بقلم: الباز عبدالإله
تجريم الإثراء غير المشروع يعود إلى واجهة النقاش الحكومي، بعدما أعلن وزير العدل عبد اللطيف وهبي، اليوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، قرب الكشف عن ترسانة قانونية جديدة لمحاربة الفساد، مؤكداً أنه لا يعارض إخراج قانون يجرّم الزيادات غير المبررة في الثروة، بشرط احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
ويأتي هذا الموقف بعد عشرة أشهر من وصفه القانون المتعلق بالإثراء غير المشروع بأنه ينطوي على «نفاق سياسي وقانوني».
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، رد وهبي على سؤال بشأن مكافحة الفساد وتضارب المصالح بالتأكيد أن الحكومة تستعد لتقديم نصوص قانونية جديدة، مخاطباً البرلمانيين بعبارة: «حينذاك ستقولون لي شكراً».
وشدد الوزير على أن محاربة الفساد لا ينبغي أن تتحول إلى ممارسة شعبوية تقوم على اعتقال الأشخاص لمجرد إظهار الحزم، معتبراً أن احترام القانون وحماية المواطنين من التعسف يشكلان جزءاً أساسياً من أي سياسة لمكافحة الجرائم المالية.
وأكد أن موقفه لا يقوم على رفض تجريم الإثراء غير المشروع الذي تعهدت به رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، وإنما على ضرورة وضع مساطر قانونية واضحة تمنع المساس بحقوق الأفراد أو تحميلهم عبء إثبات براءتهم دون أساس قانوني سليم.
المصدر | العمق المغربي – تصريحات وزير العدل أمام مجلس المستشارين، 27 أكتوبر 2026
تجريم الإثراء غير المشروع.. من «النفاق السياسي» إلى الترسانة الجديدة
يعيد تصريح وهبي إلى الواجهة موقفاً أعلنه أمام مجلس المستشارين يوم 23 دجنبر 2025، عندما انتقد الصيغة المطروحة لقانون الإثراء غير المشروع، واعتبر أنها تنطوي على «نفاق سياسي وقانوني».
وكان الوزير قد اعترض آنذاك على تصور قانوني يخشى أن يؤدي، بحسب قراءته، إلى افتراض إدانة المواطن قبل إثبات مسؤوليته، من خلال مطالبته بتبرير مصادر ممتلكاته بطريقة تمس قرينة البراءة.
أما في جلسة 27 أكتوبر الجاري، فقد أكد عدم معارضته مبدأ التجريم، لكنه تمسك بضرورة اعتماد ضوابط قانونية تحمي الأبرياء وتحدد مسؤوليات الجهات المكلفة بالبحث والإثبات.
ولا يشكل الموقفان بالضرورة تناقضاً قانونياً محسومًا، لأن الاعتراض على صيغة معينة من التجريم يختلف عن رفض مبدئه. غير أن الانتقال من انتقاد القانون بهذه الحدة إلى الوعد بترسانة جديدة يطرح سؤالاً بشأن التعديلات التي يمكن أن تجعل النص المرتقب مقبولاً لدى الوزير.
المصدر | هبة بريس – وهبي يصف قانون الإثراء غير المشروع بالنفاق السياسي والقانوني، 23 دجنبر 2025
ويعود التعثر التشريعي لهذا الملف إلى مشروع القانون رقم 10.16 المتعلق بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، الذي أحيل على مجلس النواب يوم 24 يونيو 2016، وتضمن مقتضيات تروم تجريم الإثراء غير المشروع.
غير أن الحكومة طلبت سحب المشروع في نونبر 2021، بعد سنوات من النقاش والتعثر داخل البرلمان، ليبقى الملف دون الحسم التشريعي الذي كان يستهدفه النص المسحوب.
وكان المشروع جزءاً من مراجعة أوسع للقانون الجنائي، ولم يكن مقتصراً على الإثراء غير المشروع وحده.
