تشكيل الحكومة الجديدة أعاد، بعد أقل من أسبوع على انتخابات 23 شتنبر، واحداً من أكثر السيناريوهات السياسية إثارة للمفارقة إلى الواجهة: هل يمكن أن تجلس الأحزاب الثلاثة التي أدارت حكومة عزيز أخنوش مجدداً حول الطاولة نفسها، لكن هذه المرة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري؟
لم تمر سوى أيام قليلة على نهاية واحدة من أكثر مراحل التوتر العلني بين مكونات الأغلبية الحكومية السابقة، حتى أعادت الحسابات البرلمانية الأحزاب نفسها إلى احتمال التحالف مجدداً، بعدما عيّن الملك محمد السادس، الثلاثاء 29 شتنبر 2026، فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، عملاً بمقتضيات الفصل 47 من الدستور.
المصدر | تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة
المنصوري تصل إلى هذه المهمة بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات 23 شتنبر بـ97 مقعداً من أصل 395، وهو رقم يضعه في المرتبة الأولى لكنه يظل بعيداً عن عتبة الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعداً.
ومن هنا لم يعد سؤال التحالفات مجرد تفصيل سياسي مؤجل، بل أصبح أول اختبار فعلي أمام رئيسة الحكومة المكلفة.
أغلبية المنصوري وحساب الـ228 مقعداً
المفارقة تبدأ عند مقارنة هذه المهمة الجديدة بما جرى خلال الحملة الانتخابية.
فالعلاقة بين حزب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار لم تدخل الاقتراع باعتبارها علاقة مستقرة بين شريكين حكوميين يستعدان تلقائياً لتجديد تحالفهما.
خلال الأسابيع التي سبقت التصويت، تفجر سجال علني بين الحزبين بشأن استقطاب المنتخبين والمرشحين. واتهم الأحرار البام بممارسة «استمالات وضغوط» على عدد من أعضائه، فيما نفى حزب الأصالة والمعاصرة ذلك واستحضر، في رده، انتقال أكثر من 17 برلمانياً إلى الأحرار خلال استحقاقات 2021 وفق روايته الحزبية.
اقرأ أيضاً | الأحرار والبام يتبادلان الاتهامات.. 8 أسماء مقابل أكثر من 17 برلمانياً
ثم انتقل الخلاف من موضوع الترشيحات إلى مستقبل التحالف نفسه.
ففي بداية شتنبر، أعلنت المنصوري موقفاً شخصياً يستبعد مشاركتها في تحالف جديد يقوده التجمع الوطني للأحرار إذا تصدر الأخير الانتخابات، مع تأكيدها في الوقت نفسه أن القرار النهائي بشأن التحالفات يعود إلى المؤسسات التقريرية لحزبها.
اقرأ أيضاً | الأحرار والبام.. 17 برلمانياً في قلب أزمة التحالف قبل 23 شتنبر
وتزامن ذلك مع تصعيد سياسي داخل الحملة، وصل إلى مهاجمة راشيد الطالبي العلمي شعار «تغيير المسار» الذي خاض به البام الانتخابات، والدفاع عن حصيلة الأحرار في مواجهة الخطاب الانتخابي لشريكه الحكومي السابق.
اقرأ أيضاً | صراع الأحرار والبام.. الطالبي العلمي يرد بـ300 ألف مواطن
كما نقلت وكالة رويترز، عشية الاقتراع، أن حزب الأصالة والمعاصرة كان يستبعد تجديد التحالف مع الأحرار إذا تصدر الانتخابات، في سياق خلافات بين الطرفين حول حصيلة الحكومة وعدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية.
المصدر | Reuters – الانتخابات المغربية والخلافات داخل الأغلبية السابقة
لكن الصندوق أعاد ترتيب الأوراق.
الأصالة والمعاصرة حصل على 97 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار على 66 مقعداً، فيما حصل حزب الاستقلال على 65 مقعداً.
المصدر | Reuters – نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026
وبعملية حسابية مباشرة، فإن جمع مقاعد الأحزاب الثلاثة التي شكلت حكومة عزيز أخنوش يعطي 228 مقعداً، أي أغلبية تتجاوز عتبة 198 مقعداً بثلاثين مقعداً.
وهنا عاد السيناريو القديم إلى الواجهة، لكن بميزان قوة مختلف تماماً.
إذا اجتمع البام والأحرار والاستقلال مجدداً داخل حكومة واحدة، فلن يتعلق الأمر باستمرار الأغلبية السابقة كما كانت.
الحزب الذي كان شريكاً في الحكومة أصبح القوة الأولى في مجلس النواب، بينما تراجع التجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة خلال الولاية المنتهية، من 102 مقعد في انتخابات 2021 إلى 66 مقعداً في اقتراع 2026.
وكان مجلس النواب قد سجل رسمياً حصول الأحرار على 102 مقعد في انتخابات 2021، مقابل 87 للبام و81 للاستقلال، قبل أن تتشكل حكومة أخنوش من الأحزاب الثلاثة.
بعبارة أخرى، قد تعود الطاولة نفسها تقريباً، لكن الكرسي الموجود في رأسها تغير بالفعل.
