بقلم: الباز عبدالإله
مشروع تنمية الغابات بالمغرب يواجه تحديات في التنفيذ، بعدما كشف تقرير رسمي للبنك الإفريقي للتنمية عن بقاء مؤشرات التشغيل وإحداث المقاولات الناشئة عند الصفر، مقابل أهداف تبلغ خمسة آلاف منصب شغل وعشر شركات مبتكرة، داخل برنامج ممول بقرض يقارب 84 مليون يورو، أي نحو 92 مليار سنتيم، مع تسجيل غياب وثائق أساسية للتخطيط والصفقات وضعف في صرف التمويل.
وتكشف الوثيقة، التي أدرجها البنك ضمن منشوراته يوم 26 أكتوبر 2026، عن تأخر مهم في تنفيذ مشروع دعم التنمية الشاملة والمستدامة للمناطق الغابوية «PADIDZOF»، رغم مرور نحو سنتين على دخول اتفاقية التمويل حيز التنفيذ.
ولا تتعلق ملاحظات البنك بمؤشرات التشغيل وحدها، بل تشمل غياب خطة العمل والميزانية السنوية، وعدم توفر خطة معتمدة لإبرام الصفقات، وتأخر تعبئة المساعدة التقنية الخارجية، إلى جانب عدم إرسال تقارير الأنشطة المطلوبة إلى المؤسسة الممولة.
غير أن التقرير، المؤرخ في 28 شتنبر 2026، يستند إلى مهمة ميدانية أنجزت بين 11 و22 ماي من السنة نفسها، ما يعني أن النتائج والملاحظات الواردة فيه تعكس مرحلة التقييم، وليس بالضرورة الوضع النهائي للمشروع عند نشر الوثيقة.
المصدر الرسمي | البنك الإفريقي للتنمية – تقرير حالة التنفيذ والنتائج لمشروع PADIDZOF، المدرج يوم 26 أكتوبر 2026
مشروع تنمية الغابات.. صفر أمام 5000 وظيفة و10 شركات ناشئة
تضع جداول النتائج المنشورة في التقرير أهداف التشغيل والمقاولات أمام فجوة واضحة بين ما كان مبرمجاً وما جرى تسجيله ضمن مؤشرات الإنجاز.
ففي مؤشر الوظائف المستحدثة في القطاع الغابوي، حدد المشروع هدفاً نهائياً يبلغ 5000 منصب، منها 1500 منصب لفائدة النساء، بينما ظلت أحدث قيمة مسجلة عند الصفر.
وتكرر الوضع في مؤشر الشركات الناشئة المبتكرة، إذ لم تُسجل أي شركة ضمن النتائج المعروضة، مقابل هدف نهائي يبلغ عشر شركات، بينها أربع شركات تقودها نساء.
كما أظهر مؤشر متوسط المساحات الغابوية المستعادة سنوياً بلوغ 92.57 هكتاراً من أصل هدف يبلغ 700 هكتار، بنسبة إنجاز وصلت إلى 13.22 في المائة.
لكن هذه الأرقام تحتاج إلى قراءة مرتبطة بطبيعة المؤشرات وتاريخ قياسها.
فقد أوضح البنك أن أنشطة البرنامج كانت لا تزال جارية، وأن تقييم آثارها الاقتصادية والاجتماعية يواجه صعوبات خلال المرحلة الحالية.
ولذلك لا تعني القيم الصفرية بالضرورة عدم تنفيذ أي نشاط ميداني أو عدم توفير أي فرصة عمل خارج ما تم قياسه، وإنما تؤكد أن التقرير لم يسجل بعد نتائج محققة في مؤشرات التشغيل والمقاولات المعنية.
وتكتسب هذه الملاحظات أهمية بالنظر إلى طبيعة البرنامج الذي تشرف عليه الوكالة الوطنية للمياه والغابات في أربع جهات: طنجة تطوان الحسيمة، والرباط سلا القنيطرة، ومراكش آسفي، وسوس ماسة.
ويستهدف المشروع تحسين ظروف عيش السكان بالمناطق الغابوية، وتطوير سلاسل الإنتاج المرتبطة بالموارد الطبيعية، وتشجيع المقاولات القروية والأنشطة الاقتصادية المدرة للدخل.
خطط غائبة وصفقات دون تخطيط معتمد
لم يقتصر تقييم البنك الإفريقي للتنمية على النتائج الاقتصادية، بل رصد صعوبات في الآليات الإدارية المكلفة بقيادة المشروع وتنفيذ عملياته.
ورغم إحداث وحدات تنسيق مركزية وجهوية داخل الوكالة الوطنية للمياه والغابات، سجلت بعثة التقييم غياب خطة العمل والميزانية السنوية، المعروفة اختصاراً بـ«PTBA»، إلى جانب خطة إبرام الصفقات «PPM».
