بقلم: قويدر فؤاد
أعادت مدينة الألعاب الإلكترونية بالرباط فتح ملف تتبع الاستثمارات العمومية، بعدما كشفت مذكرة تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027 أن كلفتها الإجمالية تبلغ 460 مليون درهم، أي 46 مليار سنتيم، منها 160 مليون درهم جرى الإفراج عنها، في حين كانت المعطيات المنشورة عند الإعلان عن المشروع سنة 2024 تتحدث عن استثمار أولي بقيمة 360 مليون درهم.
ولا يتعلق الأمر باختلاف مالي فقط، إذ تكشف العودة إلى البوابة الإلكترونية المخصصة لصناعة الألعاب التابعة لوزارة الشباب والثقافة والتواصل أن الموعد المعلن لنهاية أشغال المشروع كان فبراير 2026، بينما تستعمل مذكرة مالية 2027 صيغة تفيد استمرار إحداث المنطقة المتخصصة، دون تقديم حصيلة مفصلة لما أُنجز.
وتضع المقارنة بين الوثيقتين سؤالين أمام الجهات المشرفة على المشروع: ما مكونات الكلفة الإجمالية التي بلغت 460 مليون درهم؟ وما الوضع الفعلي للأشغال مقارنة بالجدول الزمني الذي سبق الإعلان عنه؟
وتورد مذكرة تقديم مشروع مالية 2027، في الصفحتين 165 و166، أن المشروع يندرج ضمن استراتيجية لتطوير صناعة ألعاب الفيديو وتحويل المغرب إلى قطب إقليمي يستقطب الشركات والاستثمارات والكفاءات المتخصصة.
غير أن المعطيات المعروضة لا تتضمن تفصيلاً للأشغال التي شملها التمويل المفرج عنه، أو جدولاً يربط المبالغ المالية بالمراحل المنجزة والمرافق التي دخلت الخدمة.
المصدر الرسمي | وزارة الاقتصاد والمالية – مذكرة تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027
مدينة الألعاب الإلكترونية بالرباط.. من 360 إلى 460 مليون درهم
تعود الكلفة السابقة إلى أكتوبر 2024، عندما نشرت مجلة «Challenge» أن الاستثمار الأولي المرتقب لإحداث المنطقة المتخصصة في صناعة الألعاب الإلكترونية بالرباط يبلغ 360 مليون درهم، استناداً إلى وثائق مشروع قانون المالية لسنة 2025.
وبمقارنة هذا الرقم مع الكلفة الإجمالية المعلنة في مالية 2027، يظهر فارق حسابي يبلغ 100 مليون درهم، أي نحو 27.8 في المائة من التقدير الأولي.
لكن هذا الفرق لا يمثل بالضرورة ارتفاعاً مؤكداً في تكلفة الأشغال نفسها، لأن الرقم الأول قُدم باعتباره استثماراً أولياً، بينما يتعلق الرقم الثاني بالكلفة الإجمالية للمشروع.
وتدعم هذه القراءة معطيات نشرتها صحيفة «La Vie éco» يوم 30 دجنبر 2024، إذ أوضحت أن مبلغ 360 مليون درهم يخص المرحلة الأولى من مدينة الألعاب الإلكترونية، التي كان مقرراً إنجازها خلال سنة 2025.
وبالتالي، لا يمكن اعتبار فارق 100 مليون درهم تجاوزاً مالياً مثبتاً قبل الكشف عن مكونات المرحلتين، وتحديد ما إذا كان المبلغ الإضافي مرتبطاً بتوسيع المشروع أو تجهيز مرافق أخرى أو مراجعة التقديرات.
المصدر | Challenge – الاستثمار الأولي لمدينة الألعاب الإلكترونية، 27 أكتوبر 2024
موعد فبراير 2026.. ماذا تكشف البوابة الرسمية؟
تكشف العودة إلى البوابة الإلكترونية «Morocco Gaming Industry»، التي تحمل هوية وزارة الشباب والثقافة والتواصل، عن معطى يستحق التوضيح بشأن الجدول الزمني للمشروع.
ففي قسم التواريخ الرئيسية لمدينة الألعاب الإلكترونية بالرباط، حددت البوابة فبراير 2025 موعداً لبداية البناء، وفبراير 2026 موعداً لنهاية الأشغال، مع الإشارة إلى مدة إنجاز تتراوح بين 12 و14 شهراً.
ويختلف هذا الجدول المعلن عن صورة المشروع في مذكرة مالية 2027، التي تتحدث عن مواصلة إحداث المنطقة المتخصصة، دون تحديد تاريخ جديد لاستكمال الأشغال أو توضيح ما إذا كانت بعض مكونات المشروع قد انتهت بالفعل.