المنصوري تعهدت بالتجريم.. والبرنامج المكتوب لم يذكره صراحة
تزامن الموقف الجديد لوزير العدل مع الجدل الذي أثاره اختلاف الصياغة بين التصريح الحكومي الشفوي والبرنامج المكتوب للفترة 2026-2031.
فخلال عرضها أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر، أعلنت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري التزامها باستكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، خاصة من خلال تجريم الإثراء غير المشروع ومعاقبة تضارب المصالح وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات وتجريم إفشاء المعلومات للحصول على امتيازات.
لكن مقارنة نشرتها صحيفة «صوت المغرب» يوم 21 أكتوبر أظهرت غياب التنصيص الصريح على تجريم الإثراء غير المشروع من الجزء المتعلق بمحاربة الفساد في الوثيقة الحكومية المكتوبة.
وتضمنت الوثيقة في المقابل التزامات بمراجعة الفصل 245 من القانون الجنائي، وإقرار مقتضيات تتعلق بتنازع المصالح وحماية المبلغين وتطوير نظام التصريح بالممتلكات.
ولا يكفي غياب العبارة من الوثيقة المكتوبة لإثبات تخلي الحكومة نهائياً عن التعهد، خصوصاً بعد تأكيد وهبي استعدادها لتقديم نصوص جديدة، لكنه يجعل تحديد مضمون الإصلاح المرتقب مسألة تتطلب توضيحاً تشريعياً.
المصدر | صوت المغرب – اختلاف صياغة الإثراء غير المشروع بين التصريح والبرنامج المكتوب، 21 أكتوبر 2026
الفصل 245 لا يعوض جريمة الإثراء غير المشروع
تكمن أهمية هذا الاختلاف في أن مراجعة الفصل 245 من القانون الجنائي لا تعني تلقائياً إحداث جريمة مستقلة للإثراء غير المشروع.
فالفصل المذكور يعاقب الموظف العمومي الذي يحصل على منفعة في عقد أو عملية أو مؤسسة تقع تحت إدارته أو إشرافه، ضمن الحالات المحددة قانوناً.
أما تجريم الإثراء غير المشروع فيستهدف، من حيث المبدأ، الزيادة الكبيرة وغير المبررة في ثروة الأشخاص الذين يحددهم المشرع، وفق شروط الإثبات والمسؤولية التي ينص عليها القانون.
ويختلف الأمران من حيث العناصر المطلوب إثباتها؛ إذ يرتبط الفصل 245 بالحصول على منفعة في وضعيات محددة، بينما يحتاج تجريم الإثراء غير المشروع إلى تعريف نطاق الثروة المعنية وآليات التحقق من مصادرها وتحديد الحالات التي تستوجب المساءلة.
ولهذا لا يمكن اعتبار مجرد توسيع الفصل 245 بديلاً قانونياً كاملاً عن تجريم الإثراء غير المشروع دون الاطلاع على الصياغة النهائية للتعديلات المقترحة.
وكان MarocActu24 قد تناول هذا الملف في تقرير سابق كشف أن عدد الأشخاص الملزمين بالتصريح بالممتلكات بلغ 154,931 شخصاً إلى غاية 31 أكتوبر 2025، وفق معطيات المجلس الأعلى للحسابات.
كما أثار التقرير القيود القانونية على اطلاع العموم على تصريحات ممتلكات أعضاء الحكومة، والتحديات المتعلقة بالتحقق من الزيادات في الثروة.
اقرأ أيضاً | «من أين لك هذا؟».. 154 ألف ملزم بالتصريح وثروات الوزراء محجوبة عن العموم!
أربعة مقترحات قوانين من المعارضة
بالتزامن مع التعهدات الحكومية، أعلن فريق حزب العدالة والتنمية بمجلس النواب، يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، إيداع أربعة مقترحات قوانين تتعلق بمنظومة محاربة الفساد.
ويتعلق المقترح الأول بالوقاية من تنازع المصالح ومحاربته وتجريم تسريب المعلومات المتميزة للحصول على فوائد أو امتيازات، بينما يخصص الثاني لتجريم الإثراء غير المشروع ومكافحة الزيادات الكبيرة وغير المبررة في الثروة.