والأكثر أهمية أن التقرير أدرج ضمن مشكلات التنفيذ إبرام صفقات دون توفر خطة الصفقات المطلوبة، وطالب بتصحيح الوضع وفق الملاحظات التي سجلتها البعثة.
وأوصى البنك بإعداد الوثيقتين وعرضهما على لجنة قيادة المشروع للمصادقة، قبل إحالتهما إلى المؤسسة المالية للحصول على عدم الممانعة.
ولا يكفي تسجيل غياب هذه الوثائق لإثبات وجود فساد أو اختلاس، لكنه يشير إلى نواقص في التخطيط والتدبير اعتبر البنك معالجتها ضرورية لتحسين تنفيذ البرنامج.
كما سجل التقرير عدم تعبئة مساعدة تقنية خارجية تشغيلية، رغم أهميتها في قيادة العمليات وتتبع الأشغال والمخرجات.
ودعت البعثة إلى الإسراع بتعبئة هذه المساعدة، مع استكشاف إمكانية التعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، دون أن تتضمن الوثيقة تأكيداً بإبرام اتفاق معها.
وفي جانب آخر، سجل البنك عدم إحالة تقارير الأنشطة المطلوبة، وطالب بإعداد تقرير موحد وموثق عن تقدم التنفيذ، وتسريع إنجاز الصفقات الجارية وتسوية مستحقات الأشغال المكتملة.
وتعيد هذه الملاحظات إلى الواجهة أهمية التمييز بين الموافقة على التمويل الدولي وتوفر الآليات الإدارية القادرة على تحويله إلى مشاريع ونتائج قابلة للقياس.
وكان MarocActu24 قد تناول في تقرير سابق مؤشرات مرتبطة بحكامة الصفقات العمومية داخل برنامج آخر يموله البنك الإفريقي للتنمية، بعدما أظهرت بياناته بقاء ثلاثة مخرجات تنظيمية عند الصفر وعدم تسجيل خطة عمل خاصة بتقييم منظومة الصفقات.
ويتعلق الأمر ببرنامج مستقل عن مشروع الغابات، لكن المقارنة تبرز أهمية أدوات التخطيط والتتبع في تقييم تنفيذ التمويلات العمومية.
اقرأ أيضاً | 333 مليون وحدة حساب لبرنامج حكومي.. «صفر» في أدلة الصفقات وMAPS II بلا خطة عمل
خسائر في تربية النحل وتأخر التقييم البيئي
امتدت ملاحظات بعثة البنك الإفريقي للتنمية إلى بعض الأنشطة المرتبطة بالمستفيدين من المشروع، وفي مقدمتها تربية النحل.
فقد سجل التقرير خسائر في طوائف النحل عزاها إلى نقص التكوين والمواكبة التقنية، دون تقديم عدد محدد للطوائف المتضررة أو القيمة المالية لهذه الخسائر.
وأوصى بإعداد منظومة للتكوين والتتبع التقني، بهدف مساعدة المستفيدين على تحسين تدبير أنشطتهم والحد من تكرار المشكلات.
وفي الجانب البيئي والاجتماعي، رصد البنك تأخراً في التقييم السنوي للأداء، مطالباً بإطلاق إجراءات التعاقد الخاصة بافتحاص سنة 2025.
كما دعا إلى تعيين المسؤولين المكلفين بتتبع الالتزامات البيئية والاجتماعية داخل المديريات الجهوية الأربع، وتقوية المقتضيات ذات الصلة في عقود الأشغال، وتحسين آلية استقبال شكايات المستفيدين ومعالجتها.
وتظهر جداول الإجراءات التصحيحية أن عدداً من هذه التدابير كان ما يزال في وضعية «قيد التنفيذ»، بينما لم يكن إعداد تقرير التقدم الموحد قد نُفذ بعد عند تسجيل الملاحظات.
وكانت الآجال المحددة لبعض الإجراءات تمتد من 30 ماي إلى 31 غشت 2026، دون أن تتضمن الوثيقة حصيلة لاحقة تؤكد استكمال جميع التدابير في المواعيد المحددة.
نسبتا صرف مختلفتان داخل التقرير نفسه
يطرح الجانب المالي للمشروع إشكالاً إضافياً، بسبب اختلاف نسب الصرف الواردة في التقرير.
ففي الجدول المالي بالصفحة الأولى، تظهر نسبة صرف تبلغ 0.25 في المائة من قيمة التمويل المسجلة بالوحدات الحسابية للبنك الإفريقي للتنمية.
لكن التعليق التفسيري في الصفحة الثانية يتحدث عن نسبة صرف تبلغ 3.87 في المائة بعد نحو سنتين من التنفيذ، ويصفها بأنها ضعيفة مقارنة بعمر المشروع.
ولا توضح الوثيقة سبب اختلاف النسبتين، أو ما إذا كانتا تعتمدان تاريخين مختلفين أو معايير محاسبية غير متطابقة.
