بقلم: قويدر عبد الرحيم
الصيانة الإجبارية للأجهزة الطبية بالمغرب تدخل مرحلة تنظيمية جديدة، بعدما نُشر في الجريدة الرسمية، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، قرار وزاري يحدد ثماني فئات من المستلزمات الطبية الخاضعة لإلزامية الصيانة، من بينها الأجهزة الذكية والمتصلة بالإنترنت، وذلك بعد سبعة أشهر من تاريخ توقيعه، في خطوة تعيد طرح أسئلة بشأن سلامة التجهيزات داخل المستشفيات والمصحات ومدى جاهزية المؤسسات الصحية لتنفيذ الالتزامات القانونية.
ويتعلق الأمر بالقرار رقم 629.26، الذي وقعه وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي بتاريخ 19 مارس 2026، ونُشر في الصفحة 7771 من العدد 7553 للجريدة الرسمية، تطبيقاً للمادة 11 من المرسوم رقم 2.14.607 المتعلق بالمستلزمات الطبية.
ولا تكمن أهمية النص في فرض مبدأ الصيانة للمرة الأولى، وإنما في تحديد لائحة التجهيزات التي يشملها الالتزام التنظيمي بصورة صريحة، بما يسمح بتحديد نطاق تطبيقه على فئات من المعدات المستخدمة في التشخيص والعلاج والتعقيم، إضافة إلى الأجهزة التي تعتمد على التقنيات الرقمية والاتصال بالإنترنت.
ويثير القرار سؤالاً آخر يتعلق بالفترة الفاصلة بين توقيعه ونشره، إذ امتدت من 19 مارس إلى 19 أكتوبر 2026، أي سبعة أشهر كاملة، دون أن يتضمن النص المنشور توضيحاً للأسباب التي حالت دون نشره خلال هذه المدة.
غير أن الفارق الزمني لا يمثل، في حد ذاته، دليلاً على وجود مخالفة قانونية أو تأخير غير مشروع، ما دامت مراحل إعداد النص واستكمال إجراءاته الإدارية غير موثقة في المعطيات المنشورة.
المصدر الرسمي | الجريدة الرسمية عدد 7553 بتاريخ 19 أكتوبر 2026 – القرار 629.26، الصفحة 7771
الصيانة الإجبارية للأجهزة الطبية.. ما الفئات الثماني المعنية؟
يحدد الملحق المرفق بالقرار الوزاري ثماني فئات من المستلزمات الطبية المعنية بإجبارية الصيانة، تشمل تجهيزات يرتبط بعضها بصورة مباشرة بسلامة المرضى واستمرار خدمات التشخيص والعلاج.
وتضم الفئة الأولى المستلزمات الطبية اللازمة لإنتاج وتفسير صور التشخيص بالأشعة، بينما تشمل الفئة الثانية المعدات المستخدمة في تحديد وتخطيط وتقديم العلاجات بالأشعة.
أما الفئة الثالثة، فتتعلق بالمستلزمات اللازمة لإجراء أعمال الطب النووي، في حين تشمل الفئة الرابعة الأجهزة الأخرى المخصصة لأغراض تشخيصية أو علاجية والتي تعرض الأشخاص للإشعاعات المؤينة، باستثناء المعدات المدرجة ضمن الفئات السابقة.
وتضم الفئة الخامسة معدات التعقيم والغسل والتطهير، وهي تجهيزات ترتبط بإجراءات الوقاية من العدوى وضمان سلامة الأدوات المستعملة داخل المؤسسات الصحية.
وتشمل الفئة السادسة المستلزمات الطبية المنتمية إلى القسم الثاني «ب» والقسم الثالث، وفق التصنيف المنصوص عليه في المادة الرابعة من القانون رقم 84.12، باستثناء المستلزمات المشمولة بالفئات السابقة.
ويتعلق الأمر بتصنيفات تنظيمية ترتبط بدرجات الخطورة التي قد تمثلها المستلزمات الطبية، وفق طبيعة استخدامها وخصائصها التقنية.
أما الفئة السابعة، فتخص المستلزمات الطبية التي سبق أن كانت موضوع حادث احتراز خطير مرتبط بتدهور مستوى أدائها أو خصائصها.