غير أن هذه المقارنة لا تكفي لإثبات مخالفة أجل تعاقدي، لأن الجدول المنشور على البوابة لا يتضمن، في الصفحة المعنية، تفاصيل العقود أو محاضر انطلاق الأشغال أو التعديلات المحتملة على البرمجة.
وتبقى الحاجة قائمة إلى حصيلة رسمية تحدد تاريخ الانطلاق الفعلي للمشروع، ونسبة تقدم الأشغال، والمرافق التي جرى إنجازها، وأسباب أي تعديل محتمل في الجدول الزمني.
المصدر الرسمي | Morocco Gaming Industry – الجدول الزمني المعلن لمدينة الألعاب الإلكترونية
160 مليون درهم مفرج عنها.. ماذا أُنجز مقابلها؟
تسجل مذكرة مالية 2027 الإفراج عن 160 مليون درهم من أصل الكلفة الإجمالية البالغة 460 مليون درهم، وهو ما يعادل نحو 34.8 في المائة من الغلاف الإجمالي للمشروع.
لكن عبارة «الإفراج عن المبلغ» لا تعني بالضرورة أداءه بالكامل للمقاولات المكلفة بالأشغال، كما لا تثبت أن تجهيزات أو مرافق بالقيمة نفسها قد أُنجزت وتسلمتها الجهة المشرفة.
ويبرز هنا معطى سابق يعود إلى أكتوبر 2025، عندما أفادت تغطية لمذكرة تقديم مشروع مالية 2026 بتخصيص 160 مليون درهم لفائدة شركة «الرباط الجهة للتهيئة»، لمواصلة إحداث المنطقة المتخصصة في الألعاب الإلكترونية.
ويطرح تطابق المبلغين سؤالاً بشأن العلاقة بين التمويل المذكور في وثائق 2026 والمبلغ المفرج عنه الذي تشير إليه مذكرة 2027.
ولا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بأنهما عمليتان ماليتان مستقلتان أو بأن الأمر يتعلق بالمبلغ نفسه، دون الاطلاع على سجلات التحويلات والالتزامات والأداءات الخاصة بالمشروع.
أما الفارق الحسابي البالغ 300 مليون درهم بين الكلفة الإجمالية والمبلغ المفرج عنه، فلا يعني تلقائياً أن هذا المبلغ المتبقي لم يُعبأ أو أنه يمثل اعتمادات جديدة مخصصة لسنة 2027.
المصدر | هسبريس – تخصيص 160 مليون درهم لمدينة الألعاب ضمن مالية 2026
برنامج Gamification Lab.. تمويل آخر يحتاج إلى التمييز
بموازاة مشروع المدينة، تتضمن مذكرة تقديم مالية 2027 برنامج «Gamification Lab»، المقرر تنفيذه بشراكة مع «CDG Invest»، بغلاف مالي إجمالي يبلغ 10 ملايين درهم خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2029.
ويهدف البرنامج إلى دعم حلول رقمية تعتمد توظيف عناصر الألعاب الإلكترونية في تطبيقات وخدمات مختلفة، بما يفتح فرصاً أمام الاستوديوهات المغربية لتطوير منتجات مبتكرة.
لكن العودة إلى بلاغ رسمي صادر عن وزارة الشباب والثقافة والتواصل يوم 21 ماي 2026 تكشف عن اتفاقية سابقة بقيمة إجمالية تبلغ 24 مليون درهم، تجمع الوزارة بصندوق الإيداع والتدبير والشركة المغربية للهندسة السياحية.
وتشمل الاتفاقية برنامجي «Gamification Lab» و«Gaming de Loisir»، وتتوزع المساهمات المعلنة بين 10 ملايين درهم للوزارة و10 ملايين لصندوق الإيداع والتدبير، وأربعة ملايين للشركة المغربية للهندسة السياحية، خلال سنتي 2026 و2027 وفق الجدولة المنشورة.
ولا توضح المعطيات المتاحة العلاقة المحاسبية التفصيلية بين مبلغ 10 ملايين درهم الوارد في مذكرة مالية 2027 والتمويل السابق البالغ 24 مليون درهم.
ولذلك لا يصح جمع المبلغين باعتبارهما تمويلين جديدين ومستقلين قبل التحقق من طبيعة النفقات والجهات المستفيدة وفترات الالتزام والأداء.
المصدر الرسمي | وزارة الشباب والثقافة والتواصل – اتفاقيات Morocco Gaming Expo، 21 ماي 2026
900 مليون درهم للابتكار.. هل كلها مخصصة للألعاب؟
تتضمن مذكرة مالية 2027 أيضاً الإشارة إلى توسيع برنامج «TATWIR-RDI» لدعم البحث والتطوير والابتكار الصناعي، وتمديده إلى غاية سنة 2028، مع تعزيز ميزانيته بمبلغ 900 مليون درهم.