ويمنع هذا الاختلاف اعتماد نسبة واحدة باعتبارها الحصيلة المالية النهائية للمشروع دون توضيح إضافي من البنك.
وأشار التقرير كذلك إلى طلب أول لاسترداد نفقات بقيمة 32.62 مليون درهم، كان لا يزال قيد المعالجة بعد احتياجه إلى استثناء من البنك.
ويتعلق هذا الرقم بطلب استرداد محدد، ولا يمثل بالضرورة إجمالي النفقات المنفذة أو المبلغ النهائي الذي صرفه البنك لفائدة المشروع.
وكان MarocActu24 قد تناول سابقاً تفاوت مؤشرات الصرف والإنجاز في مشروع آخر ممول من البنك الإفريقي للتنمية لتحسين خدمات الماء الصالح للشرب، مع التمييز بين الأموال المصروفة والأهداف الميدانية المسجلة.
اقرأ أيضاً | مشروع مياه الشرب يمتد إلى 2028.. 10 كيلومترات من أصل 300 وصفر أمام 250 ألف عداد
تصنيف متباين رغم التأخر في التنفيذ
يكشف التقرير عن مفارقة أخرى في تقييم الوضع العام لمشروع تنمية الغابات، بعدما أدرجته إحدى خانات التصنيف ضمن المشاريع التي يحتمل أن تكون إشكالية، وفق عبارة «Projet Potentiellement Problématique».
غير أن التعليق المصاحب اعتبر المشروع غير مصنف ضمن هذه الفئة خلال مهمة الإشراف، مع انتظار تحسن أدائه في النصف الثاني من سنة 2026.
ولم تتضمن الوثيقة تفسيراً واضحاً لاختلاف التصنيف المدرج في الخانة والتوصيف الوارد في التعليق.
وفي الوقت نفسه، منح البنك حالة التنفيذ درجة «مرضٍ»، والتقدم نحو تحقيق الهدف التنموي درجة «مرضٍ جداً»، رغم تسجيل تأخر مهم وملاحظات بشأن الصرف والتخطيط والنتائج.
ويعكس هذا التقييم نظرة المؤسسة إلى إمكانات المشروع والأنشطة الجارية، ولا يعني أن جميع الأهداف قد تحققت أو أن الاختلالات المسجلة عولجت بالفعل.
كما لا يسمح التباين بين التصنيفات وحده باعتبار المشروع فاشلاً أو متوقفاً، خاصة أن أفق تنفيذ التمويل ما يزال ممتداً إلى السنوات المقبلة.
ما الذي تحقق بعد مهمة ماي 2026؟
تعود الموافقة على تمويل مشروع تنمية الغابات إلى 22 ماي 2024، قبل توقيع اتفاقية القرض يوم 10 يوليوز ودخولها حيز التنفيذ في 11 شتنبر من السنة نفسها.
ويحدد التقرير 3 دجنبر 2030 باعتباره التاريخ الأقصى لآخر صرف مرتبط بالتمويل، ما يؤكد أن العملية لم تصل بعد إلى نهاية أفقها المالي.
لكن طول مدة التنفيذ لا يلغي الحاجة إلى تقييم ما تحقق خلال المراحل السابقة، خصوصاً بعدما سجل البنك غياب أدوات للتخطيط وضعفاً في التتبع ومحدودية في النتائج المعروضة.
وتبرز هنا أسئلة محددة بشأن الوضع الحالي للمشروع: هل اعتمدت خطة العمل والميزانية السنوية؟ وهل تمت المصادقة على خطة الصفقات؟ وما مآل تعبئة المساعدة التقنية الخارجية؟ وهل عولجت المشكلات التي واجهها مربو النحل؟
وتبقى الوكالة الوطنية للمياه والغابات الجهة المعنية بتوضيح نتائج الإجراءات التصحيحية ومؤشرات التنفيذ الميداني، بينما يحتاج اختلاف نسب الصرف والتصنيف العام إلى توضيح من البنك الإفريقي للتنمية.
فالتقرير لا يثبت ضياع القرض أو عدم إنجاز أي نشاط، لكنه يوثق تأخراً في التنفيذ ومؤشرات محدودة للنتائج ونواقص تنظيمية اعتبرتها المؤسسة الممولة مؤثرة على تقدم البرنامج.
وبين قرض يقارب 84 مليون يورو، وهدف إحداث 5000 وظيفة وعشر شركات ناشئة، تظل الحصيلة الفعلية لمشروع تنمية الغابات مرتبطة بما ستكشفه التحديثات المقبلة عن إنجاز الأشغال وخلق فرص العمل وتحسين دخل السكان المستفيدين.
أما الأرقام الصفرية الواردة في تقرير 2026، فهي مؤشرات تستوجب التتبع والتفسير، لا حكماً نهائياً على مشروع لم تنته بعد مدة تنفيذه.