أما المقترح الثالث فيهم حماية الموظفين العموميين المبلغين عن أفعال الفساد داخل الإدارات، فيما يتعلق الرابع بتوحيد وتحيين التشريع الخاص بالتصريح الإجباري بالممتلكات.
وأكد الفريق البرلماني، في بلاغ رسمي، أنه أودع النصوص لدى مكتب مجلس النواب تمهيداً لإخضاعها للمسطرة التشريعية.
ولا يمثل إيداع هذه المقترحات مصادقة برلمانية عليها أو دخولها حيز التنفيذ، كما لا يعني بالضرورة تبني الحكومة لمضامينها.
المصدر الرسمي | فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب – بلاغ إيداع أربعة مقترحات قوانين، 23 أكتوبر 2026
ضمانات المتهمين وحماية المبلغين.. كيف ستجمعهما الحكومة؟
لا ينحصر النقاش بشأن محاربة الفساد في تعريف جريمة الإثراء غير المشروع، بل يمتد إلى المساطر التي تتيح كشف الجرائم المالية والوصول إلى الأدلة وحماية المبلغين عنها.
فالقانون رقم 03.23 المتعلق بتعديل قانون المسطرة الجنائية، الذي دخل حيز التنفيذ يوم 8 دجنبر 2025، وضع شروطاً خاصة لإجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في الجرائم الماسة بالمال العام، كما نظم شروط انتصاب الجمعيات طرفاً مدنياً.
وقد أثارت هذه المقتضيات نقاشاً بشأن التوازن بين حماية الأشخاص من الشكايات الكيدية وضمان فعالية الأبحاث في ملفات الفساد.
وسبق لـMarocActu24 أن تناول ملاحظات الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها بشأن اشتراط الإذن الحكومي لتقاضي بعض الجمعيات، وما قد يثيره ذلك من إشكال محتمل لتضارب المصالح.
اقرأ أيضاً | الملك أكد شراكة المجتمع المدني.. والمادة 7 تشترط إذن وزارة العدل لتقاضي الجمعيات
وتضع هذه المعطيات الحكومة أمام مسألتين مترابطتين: توفير ضمانات المحاكمة العادلة التي يشدد عليها وزير العدل، وإقرار آليات قانونية فعالة لكشف الإثراء غير المشروع وحماية الأشخاص الذين يبلغون عن شبهات الفساد.
ولا يوجد تعارض ضروري بين المبدأين، لكن مدى التوفيق بينهما يتوقف على تفاصيل النصوص التشريعية، وليس على التصريحات السياسية وحدها.
ماذا تتضمن الترسانة التي وعد بها وهبي؟
رغم تأكيد وزير العدل قرب تقديم ترسانة قانونية جديدة، لم يكشف خلال جلسة الثلاثاء عن عدد النصوص المرتقبة أو موادها أو موعد إحالتها على البرلمان.
كما لم يحدد ما إذا كانت الحكومة ستقترح جريمة مستقلة للإثراء غير المشروع، أم ستدرج مقتضياته ضمن تعديل شامل للقانون الجنائي.
ويبقى السؤال متعلقاً بنطاق الأشخاص المعنيين بالتجريم، وكيفية التحقق من الزيادات غير المبررة في الممتلكات، والجهة المكلفة بتقديم الأدلة، والعقوبات المقترحة، والضمانات المتاحة للأشخاص موضوع الأبحاث.
وبين وصف قانون الإثراء غير المشروع بـ«النفاق السياسي والقانوني» في دجنبر 2025، والوعد بترسانة جديدة سيشكر عليها البرلمانيون في أكتوبر 2026، يظل الاختبار الفعلي مرتبطاً بالنصوص التي ستضعها الحكومة على طاولة المؤسسة التشريعية.
فإلى حين الإعلان عنها، يبقى تجريم الإثراء غير المشروع تعهداً سياسياً لم تتضح بعد صيغته القانونية النهائية، ولا موعد دخوله المحتمل حيز التنفيذ.