وتكتسي هذه الفئة أهمية خاصة، لأنها تربط إلزامية الصيانة بسجل سابق من الحوادث التي قد تؤثر في سلامة استخدام المعدات الطبية.
وتأتي الفئة الثامنة لتشمل المستلزمات الطبية المتصلة بالإنترنت، والمستلزمات الطبية الذكية، وأجهزة الإنترنت المتعلقة بالمستلزمات الطبية.
ويشكل إدراج هذه الفئة أحد أبرز مستجدات اللائحة، بالنظر إلى توسع استعمال التجهيزات الصحية التي تعتمد على البرمجيات والاتصال الرقمي، سواء في تشغيل المعدات أو تبادل المعطيات أو مراقبة بعض وظائفها.
ولا يعني وجود ثماني فئات أن القرار يخص ثمانية أجهزة فقط، إذ إن كل فئة قد تشمل أصنافاً متعددة من المعدات والمستلزمات الطبية.
الأجهزة الطبية الذكية.. هل أصبحت اختبارات الأمن السيبراني إجبارية؟
يفتح إدراج الأجهزة الذكية والمتصلة بالإنترنت نقاشاً يتجاوز الصيانة الميكانيكية التقليدية، ليشمل المخاطر التقنية المرتبطة بالبرمجيات والاتصال بالشبكات.
فالأجهزة الطبية الحديثة قد تعتمد على أنظمة معلوماتية لتشغيل وظائفها أو معالجة البيانات الطبية، وهو ما يطرح تحديات تتعلق باستمرارية الأداء وسلامة المعلومات والتعامل مع الأعطال التقنية.
غير أن قراءة القرار رقم 629.26 تُظهر أنه يقتصر على تحديد الفئات المشمولة بالصيانة الإجبارية، دون النص صراحة على إجراء اختبارات دورية مستقلة للأمن السيبراني أو فرض جدول محدد لتحديث البرمجيات.
كما لا يتضمن القرار معايير تقنية تفصيلية تتعلق بحماية الأجهزة المتصلة بالإنترنت من الاختراقات أو معالجة الثغرات المعلوماتية.
ولذلك، فإن إدراج الأجهزة المتصلة بالإنترنت ضمن اللائحة لا يعني تلقائياً فرض تدقيق أمني رقمي شامل على جميع المعدات المعنية بموجب هذا القرار وحده.
وتبقى الالتزامات التقنية التفصيلية مرتبطة بالنصوص التنظيمية الأخرى والمواصفات المعتمدة وعقود الصيانة وتعليمات الشركات المصنعة، بحسب طبيعة كل جهاز.
ويثير ذلك سؤالاً عملياً بشأن توزيع المسؤوليات بين المؤسسة الصحية المستغلة للجهاز، والشركة المصنعة، ومؤسسة الصيانة، خصوصاً عندما يكون الخلل مرتبطاً بالبرمجيات أو الاتصال الرقمي.
وسبق لـMarocActu24 أن تناول تحديات إدماج التقنيات الذكية داخل القطاع الصحي، بعدما كشفت دراسة علمية شملت 480 مهنياً صحياً بجهة مراكش آسفي أن 80.2 في المائة من أفراد العينة لم يتلقوا تكويناً رسمياً سابقاً في الذكاء الاصطناعي.
وتعكس هذه النسبة وضعية العينة المدروسة فقط، ولا تمثل حصيلة وطنية لجميع مهنيي الصحة، لكنها تبرز أهمية التأهيل البشري إلى جانب إدخال التكنولوجيا الحديثة.
اقرأ أيضاً | 80.2% بلا تكوين في الذكاء الاصطناعي.. دراسة بمراكش آسفي تختبر جاهزية الصحة العمومية
هل كان القانون يفرض الصيانة قبل القرار الجديد؟
لا يؤسس القرار الوزاري مبدأ صيانة المستلزمات الطبية من الصفر، إذ سبق للقانون رقم 84.12 المتعلق بالمستلزمات الطبية أن حدد التزامات قانونية في هذا المجال.
وتنص الفقرة الثالثة من المادة العاشرة على ضرورة ضمان مستغل المستلزم الطبي استمرار صيانته بموجب اتفاق تعاقدي مع المصنع أو مؤسسة صيانة مؤهلة.
كما أحال القانون على نص تنظيمي لتحديد لائحة المستلزمات المشمولة بالصيانة الإجبارية.
