعتماد تقديري بهذا الحجم لمهمة خارجية، يفوق قيمة عمليتين ميدانيتين مستقلتين، يطرح سؤالاً بشأن أسس احتساب تكلفتها والنتائج التي يُنتظر أن تعود بها على المناطق الواحية المستهدفة.

رحلة الصين في مشروع الواحات.. 88,600 دولار دون تفاصيل عن المستفيدين

تحمل العملية رقم التعريف «MA-ANDZOA-576978-NC-RFQ»، وتندرج ضمن مشروع «التدبير المستدام للمنظومات البيئية للواحات بالمغرب»، المعروف اختصاراً باسم «PROGEDOM»، والمسجل لدى البنك الدولي تحت المرجع P500402.

وتتولى تنفيذ المشروع الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان «أندزوا»، بشراكة مع المؤسسات المعنية بالتنمية الفلاحية والمائية بالمناطق المستهدفة.

وبحسب خطة المشتريات المؤرخة في 12 أكتوبر 2026، تبلغ القيمة التقديرية للعملية 88,600 دولار، تحت مسمى «تنظيم رحلة لتبادل الخبرات إلى الصين».

وتخضع العملية، وفق البيانات المدرجة بالخطة، لمسطرة طلب أثمان في إطار منافسة وطنية محدودة، مع تصنيفها ضمن الصفقات الخاضعة للمراجعة اللاحقة.

وتحدد البرمجة يوم 19 أكتوبر 2026 موعداً متوقعاً لبدء إجراءات التعاقد، و6 يناير 2027 لتوقيع العقد، بينما حُدد 20 ماي 2027 موعداً مبرمجاً لاكتمال تنفيذه.

وهذه المواعيد تمثل آجالاً تخطيطية يمكن أن تتغير خلال مسطرة التعاقد، ولا تثبت أن العملية انطلقت أو أن عقداً أُبرم بشأنها.

غير أن خطة المشتريات لا تقدم معلومات كافية لتقييم محتوى الرحلة، إذ لا تحدد عدد الأشخاص الذين سيشاركون فيها، أو طبيعة مهامهم داخل الوكالة والمؤسسات الشريكة، أو مدة الزيارة.

كما لا تعرض برنامجاً تقنياً يحدد المؤسسات الصينية المستقبلة، أو مجالات التعاون والخبرات المستهدفة، أو النتائج التي يتعين تحقيقها بعد العودة إلى المغرب.

وتبقى هذه المعطيات ضرورية للحكم على مدى تناسب الاعتماد المرصود مع أهداف المهمة، لأن رحلة تضم وفداً تقنياً كبيراً وبرنامجاً متخصصاً تختلف في تكلفتها وجدواها عن زيارة محدودة المشاركين والأنشطة.

المصدر الرسمي | البنك الدولي – خطة المشتريات المحينة بتاريخ 12 أكتوبر 2026 لمشروع P500402

تجهيز الآبار بـ84 ألف دولار.. لماذا تتجاوزها ميزانية الرحلة؟

تظهر المفارقة عند مقارنة تكلفة رحلة الصين بعمليات أخرى مسجلة ضمن خطة المشتريات نفسها.

فقد رُصد اعتماد تقديري بقيمة 84,150 دولاراً لتجهيز الآبار وإنجاز منشآت ملحقة بجماعتي أوفوس والرتب بإقليم الرشيدية.

ويقل هذا المبلغ عن ميزانية رحلة الصين بنحو 4,450 دولاراً.

كما تتضمن الخطة عملية لتجهيز مسالك داخل الواحات بالإنارة الشمسية بقيمة تقديرية تبلغ 66,200 دولار، أي أقل من ميزانية الرحلة الخارجية بفارق 22,400 دولار.

ولا تعني هذه المقارنة أن الرحلة ستؤدي بالضرورة إلى حرمان السكان من الآبار أو تجهيزات الإنارة، لأن كل عملية ترتبط بحاجيات ومواصفات ومصادر تقدير مختلفة داخل البرنامج.

كما لا يمكن اعتبار القيم التقديرية أسعاراً نهائية، إذ قد تتغير المبالغ عند توقيع العقود بحسب نتائج إجراءات التعاقد.

لكن المقارنة تبرز اختلافاً في حجم الاعتمادات بين خدمة لتبادل الخبرات خارج المغرب وتدخلات ميدانية مرتبطة بالتجهيزات الأساسية داخل الواحات.

فبينما تظهر عملية تجهيز الآبار في مرحلة متقدمة من إجراءات التنفيذ، تظل رحلة الصين ضمن العمليات التي تنتظر استكمال مسطرتها.

ويصبح السؤال هنا متعلقاً بكيفية ترتيب أولويات الإنفاق، ومدى ارتباط المهمة الخارجية بحاجيات واضحة لدى الفلاحين والتعاونيات والمصالح التقنية العاملة في المناطق الواحية.

