بقلم: الباز عبدالإله
كشف تدقيق حسابي في بيانات المندوبية السامية للتخطيط عن فارق يبلغ عشرة آلاف تصميم عقاري بين الحصيلة الوطنية لسنة 2024 ومجموع الأرقام الجهوية المنشورة في جدول واحد من إصدار «المغرب في أرقام 2026»، الصادر أمس الثلاثاء 27 أكتوبر 2026. ولا يقتصر هذا الاختلاف على عدم تطابق المجموع، بل يغير نتيجة المقارنة مع سنة 2025 من انخفاض طفيف إلى ارتفاع يتجاوز 2.5 في المائة.
ويظهر التباين في الصفحة 78 من الوثيقة، ضمن جدول «التصاميم العقارية المنجزة حسب الجهة»، حيث تبلغ الحصيلة الوطنية المعلنة لسنة 2024 ما مجموعه 363 ألفاً و602 تصميم، مقابل 362 ألفاً و655 تصميماً سنة 2025.
وباعتماد هذين الرقمين، يكون المؤشر قد تراجع بـ947 تصميماً، أي بنسبة 0.26 في المائة تقريباً.
لكن جمع البيانات التفصيلية للجهات الاثنتي عشرة يعطي لسنة 2024 حصيلة تبلغ 353 ألفاً و602 تصميم فقط، أي أقل بعشرة آلاف تصميم من الرقم الوطني المنشور.
أما بالنسبة إلى سنة 2025، فيتطابق مجموع الأرقام الجهوية مع الحصيلة الوطنية المعلنة، البالغة 362 ألفاً و655 تصميماً.
وهكذا، فإن اعتماد مجموع الجهات لسنة 2024 بدلاً من الرقم الوطني المطبوع يؤدي إلى نتيجة مختلفة تماماً: ارتفاع عدد التصاميم المنجزة بـ9053 تصاميم سنة 2025، أي بنسبة 2.56 في المائة.
ولا تسمح هذه المقارنة وحدها بتحديد الرقم الصحيح، لكنها تكشف عدم اتساق حسابي يؤثر مباشرة في قراءة تطور المؤشر.
المصدر الرسمي | المندوبية السامية للتخطيط – المغرب في أرقام 2026، الصفحة 78
التصاميم العقارية بالمغرب.. أين ظهر فارق 10 آلاف؟
تُظهر البيانات المنشورة لسنة 2024 تسجيل 122 ألفاً و676 تصميماً بجهة طنجة تطوان الحسيمة، و52 ألفاً و16 بجهة الدار البيضاء سطات، و42 ألفاً و695 بجهة فاس مكناس.
وسجلت جهة الرباط سلا القنيطرة 39 ألفاً و809 تصاميم، ومراكش آسفي 29 ألفاً و263، وسوس ماسة 26 ألفاً و482 تصميماً.
وبإضافة أرقام الجهات الست الأخرى، يصل المجموع إلى 353 ألفاً و602 تصميم، بينما تورد خانة المجموع الوطني 363 ألفاً و602.
وتكمن أهمية الفارق في أنه يساوي عشرة آلاف تصميم بالضبط، دون أن يقدم الجدول تفسيراً لوجود بيانات وطنية إضافية خارج التوزيع الجهوي.
كما لا يتضمن الجدول ملاحظة تشير إلى اختلاف نطاق احتساب الحصيلة الوطنية عن نطاق احتساب بيانات الجهات.
ثلاث جهات تغيرت أرقامها بين إصدارين
تكشف المقارنة مع إصدار «المغرب في أرقام 2025» عن مراجعات في بيانات سنة 2024 نفسها.
فقد حدد الإصدار السابق المجموع الوطني في 346 ألفاً و75 تصميماً، قبل أن تتغير الأرقام المتعلقة بثلاث جهات في نسخة 2026.