وجاء المرسوم رقم 2.14.607، الصادر بتاريخ 18 شتنبر 2014، ليحدد الإطار التطبيقي للقانون، وينص في مادته الحادية عشرة على تحديد اللائحة المعنية بقرار صادر عن وزير الصحة.
وبذلك، فإن القرار المنشور في أكتوبر 2026 يمثل خطوة لتفعيل مقتضيات تنظيمية سابقة، من خلال تحديد الأصناف التي ينطبق عليها الالتزام بصورة واضحة.
ويقتصر القرار على مادتين وملحق، دون أن يحدد دورية عمليات الصيانة أو نماذج السجلات التقنية الواجب اعتمادها أو المعايير التفصيلية لكل فئة من المعدات.
ويعني ذلك أن فهم جميع الواجبات الملقاة على المؤسسات الصحية يستلزم قراءة القرار إلى جانب القانون والمرسوم التطبيقي وبقية القواعد التقنية والتنظيمية المعمول بها.
المصدر القانوني | القانون رقم 84.12 المتعلق بالمستلزمات الطبية
استيراد قطع الغيار.. تحذيرات مهنية تسبق القرار
يأتي نشر اللائحة في وقت سبق أن أثار فيه مهنيون صعوبات مرتبطة باستيراد قطع غيار الأجهزة الطبية، خصوصاً التجهيزات التي تحتاج إلى مكونات تقنية متخصصة.
ففي 3 غشت 2026، نشرت صحيفة «Médias24» تقريراً بشأن الإجراءات الإدارية والجمركية المتعلقة باستيراد قطع غيار أجهزة السكانير والرنين المغناطيسي وغيرها من المعدات الطبية.
ونقلت الصحيفة عن الجمعية المغربية لمهنيي المستلزمات الطبية تحفظات بشأن بعض الشروط المفروضة للحصول على التراخيص اللازمة لاستيراد قطع الغيار.
ويتعلق الأمر بمسطرة أوضحتها الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية في قرار مؤرخ بتاريخ 3 يوليوز 2026، يهدف إلى تنظيم استيراد القطع المخصصة لصيانة الأجهزة الطبية المسجلة بالمغرب.
وبحسب المعطيات التي نقلتها الصحيفة، اعتبرت الجمعية أن بعض المتطلبات، ومنها الجمع بين قائمة قطع الغيار المصادق عليها من المصنع والفاتورة الأولية الخاصة بالطلبية، قد تتسبب في تعقيد معالجة الملفات وتأخير وصول المكونات اللازمة للإصلاح.
وحذرت الجمعية من احتمال انعكاس هذه الصعوبات على استمرارية خدمات الصيانة داخل المستشفيات والمصحات، إذا استمرت العراقيل الإدارية التي تحدث عنها المهنيون.
غير أن هذه التحذيرات لا تثبت، في حد ذاتها، وجود توقف شامل للتجهيزات الطبية أو أعطال معممة في المؤسسات الصحية المغربية.
كما لا توجد معطيات تسمح بإقامة علاقة سببية مباشرة بين مسطرة استيراد قطع الغيار الصادرة في يوليوز والقرار المتعلق بإجبارية الصيانة المنشور في أكتوبر.
لكن اجتماع الالتزام القانوني بالصيانة مع الحاجة إلى توفير قطع الغيار في آجال مناسبة يفتح سؤالاً بشأن قدرة المؤسسات الصحية ومقدمي خدمات الصيانة على تنفيذ هذه الالتزامات دون تعطيل الخدمات الطبية.
المصدر | Médias24 – صعوبات استيراد قطع غيار السكانير والرنين المغناطيسي، 3 غشت 2026
من الالتزام القانوني إلى التنفيذ.. من يراقب سلامة الأجهزة؟
يطرح القرار الجديد تحديات عملية تتعلق بمدى توفر المؤسسات الصحية العمومية والخاصة على عقود صيانة مناسبة للفئات المشمولة باللائحة.
وتزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى الأجهزة المرتفعة الكلفة، أو المعدات التي تتطلب تدخلاً مباشراً من الشركة المصنعة أو تقنيين متخصصين.
فالصيانة لا ترتبط فقط بإصلاح الجهاز بعد تعطله، بل تتصل كذلك بضمان استمرارية أدائه وفق الشروط التقنية والسلامة المطلوبة.