كما تتضمن خطة المشتريات بنداً مستقلاً بقيمة 39,600 دولار لخدمات الإيواء والإطعام لفائدة المشاركين في أنشطة المشروع، يحمل المرجع «MA-ANDZOA-576996-NC-RFQ».

لكن الوثيقة لا تثبت ارتباط هذا الاعتماد برحلة الصين، ولذلك لا يصح إضافته إلى مبلغ 88,600 دولار أو تقديمه باعتباره جزءاً من تكلفتها.

وبالتالي، فإن المقارنة المالية المعتمدة هنا تقتصر على قيمة العملية المسجلة صراحة تحت عنوان رحلة تبادل الخبرات إلى الصين.

وكان MarocActu24 قد كشف في 29 شتنبر 2026 تفاصيل خطة مشتريات سابقة للمشروع نفسه، تضمنت أشغال حماية واحة أكّا من الفيضانات، وإعادة تأهيل الخطارات والسواقي، وإنشاء منشآت لتغذية الفرشات الجوفية، وتهيئة مسالك الولوج إلى الواحات.

وتوضح تلك الخطة وجود تدخلات ميدانية متعددة داخل المشروع، بعضها دخل مرحلة التعاقد أو التنفيذ، وهو ما يمنع اختزال البرنامج كله في نفقة الرحلة الخارجية.

اقرأ أيضاً | 16.3 مليون دولار لأكّا وأوفوس.. البنك الدولي يكشف خريطة الفيضانات والخطارات وأسواق الواحات

مشروع بـ16.3 مليون دولار.. ماذا يُفترض أن تحقق رحلة الصين؟

بالرجوع إلى وثيقة تقييم المشروع التي أعدها البنك الدولي في 20 ماي 2024، تبلغ الكلفة الإجمالية لبرنامج «PROGEDOM» نحو 16.3 مليون دولار.

ويتكون التمويل من منحة بقيمة 12 مليون دولار مقدمة عبر صندوق «PROGREEN» متعدد المانحين، إضافة إلى مساهمة حكومية مغربية بقيمة 4.3 ملايين دولار.

وتؤكد هذه التركيبة أن مبلغ 12 مليون دولار يمثل منحة، وليس قرضاً يتعين على المغرب سداده، بينما تدخل المساهمة الحكومية ضمن التمويل الإجمالي للمشروع.

ويخصص البرنامج 13 مليون دولار لاستعادة المنظومات البيئية الواحية وتحسين سبل العيش، إلى جانب اعتمادات لتقوية القدرات المؤسساتية وتبادل المعرفة وتدبير المشروع.

ويستهدف المشروع بصورة مباشرة نحو 36,885 شخصاً، بينهم 23,885 في مجال أوفوس بإقليم الرشيدية، و13 ألفاً في منطقة أكّا بإقليم طاطا.

وتشمل تدخلاته تحسين تدبير المياه، وتأهيل السواقي والخطارات، والحد من تدهور الأراضي، ودعم المشاريع الاقتصادية المحلية، مع تطوير نموذج يمكن الاستفادة منه في تدبير واحات أخرى.

وتتيح مكونات المشروع، من حيث المبدأ، تنظيم أنشطة للتكوين وتبادل المعرفة والخبرات الدولية، وهو ما يوفر إطاراً عاماً يمكن أن تندرج ضمنه رحلة من هذا النوع.

لكن وجود بند لتبادل المعرفة لا يكفي وحده لتقييم جدوى اختيار الصين تحديداً، أو تحديد حجم الوفد والكلفة المناسبة للمهمة.

فهل يرتبط البرنامج المزمع بتقنيات صينية ناجحة في الاقتصاد في مياه السقي أو حماية الأراضي من التصحر؟ وهل ستشمل الزيارة منشآت ومختبرات ومؤسسات متخصصة في تأهيل المجالات شبه الجافة؟

وهل ستشارك في المهمة كفاءات تقنية تعمل مباشرة داخل واحات أوفوس وأكّا، أم سيقتصر الوفد على مسؤولين إداريين؟

وتبقى الإجابة عن هذه الأسئلة ضرورية لفهم طبيعة المنفعة المنتظرة من رحلة تبلغ قيمتها التقديرية 88,600 دولار.

المصدر الرسمي | البنك الدولي – وثيقة تقييم مشروع التدبير المستدام للمنظومات الواحية بالمغرب، ماي 2024

41 ملاحظة افتحاص سابقة تزيد أهمية التتبع

ولا تنفصل الأسئلة الجديدة عن تاريخ التدبير المالي والتقني للمشروع نفسه.

فقد سبق لموقع MarocActu24 أن نشر، في 11 شتنبر 2026، نتائج افتحاص للمفتشية العامة للمالية برسم سنة 2025، سجل 41 ملاحظة مرتبطة بالحكامة والتدبير المالي والأشغال والتتبع.