في جهة الرباط سلا القنيطرة، انتقل العدد من 38 ألفاً و330 إلى 39 ألفاً و809 تصاميم، بزيادة بلغت 1479 تصميماً.
أما مراكش آسفي، فارتفع رقمها من 26 ألفاً و625 إلى 29 ألفاً و263، بفارق 2638 تصميماً.
وسجلت سوس ماسة أكبر تعديل بين الجهات الثلاث، إذ انتقل عدد التصاميم من 23 ألفاً و72 إلى 26 ألفاً و482، بزيادة قدرها 3410 تصاميم.
ويبلغ مجموع هذه الزيادات 7527 تصميماً، وهو بالضبط الفارق بين الحصيلة الوطنية في إصدار 2025، البالغة 346 ألفاً و75، ومجموع الجهات المحسوب من إصدار 2026، البالغ 353 ألفاً و602.
وتشير هذه المطابقة إلى أن التعديلات الجهوية الثلاثة تفسر الانتقال من الحصيلة القديمة إلى مجموع الجهات الجديد.
لكنها لا تفسر إضافة عشرة آلاف تصميم أخرى إلى خانة المجموع الوطني في الإصدار الأحدث.
المصدر الرسمي | المندوبية السامية للتخطيط – المغرب في أرقام 2025، الصفحة 82
مراجعة إحصائية أم خطأ في تجميع البيانات؟
تنسب المندوبية السامية للتخطيط معطيات التصاميم العقارية إلى الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، باعتبارها الجهة المنتجة لهذه الإحصاءات.
ومن الممكن أن تكون التعديلات التي ظهرت بين إصداري 2025 و2026 ناتجة عن مراجعة للبيانات السابقة، وهي ممارسة معروفة في العمل الإحصائي عندما تتوفر معلومات إضافية أو تصحيحات لاحقة.
غير أن مراجعة الأرقام لا تفسر، بمفردها، عدم تطابق المجموع الوطني مع البيانات الجهوية داخل الجدول نفسه.
ولا توضح الوثيقة ما إذا كان رقم 363 ألفاً و602 يتضمن تصحيحات لم تُوزع على الجهات، أو أن الفارق نتج عن خطأ في نقل البيانات أو إعداد الجدول للنشر.
ولهذا، لا يمكن اعتبار الرقم الوطني خاطئاً بصورة نهائية، مثلما لا يمكن اعتماد مجموع الجهات باعتباره الحصيلة الرسمية المصححة دون الرجوع إلى البيانات الأصلية.
كما لا يعني وجود عشرة آلاف تصميم في الفارق الحسابي أن هناك تصاميم عقارية مفقودة أو عمليات لم تُسجل لدى المحافظة العقارية.
فالملاحظة تتعلق بأرقام منشورة ومدى اتساقها، وليس بإثبات وجود اختلال في إنجاز التصاميم أو تسجيلها ميدانياً.
وكان MarocActu24 قد تابع في مادة سابقة الإصلاح القانوني للنظام الإحصائي الوطني، الذي شمل إحداث المجلس الوطني للمعلومة الإحصائية، وتوحيد المعايير والمنهجيات، وتعزيز متطلبات الجودة والشفافية في إنتاج البيانات الرسمية.
وتبرز هذه الحالة أهمية تلك المقتضيات في معالجة الاختلافات الحسابية بين الأرقام الوطنية والتفصيلية، وضمان توثيق أي مراجعات تطرأ على السلاسل الإحصائية المنشورة.
اقرأ أيضاً | إصلاح المندوبية السامية للتخطيط بالمغرب.. مجلس جديد لمراقبة جودة الإحصاءات الرسمية
مؤشر واحد وقراءتان متناقضتان
يمكن تلخيص أثر الاختلاف في نتيجتين حسابيتين.
إذا كانت حصيلة سنة 2024 هي 363 ألفاً و602 تصميم، كما ورد في المجموع الوطني، فإن الانتقال إلى 362 ألفاً و655 سنة 2025 يعني تراجعاً بـ947 تصميماً.