كما أن فعالية الالتزام القانوني تستدعي وجود آليات للتتبع والمراقبة، تسمح بالتحقق من احترام المؤسسات المعنية للواجبات المنصوص عليها في التشريع.
وتبرز هنا أسئلة بشأن عدد التجهيزات التي تشملها اللائحة فعلياً داخل المؤسسات الصحية، ومدى توفر عقود الصيانة، والجهات المؤهلة لتنفيذها، والكلفة المالية المرتبطة بها.
ولا يقدم القرار الوزاري المنشور إحصاءً وطنياً لعدد الأجهزة المعنية، أو تقديراً لكلفة تطبيق الالتزام، أو حصيلة امتثال المؤسسات الصحية.
كما لا يحدد عدد المعدات التي تحتاج إلى إصلاح أو التي قد تواجه صعوبات في الحصول على قطع الغيار.
وتتقاطع هذه التحديات مع ورش رقمنة المستشفيات، الذي يتطلب بدوره ضمان جاهزية البنيات المعلوماتية والقدرة على تشغيل الأنظمة التقنية وصيانتها.
وكان MarocActu24 قد تابع مؤشرات تنفيذ برنامج ممول من البنك الإفريقي للتنمية، أظهرت صرف نحو 135 مليون وحدة حساب ضمن التمويلات المجمعة للبرنامج، في وقت لم يكن فيه نظام معلومات المستشفيات المندمج قد بلغ الإنجاز النهائي في الوضع المرجعي المعروض خلال سنة 2026.
ولا يتعلق هذا البرنامج مباشرة بصيانة الأجهزة المنصوص عليها في القرار الجديد، لكنه يعكس جانباً آخر من التحديات المرتبطة بالتجهيزات والأنظمة التقنية داخل المؤسسات الصحية.
اقرأ أيضاً | 135 مليون وحدة حساب صُرفت.. و«نظام معلومات المستشفيات» ما يزال دون الإنجاز النهائي
سبعة أشهر بين التوقيع والنشر.. ما الذي ينتظر المؤسسات الصحية؟
يظل المستجد المؤكد هو نشر القرار رقم 629.26 بعد سبعة أشهر من توقيعه، مع تحديد ثماني فئات من المستلزمات الطبية المعنية بإجبارية الصيانة، بينها الأجهزة الذكية والمتصلة بالإنترنت.
لكن تطبيق هذه الالتزامات بصورة فعالة يرتبط بمدى قدرة المؤسسات المعنية على توفير العقود والكفاءات التقنية وقطع الغيار، وضمان احترام قواعد السلامة المطبقة على كل نوع من المعدات.
كما يظل من الضروري توضيح الإجراءات العملية التي ستعتمدها السلطات الصحية لمراقبة الالتزام بالصيانة، والتعامل مع المؤسسات التي تواجه صعوبات تقنية أو مالية في تنفيذها.
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الخدمات المرتبطة بالمعدات المعنية، سواء في التشخيص بالأشعة أو العلاج أو التعقيم أو تشغيل الأنظمة الطبية الرقمية.
فأي تعطل في تجهيز أساسي قد يؤدي إلى تأخير فحوصات أو تدخلات علاجية، غير أن القرار الجديد لا يقدم بيانات تسمح بقياس حجم الأعطال المسجلة حالياً على المستوى الوطني.
وبذلك، فإن الصيانة الإجبارية للأجهزة الطبية تمثل التزاماً قانونياً محدد النطاق بعد نشر اللائحة التنظيمية، فيما يبقى التحدي الأساسي في تحويل هذا الالتزام إلى ممارسة تقنية قابلة للمراقبة داخل المستشفيات والمصحات.
أما السؤال الذي يطرحه الفارق بين تاريخ توقيع القرار ونشره، فيظل متعلقاً بمراحل استكمال مسطرته الإدارية، وبمدى جاهزية المؤسسات الصحية لتطبيق مقتضياته بعد نشره رسمياً.
وسيظل تقييم نتائج هذا القرار مرتبطاً بمدى توفر معطيات رسمية عن الامتثال والصيانة والأعطال واستمرارية الخدمات، وليس بمجرد صدور النص التنظيمي.


