بقلم: قويدر عبد الرحيم
صفقات مستشفى ابن رشد بالدار البيضاء تعود إلى دائرة المساءلة، بعدما دعا محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، إلى فتح تحقيق في شبهات اختلالات مرتبطة بتدبير هذا المرفق الصحي، وإخضاع صفقاته للافتحاص، محذراً من أن الحكم على البروفيسور رشيد شرقاب بسنة حبسا نافذاً لن ينهي الأسئلة المطروحة بشأن الشفافية وحماية المبلغين عن الفساد.
وطالب الغلوسي، في تدوينة على حسابه بموقع فيسبوك، بتدخل المجلس الأعلى للحسابات للتدقيق في الصفقات التي وصفها بأنها تبلغ ملايير الدراهم، داعياً وزارة الصحة إلى إيفاد لجنة عاجلة للوقوف على ظروف تدبير المستشفى والتحقق من الوقائع التي سبق إثارتها بشأنه.
واعتبر أن إدانة شرقاب لا ينبغي أن تصرف الانتباه عن مطالب التحقيق في الاختلالات المحتملة داخل المؤسسة، مشيراً إلى أن قضايا مرتبطة بتسيير المستشفى سبق أن تناولتها وسائل إعلام وكانت موضوع أسئلة برلمانية، دون أن تظهر بشأنها، وفق قوله، نتائج واضحة للرأي العام.
كما أعاد إثارة مسألة استمرار أحد المديرين لفترة طويلة على رأس إدارة المستشفى، معتبراً أن طبيعة تدبير هذا المرفق تستدعي توضيحات تتجاوز النزاعات التي قد تنشأ بين بعض الأطراف داخل الإدارة.
المصدر الصحفي | لكم – مطالب الغلوسي بالتحقيق في شبهات اختلالات مستشفى ابن رشد، 27 أكتوبر 2026
صفقات مستشفى ابن رشد.. ماذا كشف المجلس الأعلى للحسابات؟
تكتسب دعوة الغلوسي للافتحاص أهمية إضافية عند الرجوع إلى التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025، الذي تضمن ملاحظات محددة بشأن حكامة المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد.
فقد سجل المجلس أن مجلس تسيير المؤسسة توقف عن الاشتغال منذ سنة 2015، وهو ما لا يسمح، وفق التقرير، بتنزيل مقررات المجلس الإداري وتتبع تنفيذها.
وكشفت الوثيقة كذلك عن عدم إحداث أو تفعيل عدد من هيئات التشاور والتتبع والمراقبة المنصوص عليها في الإطار القانوني المنظم للمراكز الاستشفائية الجامعية، ومن بينها لجنة التتبع والتقييم ومجلس الأطباء وأطباء الأسنان والصيادلة.
كما أشار المجلس إلى عدم تفعيل لجنة التدقيق، رغم إحداثها وأهمية دورها الاحترازي في تجنب بعض المخاطر المرتبطة بالتدبير.
ولم تتوقف الملاحظات عند هذه الجوانب، إذ سجل التقرير أن مستشفى ابن رشد لم يكن قد فعّل نظاماً معلوماتياً خاصاً بدعم الحكامة والمراقبة الداخلية، رغم إبرام اتفاقية مع الوزارة المكلفة بالصحة تقضي بتفعيل نظام معلوماتي مندمج ابتداءً من سنة 2023.
وترد هذه المعطيات في الصفحتين المرقمتين 467 و468 من التقرير السنوي، المنشور في يناير 2026.
المصدر الرسمي | المجلس الأعلى للحسابات – التقرير السنوي 2024-2025، الصفحتان 467 و468
وتؤكد هذه الملاحظات وجود نقائص في الحكامة رصدتها مؤسسة رقابية رسمية، لكنها لا تشكل دليلاً على ارتكاب جرائم فساد في صفقات محددة، ولا تسمح بالجزم باستمرار الوضع نفسه إلى أكتوبر 2026 دون معطيات محينة.
كما أن المجلس الأعلى للحسابات سبق أن أخضع المؤسسة لمهمة رقابية، وهو ما يجعل السؤال المطروح حالياً متعلقاً أيضاً بمآل الملاحظات والتوصيات السابقة ومدى تنفيذ الإجراءات التصحيحية.
الغلوسي يطالب بلجنة عاجلة من وزارة الصحة
في ضوء الجدل المرتبط بقضية شرقاب، شدد الغلوسي على ضرورة تدخل وزارة الصحة للتحقق من ظروف التدبير داخل مستشفى ابن رشد، معتبراً أن استمرار الأسئلة دون أجوبة واضحة قد يضر بسمعة المؤسسة والعاملين بها.
وأوضح أن الخلافات الإدارية، إن وجدت، ينبغي معالجتها عبر المساطر القانونية وأخلاقيات المرفق العمومي، دون أن تحجب القضايا التي ترتبط بحق المواطنين في خدمات صحية جيدة وبشفافية تدبير الموارد المالية.
وحذر من أن تأخير التدقيق في الشبهات المثارة قد يفتح المجال أمام انتشار الإشاعات وتراكم الشكوك، داعياً إلى التعامل مع الموضوع بما يضمن حماية المؤسسة ومستخدميها وحقوق المرتفقين.
