بقلم: حسن اليعقوبي
اعتقال رشيد شرقاب، الأستاذ بكلية الطب بالدار البيضاء والرئيس السابق لمصلحة التخدير والإنعاش بمستشفى ابن رشد، أعاد الجدل بشأن حماية المبلغين عن الفساد وحدود الإجراءات القضائية السالبة للحرية، بعدما طالب محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، بإطلاق سراح الطبيب الذي صدر في حقه حكم ابتدائي بسنة حبسا نافذا.
وانتقد الغلوسي، في تدوينة نشرها الأحد 25 أكتوبر 2026 على حسابه بموقع فيسبوك، ما اعتبره تراجعاً في الإرادة الرامية إلى محاربة الفساد، مستهلاً موقفه بنداء مباشر للمطالبة بالإفراج عن شرقاب ومحاسبة المتورطين في جرائم المال العام، وحماية الأشخاص الذين يكشفون عن الاختلالات المحتملة داخل المؤسسات العمومية.
وجاءت تصريحاته عقب الحكم الصادر الأربعاء 21 أكتوبر عن المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع بالدار البيضاء، في قضية مرتبطة بنزاع حول تصريحات وانتقادات لتدبير المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد.
وأفادت تقارير صحفية بأن الحكم شمل أيضاً غرامة قدرها خمسة آلاف درهم في حق الطبيب.
المصدر | تدوينة محمد الغلوسي كما نشرتها مجلة نادي الصحافة يوم 25 أكتوبر 2026
ووفق المعطيات التي عرضها رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، كان شرقاب يتابع في حالة سراح قبل أن تأمر المحكمة بإيداعه السجن عقب النطق بالحكم، استناداً إلى مقتضيات المادة 392 من قانون المسطرة الجنائية.
واعتبر الغلوسي أن اعتقال الطبيب من داخل قاعة المحكمة، رغم الطبيعة الابتدائية للحكم وتوفره، بحسب قوله، على ضمانات الحضور، يطرح إشكالاً يتعلق بمدى ملاءمة التدبير المتخذ لظروف الملف.
اعتقال رشيد شرقاب.. ماذا تقول المادة 392؟
تنص المادة 392 من قانون المسطرة الجنائية على إمكانية إصدار المحكمة، بناء على ملتمس من النيابة العامة، مقرر قضائي خاص معلل يقضي بإيداع المتهم في السجن أو بإلقاء القبض عليه، إذا كانت العقوبة المحكوم بها تعادل سنة حبسا أو تفوقها.
ويظل هذا المقرر نافذ المفعول رغم الطعن فيه، خلافاً للقاعدة العامة المتعلقة بأثر الاستئناف على تنفيذ الأحكام.
غير أن النص يمنح المحكمة سلطة اتخاذ هذا الإجراء ضمن شروط محددة، ولا يجعل الاعتقال تلقائياً لمجرد صدور حكم بالحبس النافذ لمدة سنة.
ولا تسمح المعطيات المنشورة بالجزم بمدى استيفاء قرار الاعتقال في قضية شرقاب لجميع شروطه القانونية، في غياب الاطلاع على المقرر القضائي الخاص وتعليله ومحاضر الإجراءات ذات الصلة.
المصدر الرسمي | الجريدة الرسمية عدد 7437 – القانون رقم 03.23 وتعديل المادة 392
المادة الثالثة.. الغلوسي ينتقد تقييد الأبحاث في جرائم المال العام
لم يقف الغلوسي عند قضية شرقاب، بل وسع انتقاداته لتشمل المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية، معتبراً أنها فرضت قيوداً على قدرة النيابة العامة على مباشرة الأبحاث والمتابعات في الجرائم الماسة بالمال العام.
وتنص المادة الثالثة، بصيغتها المعدلة، على أن إجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في هذه الجرائم يرتبط بطلب من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيساً للنيابة العامة، بناء على إحالات أو تقارير صادرة عن جهات محددة قانوناً.
وتشمل هذه الجهات المجلس الأعلى للحسابات، والمفتشية العامة للمالية، والمفتشية العامة للإدارة الترابية، والمفتشيات العامة للوزارات والإدارات المعنية، والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، فضلاً عن الهيئات التي يمنحها القانون هذا الاختصاص صراحة.
ويستثني النص حالات التلبس، إذ يمكن للنيابة العامة المختصة فيها إجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية تلقائياً.
ويرى الغلوسي أن هذه المسطرة قد تجعل ملاحقة بعض جرائم المال العام مرتبطة بمبادرات مؤسسات قد تتصل إدارياً بالقطاعات المعنية بالاختلالات، متسائلاً عن أثر ذلك على استقلالية القرار القضائي وفعالية مكافحة الفساد.
واستخدم في انتقاده تعبير «تقليم أظافر» النيابة العامة، في إشارة إلى ما يعتبره تقليصاً لقدرتها على التحرك في مواجهة الجرائم المرتبطة بالمال العام.
وتبقى هذه القراءة موقفاً حقوقياً وقانونياً صادراً عن الغلوسي، ولا تعني أن النص يمنع جميع الأبحاث أو يوفر حصانة قانونية مطلقة للمسؤولين العموميين.