ومن بين الملاحظات التي عرضها التقرير، بحسب التغطية المنشورة، وجود عيوب في تشطيبات بعض منشآت جمع المخلفات الخضراء، بينها موقع تعذر ولوج المركبات إليه، فضلاً عن ملاحظات تخص تجهيزات وأشغالاً أخرى.

كما تناول التقرير تأخر بعض إجراءات التتبع المالي، وعدم انتظام اجتماعات بعض اللجان، والحاجة إلى تحسين مراقبة تنفيذ الصفقات.

غير أن الافتحاص لم ينته إلى رأي سلبي شامل بشأن القوائم المالية للمشروع، ولا يثبت وقوع اختلاس أو تبديد للمنحة.

كما أن الملاحظات السابقة لا تتعلق بصفقة رحلة الصين، التي ترد في خطة مشتريات أحدث، ولا يجوز استخدامها دليلاً على وجود مخالفة في هذه العملية.

لكن وجود ملاحظات رقابية موثقة على تدبير المشروع يجعل نشر تفاصيل التعاقدات الجديدة ونتائجها أكثر أهمية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بخدمات لا يمكن تقييم مردوديتها من خلال معاينة منشأة مادية.

اقرأ أيضاً | 41 ملاحظة في مشروع الواحات بـ12 مليون دولار.. منشأة لجمع المخلفات تعجز المركبات عن دخولها

رحلة مبرمجة في 2027.. وسؤال عن تاريخ إغلاق المشروع

تبرز مسألة أخرى عند مقارنة الجدول الزمني لرحلة الصين بوثيقة التقييم الأصلية للمشروع.

فوثيقة البنك الدولي الصادرة سنة 2024 حددت 31 دجنبر 2026 موعداً متوقعاً لإغلاق البرنامج، بينما تضع خطة المشتريات الجديدة 20 ماي 2027 موعداً مبرمجاً لاكتمال عملية الرحلة.

ولا يثبت هذا الاختلاف، بمفرده، وجود مخالفة للآجال، لأن مشاريع البنك الدولي يمكن أن تخضع لتعديلات رسمية في تواريخ إغلاقها أو في ترتيبات تنفيذها.

لكنه يطرح ضرورة التحقق من الموعد المعتمد حالياً لإغلاق المشروع، وما إذا كانت قد صدرت موافقة رسمية على تمديده أو تعديل جدولة أنشطته.

كما يظل من المهم معرفة ما إذا كانت نتائج رحلة تبادل الخبرات ستُترجم إلى أنشطة ميدانية داخل الواحات قبل اختتام المشروع، أو ضمن ترتيبات مؤسساتية لاحقة.

فالمعرفة المكتسبة من زيارة خارجية لا تتحول تلقائياً إلى منفعة تنموية، ما لم ترتبط بخطة عمل تحدد الجهات المكلفة بتطبيقها والآجال والنتائج المنتظرة.

وتصبح هذه المسألة أكثر أهمية في مشروع يواجه تحديات مرتبطة بالمياه والتصحر وتراجع الموارد الطبيعية، حيث يتطلب تقييم النتائج مؤشرات واضحة تتصل بتحسين تدبير الماء وحماية الأراضي والرفع من قدرة السكان على الصمود.

وتضع هذه المعطيات الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان أمام أسئلة تتعلق بعدد المشاركين المزمع إيفادهم إلى الصين، ومعايير اختيارهم، ومبررات تحديد الاعتماد في 88,600 دولار.

كما تستدعي توضيح البرنامج التقني للزيارة، والمؤسسات التي ستستقبل الوفد، وما إذا كانت المهمة ستنتهي بتقرير منشور وخطة عملية لنقل الخبرات المكتسبة إلى الواحات المستهدفة.

وحتى تاريخ خطة المشتريات، لا توجد قيمة عقد فعلية مسجلة لرحلة الصين، ولا دليل على صرف مبلغها التقديري أو تنفيذها.

لذلك فإن المعطيات لا تسمح بتوجيه اتهام بوجود تبذير أو مخالفة مالية، لكنها توفر أساساً وثائقياً لمساءلة أولويات الإنفاق قبل إتمام التعاقد.

فبين 88,600 دولار لرحلة خارجية، و84,150 دولاراً لتجهيز الآبار، و66,200 دولار للإنارة الشمسية، يبقى السؤال الموجه إلى الوكالة بسيطاً: ما الذي يبرر كلفة المهمة، ومن سيستفيد منها، وكيف ستُقاس نتائجها داخل واحات أوفوس وأكّا؟

والجواب المنتظر لا يتعلق فقط بعرض برنامج السفر، بل بإثبات أن تبادل الخبرات سيساهم في إيجاد حلول عملية لمشكلات المياه وتدهور الأراضي التي أُنشئ المشروع لمعالجتها.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version