وزاد هذا السيناريو حضوراً بعدما أعلنت المنصوري، عقب ظهور نتائج انتخابات 23 شتنبر، أن حزب الأصالة والمعاصرة لا يضع «خطوطاً حمراء» أمام التحالفات.
وقال الحزب في مادته الرسمية المنشورة في 24 شتنبر إن المنصوري أكدت أن البام منفتح على مختلف التشكيلات السياسية، وأن البرامج والتصورات ستكون أساس النقاش، فيما ستُحسم التحالفات داخل مؤسسات الحزب.
المصدر الرسمي | حزب الأصالة والمعاصرة – «لا خطوط حمراء.. والبرامج هي الفيصل»
وهنا تزداد المفارقة السياسية وضوحاً.
فالموقف المعلن بعد النتائج لا يكرر الموقف الذي طبع ذروة الصراع قبل التصويت؛ إذ انتقل الخطاب من استبعاد سيناريو سياسي محدد في ظروف الحملة إلى فتح باب التفاوض مع مختلف الأحزاب بعد معرفة الخريطة البرلمانية.
ولا يعني ذلك أن تحالف البام والأحرار والاستقلال أصبح متفقاً عليه، لكنه يجعل عودته ممكناً حسابياً وسياسياً ضمن الخيارات المتاحة أمام رئيسة الحكومة المكلفة.
السؤال، بالتالي، لا يتعلق فقط بمن سيدخل الحكومة المقبلة، بل بما سيحدث للانتقادات السياسية التي تبادلتها مكونات الأغلبية السابقة عندما تبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة وتوزيع قطاعاتها.
فالأحزاب الثلاثة لم تدخل انتخابات 23 شتنبر باعتبارها جبهة انتخابية واحدة تطلب من الناخب تجديد الثقة في حصيلة جماعية لخمس سنوات.
على العكس، شهدت الحملة تنافساً بينها حول المسؤولية عن عدد من الاختلالات، وحول الحزب الذي يقدم العرض الأنسب للمرحلة المقبلة.
النتائج، مع ذلك، وضعتها مجدداً أمام بعضها البعض.
حزب الأصالة والمعاصرة يحتاج إلى شركاء لتجاوز عتبة 198 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار لا يزال يمتلك كتلة برلمانية من 66 نائباً، فيما يمنح حزب الاستقلال بمقاعده الـ65 أي تحالف يجمع الأحزاب الثلاثة أغلبية مريحة من 228 مقعداً.
لكن الحساب البرلماني ليس وحده الموجود على الطاولة.
إعادة تشكيل الثلاثي نفسه ستضع كل حزب أمام سؤال سياسي يتعلق بالمسافة بين خطابه أمام الناخب أثناء الحملة وخياراته بعد ظهور النتائج.
بالنسبة إلى الأصالة والمعاصرة، تبدو المعادلة دقيقة. الحزب وصل إلى المرتبة الأولى بعدما خاض حملة تضمنت انتقادات لعدد من أوجه التدبير الحكومي الذي كان هو نفسه شريكاً فيه، وأصبح اليوم مطالباً بتشكيل حكومة قد تضم الحزب الذي قاد تلك التجربة.
أما التجمع الوطني للأحرار، فقد تغير موقعه داخل الخريطة البرلمانية. الحزب الذي قاد الحكومة بعد فوزه بـ102 مقعد في انتخابات 2021 أصبح اليوم ممثلاً بـ66 مقعداً، أمام احتمال العودة إلى السلطة من موقع مختلف وتحت رئاسة الشخصية التي تقود الحزب الذي انتزع منه المرتبة الأولى.
الاستقلال بدوره يحتفظ بموقع مركزي في هذا السيناريو. وجوده إلى جانب البام والأحرار يرفع مجموع الثلاثي إلى 228 مقعداً، بينما غيابه يفرض البحث عن تركيبة برلمانية مختلفة.
ولا توجد غرابة دستورية أو مؤسساتية في تحالف أحزاب تنافست انتخابياً. ففي غياب أغلبية مطلقة لحزب واحد، تصبح المفاوضات والتحالفات جزءاً من عملية تشكيل الحكومة.
لكن خصوصية الحالة الحالية تكمن في أن الحديث لا يدور عن أحزاب كانت موزعة ببساطة بين حكومة ومعارضة، بل عن ثلاثة أحزاب أدارت الولاية السابقة معاً، ثم دخلت الحملة في منافسة وصدامات بشأن الحصيلة والمرشحين والمسؤوليات، قبل أن تعيدها الأرقام إلى احتمال التحالف مجدداً.
إلى حدود الثلاثاء 29 شتنبر، المؤكد هو تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، وحاجة حزب الأصالة والمعاصرة إلى شركاء لتوفير أغلبية برلمانية.
أما عودة تحالف الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، فلم تصبح بعد اتفاقاً حكومياً معلناً.
لكن رقم 228 مقعداً يكفي لإبقاء السيناريو على الطاولة، ويضع خطاب الحملة أمام أول اختبار بعد الانتخابات: إذا انتهت المواجهة التي تابعها الناخب بعودة الأحزاب نفسها إلى التحالف نفسه تقريباً، فأين تنتهي الخلافات التي قُدمت باعتبارها خلافات في السياسات والاختيارات، وأين تبدأ ضرورات الحساب البرلماني بعد إغلاق الصناديق؟