جمعيات حماية المال العام في قلب الانتقادات
ربط رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام انتقاداته أيضاً بالشروط المفروضة على مشاركة جمعيات المجتمع المدني في المساطر القضائية المتعلقة بالفساد.
وتنص المادة السابعة من قانون المسطرة الجنائية على شروط لانتصاب الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة طرفاً مدنياً، من بينها الحصول على إذن بالتقاضي من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، واستيفاء شرط الأقدمية القانونية المحدد في أربع سنوات قبل ارتكاب الفعل الجرمي.
ويختلف الانتصاب طرفاً مدنياً عن مجرد تقديم تبليغ أو معلومات للسلطات المختصة، ولذلك لا تعني هذه المقتضيات حظراً عاماً على إبلاغ الجمعيات عن شبهات الفساد.
وكان MarocActu24 قد تناول هذه الإشكالية في مادة سابقة استعرضت الملاحظات التي وجهتها الهيئة الوطنية للنزاهة بشأن خطر تضارب المصالح المحتمل الناجم عن اشتراط الإذن الحكومي لتقاضي الجمعيات.
اقرأ أيضاً | الملك أكد شراكة المجتمع المدني.. والمادة 7 تشترط إذن وزارة العدل لتقاضي الجمعيات
شكايات مستشفى ابن رشد ومخاوف من فقدان الثقة
عاد الغلوسي إلى المسار المهني للبروفيسور رشيد شرقاب، مؤكداً أنه سبق أن أثار عبر منابر مختلفة شبهات تتعلق بتدبير مستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، وطالب بفتح أبحاث بشأنها.
وكشف أنه سبق أن أجرى حديثاً مطولاً مع الطبيب، حذره خلاله مما وصفه بوجود مراكز نفوذ داخل قطاع الصحة قد تسعى، وفق تقديره، إلى الانتقام منه بسبب إثارته ملفات الفساد.
غير أن هذه الاتهامات تبقى على مسؤولية صاحبها، ولا تتوفر ضمن المعطيات التي جرى التحقق منها نتائج قضائية تثبت وجود انتقام من الطبيب أو تؤكد صحة جميع الاختلالات التي تحدث عنها.
كما لا يمكن اعتبار الحكم الصادر في حق شرقاب دليلاً، في حد ذاته، على معاقبته بسبب التبليغ عن الفساد، ما دام الاطلاع على التهم المحددة وتعليل الحكم والوثائق القضائية ضرورياً لتحديد الأسباب القانونية للإدانة.
وتحدثت تغطيات صحفية عن ارتباط الملف باتهامات تتعلق بالتشهير وانتحال الصفة النقابية، غير أن النسخة الكاملة من الحكم القضائي لم تكن متاحة للتحقق المستقل من جميع تفاصيل هذه الاتهامات وأسس الإدانة.
وفي السياق نفسه، سبق لـMarocActu24 أن تناول انتقادات الغلوسي بشأن الفساد والريع، عندما وضع الحكومة أمام تحديات تخليق الحياة العامة وتعزيز الثقة في المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة.
اقرأ أيضاً | 38% جرس إنذار.. الغلوسي يضع حكومة المنصوري أمام اختبار الفساد والريع
دعوة إلى إطلاق السراح وحماية المبلغين
حذر الغلوسي من أن استمرار ما يعتبره تضييقاً على الأصوات المناهضة للفساد قد يؤدي إلى تعميق مشاعر اليأس وفقدان الثقة في المؤسسات، داعياً القوى المدنية والحقوقية إلى تحمل مسؤوليتها في الدفاع عن سيادة القانون وحماية المال العام.
واعتبر أن بعض المتابعين في جرائم مالية خطيرة يظلون، وفق ملاحظاته، في حالة سراح خلال محاكمات قد تستغرق سنوات، بينما يمكن أن يتعرض أشخاص أثاروا شبهات فساد لإجراءات سالبة للحرية عقب أحكام ابتدائية.
ولا تكفي هذه المقارنة لإثبات وجود معاملة قضائية غير متساوية في ملفات محددة، لأن تقييمها يتطلب الاطلاع على طبيعة التهم وظروف كل قضية والمبررات القانونية للتدابير الصادرة بشأنها.
واختتم الغلوسي موقفه بالتضامن مع البروفيسور رشيد شرقاب، الذي وصفه بـ«طبيب الفقراء والبسطاء»، داعياً إلى عدم تركه معزولاً ومجدداً مطلب إطلاق سراحه.
وتعيد قضية اعتقال رشيد شرقاب إلى الواجهة ملفين متمايزين قانونياً: أولهما الأسس القضائية للحكم وقرار الإيداع في السجن، وثانيهما مآل الشكايات المتعلقة بالاختلالات المحتملة في تدبير مستشفى ابن رشد.
ويظل توضيح هذين المسارين، كل في نطاق اختصاصه، ضرورياً لتقديم صورة مكتملة للرأي العام، مع احترام استقلال القضاء وحقوق الأطراف وضمانات المحاكمة العادلة.