وتظل قيمة الصفقات التي وصفها الغلوسي بأنها تبلغ ملايير الدراهم معطى وارداً في تدوينته، دون أن تتضمن الوثيقة المنشورة لائحة مفصلة بالصفقات المقصودة أو قيمتها أو أسماء الشركات المعنية.
«تخويف المبلغين» بدل البحث في الادعاءات
انتقل رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام إلى التحذير من تداعيات التعامل مع الأشخاص الذين يثيرون شبهات الفساد داخل المؤسسات العمومية، معتبراً أن تقديمهم باعتبارهم مصدر المشاكل، عوض التحقق من الوقائع التي يتحدثون عنها، قد يؤدي إلى إحجام آخرين عن التبليغ.
وانتقد ما وصفه بمحاولات شيطنة المبلغين وعزلهم اجتماعياً، والزج بهم في نزاعات قضائية قد تتحول، وفق تقديره، إلى وسيلة لتخويفهم وترهيبهم.
واستحضر في هذا السياق قضية البروفيسور رشيد شرقاب، الذي قضت المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع بالدار البيضاء، يوم 21 أكتوبر 2026، بسجنه سنة حبسا نافذاً في قضية مرتبطة بخلافات وتصريحات بشأن المركز الاستشفائي ابن رشد.
غير أن ربط الحكم الصادر في حق الطبيب بمحاولة الانتقام منه بسبب التبليغ عن الفساد يظل قراءة حقوقية يتبناها الغلوسي، ولا يمكن اعتباره واقعة قضائية ثابتة دون الاطلاع على الحكم وتعليله والوثائق المتعلقة بالمتابعة.
وكان MarocActu24 قد تناول القضية في مادة سابقة عرضت انتقادات الغلوسي للحكم الابتدائي، وموقفه من تطبيق المادة 392 من قانون المسطرة الجنائية، ومطالبته بإطلاق سراح الطبيب.
اقرأ أيضاً | «الفوهة مصوبة نحو من يرفع صوته ضد الفساد».. الغلوسي يطالب بإطلاق سراح البروفيسور شرقاب
مخاوف من الصمت وفقدان الثقة في المؤسسات
حذر الغلوسي من أن انتشار الخوف من التبليغ عن الفساد قد يدفع المواطنين إلى التزام الصمت، ويعزز الاعتقاد بعدم جدوى المطالبة بالمحاسبة داخل المؤسسات العمومية.
واعتبر أن الأخطر هو تحول هذا الإحساس إلى اقتناع لدى بعض المواطنين بأن الجهات المسؤولة تتسامح مع الفساد أو تحمي المتورطين فيه، مستحضراً العبارة المتداولة «هادشي راه هما لي بغاوه» بوصفها تعبيراً عن تراجع الثقة.
وهذه اتهامات وانطباعات حذر الغلوسي من انتشارها، ولا تشكل في حد ذاتها إثباتاً بأن مؤسسات الدولة تحمي أشخاصاً متورطين في جرائم فساد.
ويأتي هذا النقاش في سياق الجدل المستمر حول آليات مكافحة جرائم المال العام، ولا سيما المقتضيات الجديدة لقانون المسطرة الجنائية المتعلقة بتحريك الأبحاث ودور جمعيات المجتمع المدني في الدعاوى القضائية.
وسبق لـMarocActu24 أن تناول شروط تقاضي الجمعيات في قضايا الفساد، والملاحظات التي وجهتها الهيئة الوطنية للنزاهة بشأن اشتراط الإذن الحكومي للانتصاب طرفاً مدنياً.
اقرأ أيضاً | تقاضي الجمعيات في قضايا الفساد.. المادة 7 وإذن العدل
«الفساد يسرق الحلم والأمل»
في ختام تدوينته، شدد الغلوسي على أن محاربة الفساد ليست مسؤولية المبلغين والجمعيات الحقوقية وحدهم، وإنما قضية دولة ومجتمع، تستدعي إرادة سياسية ومؤسساتية لتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
واعتبر أن استمرار الفساد والريع والرشوة والتمييز داخل المرافق العمومية لا ينعكس فقط على الموارد المالية، بل يهدد أيضاً ثقة المواطنين في جدوى الإصلاح.
وختم موقفه بعبارة: «الفساد لا يسرق الموارد فقط، إنه يسرق الحلم والأمل من الناس، وهذا هو الخطر الحقيقي».
وبين مطالب الغلوسي بافتحاص صفقات مستشفى ابن رشد والملاحظات السابقة للمجلس الأعلى للحسابات، تبرز الحاجة إلى معرفة ما تحقق من توصيات الرقابة، وما إذا كانت وزارة الصحة قد باشرت إجراءات إضافية بشأن الشبهات المثارة.
وتبقى الإجابة عن هذه الأسئلة مرتبطة بنتائج الأبحاث والافتحاصات المختصة، دون افتراض مسؤوليات جنائية مسبقة أو الخلط بين الملاحظات الإدارية وجرائم الفساد التي يتطلب إثباتها أدلة وإجراءات قضائية.