ويشمل هذا التطور إدراج المقاولات العاملة في صناعة الألعاب الإلكترونية ضمن الجهات المؤهلة للاستفادة من آليات صندوق دعم الابتكار.
غير أن الغلاف الإضافي لا يمثل تمويلاً حصرياً لصناعة الألعاب، بل يتعلق ببرنامج صناعي متعدد القطاعات يشمل مشاريع البحث والتطوير وتثمين الابتكار والتصنيع التجريبي.
وقد أكدت وزارة الصناعة والتجارة، في إعلانها الرسمي لطلبات المشاريع 2026-2028، تخصيص عرضين لصناعة الألعاب الإلكترونية: دعم تطوير النماذج الأولية بنسبة 70 في المائة، في حدود مليون درهم لكل مشروع، ودعم التصنيع التكنولوجي التجريبي بنسبة 30 في المائة، بسقف ثلاثة ملايين درهم.
المصدر الرسمي | وزارة الصناعة والتجارة – برامج دعم الابتكار وصناعة الألعاب 2026-2028
وكان MarocActu24 قد تناول هذه الآليات في مادة سابقة عرضت شروط الترشيح وسقوف التمويل التي تتيحها الوزارة للمقاولات المبتكرة.
اقرأ أيضاً | وزارة الصناعة تفتح باب دعم مشاريع الابتكار الصناعي والغيمينغ بالمغرب
من الكلفة المالية إلى نتائج الاستثمار
تراهن السلطات العمومية على مدينة الألعاب الإلكترونية لاستقطاب شركات مغربية ودولية، وخلق فرص عمل مؤهلة، وتطوير منظومة إنتاج ألعاب الفيديو والتقنيات المرتبطة بها.
لكن تقييم هذا المشروع لا يتوقف على الغلاف المالي المعلن، بل يرتبط أيضاً بمستوى إنجاز البنية التحتية، وعدد المقاولات التي استقرت فعلياً داخل المنطقة، وحجم الاستثمارات الخاصة المستقطبة، وفرص الشغل الناتجة عنها.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين ثلاثة مستويات للتمويل: الكلفة الإجمالية للمدينة البالغة 460 مليون درهم، والبرامج المستقلة لمواكبة المقاولات والاستوديوهات، وآليات دعم الابتكار الصناعي التي أصبحت صناعة الألعاب مؤهلة للاستفادة منها.
ولا تسمح الوثائق المتاحة باحتساب مجموع هذه البرامج باعتباره مبلغاً واحداً موجهاً لإنجاز مدينة الألعاب الإلكترونية، لأن نطاق كل برنامج ومصادر تمويله وفترته الزمنية تختلف عن الأخرى.
وتتقاطع هذه الإشكالية مع سؤال أوسع يتعلق بقياس أثر الاستثمارات العمومية في الاقتصاد الرقمي، وهو الموضوع الذي سبق أن تناوله MarocActu24 عند مقارنة التمويل المعلن لاستراتيجية «المغرب الرقمي 2030» بالمؤشرات الرسمية المتعلقة برقمنة الخدمات.
اقرأ أيضاً | تريليون و100 مليار سنتيم للرقمنة.. تقرير رسمي: 23% فقط من الخدمات كانت رقمية بالكامل
وفي حالة مدينة الألعاب الإلكترونية بالرباط، تطرح مقارنة المعطيات المنشورة بين 2024 و2026 و2027 ثلاثة أسئلة محددة: ما الذي يشمله الفرق البالغ 100 مليون درهم بين التقدير الأولي والكلفة الإجمالية؟ وما الوضع المالي والتنفيذي لمبلغ 160 مليون درهم المفرج عنه؟ ولماذا لم تقدم مذكرة مالية 2027 توضيحاً بشأن الموعد السابق المعلن لنهاية الأشغال في فبراير 2026؟
ولا تثبت هذه الأسئلة وحدها وجود تجاوز مالي أو إخلال تعاقدي، لكنها تظهر الحاجة إلى نشر حصيلة تنفيذ محينة تربط الكلفة بالصفقات والأشغال المنجزة والجدول الزمني والنتائج الاقتصادية.
فالمعيار النهائي لنجاح مدينة الألعاب الإلكترونية لن يكون حجم الأموال المرصودة لإنشائها فقط، وإنما ما إذا كانت قد تحولت إلى بنية إنتاجية تستقطب الشركات وتؤهل الكفاءات وتساهم فعلياً في خلق فرص العمل.