أما إذا كانت الحصيلة المرجعية هي مجموع الجهات، أي 353 ألفاً و602 تصميم، فإن سنة 2025 تكون قد سجلت زيادة بـ9053 تصاميم.
وبذلك، ينتقل المؤشر من تراجع بنسبة 0.26 في المائة إلى نمو بنسبة 2.56 في المائة، تبعاً للرقم المعتمد لسنة الأساس.
ويجب هنا التمييز بين التصاميم العقارية المنجزة وغيرها من المؤشرات المرتبطة بسوق العقار.
فالجدول لا يقدم بيانات عن عدد عمليات البيع والشراء، أو رخص البناء، أو أسعار العقارات، وإنما يتعلق بالتصاميم العقارية ضمن الإحصاءات المنسوبة إلى الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية.
لذلك، لا تسمح هذه الأرقام وحدها باستخلاص نتائج بشأن ارتفاع النشاط العقاري أو تراجعه في السوق المغربية.
وتكتسب دقة المعطيات الجهوية أهمية خاصة عند إعداد المقارنات بين المناطق، لأن تغير البيانات المرجعية أو اختلاف طرق احتساب المؤشرات قد يؤثر في النتائج التي تعتمد عليها الدراسات.
وكان MarocActu24 قد تناول في تقرير سابق دراسة علمية قارنت أوضاع 75 عمالة وإقليماً بالمغرب بالاعتماد على مؤشرات اجتماعية واقتصادية وبيئية، مع اختبار النتائج وفق ثلاث طرق إحصائية مختلفة لضمان متانة المقارنة.
ولا تتناول تلك الدراسة التصاميم العقارية، لكنها تقدم مثالاً على ضرورة توضيح المنهجية والتحقق من اتساق البيانات قبل استخلاص النتائج.
اقرأ أيضاً | تصنيف 75 عمالة وإقليماً.. الرباط في القمة وتاونات في القاع
ما المطلوب من المندوبية والمحافظة العقارية؟
تطرح المقارنة بين الإصدارين أسئلة يمكن حسمها بالرجوع إلى البيانات المصدرية.
أولها تحديد الحصيلة الوطنية النهائية لسنة 2024، وما إذا كانت تبلغ 353 ألفاً و602 أو 363 ألفاً و602 تصميم.
وثانيها توضيح أسباب تعديل بيانات الرباط سلا القنيطرة ومراكش آسفي وسوس ماسة، وتحديد ما إذا كانت هذه التعديلات جزءاً من مراجعة إحصائية رسمية.
أما السؤال الثالث فيتعلق بالفارق الإضافي البالغ عشرة آلاف تصميم: هل يعود إلى تصحيح لم يظهر في البيانات الجهوية، أم إلى خطأ أثناء تجميع الجدول أو نشره؟
ومن شأن تقديم جدول مصحح، أو مذكرة تفسيرية تحدد الأرقام المعتمدة، أن يحسم اتجاه التغير بين سنتي 2024 و2025.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية لأن إصدار «المغرب في أرقام» يُستخدم مرجعاً في الدراسات الاقتصادية والتحليلات القطاعية، وقد يؤدي الاعتماد على مجموع وطني غير متطابق مع تفاصيله إلى استنتاجات مختلفة بشأن تطور المؤشرات.
وحتى صدور توضيح من المندوبية السامية للتخطيط أو الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، تبقى النتيجة المؤكدة من المقارنة الحسابية هي وجود فارق قدره عشرة آلاف تصميم في بيانات سنة 2024 المنشورة، لا إثبات أن أحد الرقمين يمثل الحصيلة النهائية الصحيحة.
أما ما إذا كان عدد التصاميم العقارية قد انخفض أو ارتفع فعلياً سنة 2025، فيظل مرتبطاً بتحديد الرقم المرجعي الصحيح لسنة 2024 وتفسير المراجعات التي طرأت عليه.


