بقلم: الباز عبدالإله
مؤشر إدراك الفساد بالمغرب يكشف تراجعاً يمتد لسبع سنوات، بعدما انتقلت المملكة من المرتبة 73 عالمياً سنة 2018 إلى المرتبة 91 سنة 2025، وفقدت أربع نقاط من رصيدها خلال الفترة نفسها.
وتتزامن هذه الحصيلة مع إقرار رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، محمد بنعليلو، بأن أثر الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية ما زال دون انتظارات المواطنين، في وقت يطرح فيه أرشيف الهيئة سؤالاً بشأن نشر تقريرها السنوي لسنة 2024، الذي سبق لمجلسها أن صادق على مشروعه في نونبر 2025.
وخلال ندوة صحفية عقدت الجمعة 16 أكتوبر 2026 بالرباط، لتقديم التقرير السنوي للهيئة برسم سنة 2025، أكد بنعليلو أن المغرب راكم مكتسبات في بناء المؤسسات وتطوير القوانين، غير أن انعكاسها على الحياة اليومية للمواطنين والمقاولات والخدمات العمومية لم يصل بعد إلى المستوى المنشود.
وشدد رئيس الهيئة على أن نجاح الإصلاحات لا ينبغي قياسه بعدد النصوص القانونية أو المؤسسات المحدثة وحده، وإنما بمدى تحولها إلى ممارسات ونتائج ملموسة، خصوصاً في ما يتعلق بجودة الخدمات وحماية المال العام وثقة المواطنين.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية عند مقارنتها بنتائج منظمة الشفافية الدولية، التي تظهر تحسناً محدوداً خلال آخر سنة، لكنه لم يعوض التراجع المسجل منذ 2018.
المصدر | تصريحات محمد بنعليلو خلال تقديم تقرير 2025، 16 أكتوبر 2026
مؤشر إدراك الفساد بالمغرب.. من 43 إلى 39 نقطة خلال 7 سنوات
بحسب بيانات منظمة الشفافية الدولية، حصل المغرب سنة 2018 على 43 نقطة من أصل 100 في مؤشر إدراك الفساد، محتلاً المرتبة 73 من بين 180 دولة وإقليماً.
وفي إصدار سنة 2025، الذي نُشر يوم 10 فبراير 2026، حصل المغرب على 39 نقطة، ليحتل المرتبة 91 من بين 182 دولة وإقليماً.
وبذلك تراجعت نتيجة المملكة بأربع نقاط مقارنة بسنة 2018، بينما تأخر ترتيبها بـ18 مرتبة.
ولا يعني هذا التغير أن المؤشر سجل زيادة محددة في عدد جرائم الرشوة أو حالات اختلاس المال العام، لأن منهجيته تقوم على تجميع تقييمات خبراء وفاعلين اقتصاديين بشأن مستويات الفساد المدركة في القطاع العام.
كما أن اختلاف عدد البلدان المشمولة بالتصنيف بين السنتين يفرض الحذر عند مقارنة المراتب، بينما تسمح النقاط، وفق منهجية المنظمة، بمقارنة أوضح لتطور المؤشر عبر الزمن.
وتظهر السلسلة التاريخية أن المغرب لم يتراجع بصورة متواصلة دون أي تحسن، إذ ارتفع رصيده في آخر إصدار من 37 نقطة سنة 2024 إلى 39 نقطة سنة 2025.
وتحسن ترتيبه من المرتبة 99 إلى المرتبة 91 خلال السنة نفسها، أي بتقدم بلغ ثماني مراتب.
غير أن هذا التحسن الأخير لم يُعد المغرب إلى مستواه المسجل سنة 2018، حين كان رصيده أعلى بأربع نقاط.
المصدر الرسمي | منظمة الشفافية الدولية – بيانات المغرب في مؤشر إدراك الفساد 2025
المصدر الأصلي | منظمة الشفافية الدولية – نتائج مؤشر 2018
ويعني استمرار الفارق مقارنة بسنة 2018 أن تقييم النتائج لا ينبغي أن يقتصر على التحسن المسجل خلال سنة واحدة، بل يحتاج إلى تتبع الاتجاه العام ومدى ارتباطه بتطور فعالية المؤسسات والسياسات العمومية.
لكن المؤشر، على أهميته، لا يسمح بمفرده بتحديد مسؤولية مؤسسة مغربية بعينها عن التراجع، أو إثبات ارتكاب مخالفات قانونية من طرف مسؤولين محددين.
تقرير 2024.. الهيئة صادقت على مشروعه منذ نونبر 2025
إلى جانب نتائج المؤشر الدولي، تكشف العودة إلى الموقع الرسمي للهيئة الوطنية للنزاهة معطى يتعلق بإتاحة تقاريرها السنوية للعموم.
ففي بلاغ مؤرخ في 25 نونبر 2025، أعلنت الهيئة أن مجلسها الرابع والعشرين ناقش وصادق على مشروع التقرير السنوي برسم سنة 2024، بعد استعراض أبرز مضامينه ومحاوره التقييمية.
ولم يقتصر الاجتماع على هذه المصادقة، إذ تناول أيضاً حصيلة الشكايات والتبليغات والمعلومات التي توصلت بها الهيئة، إلى جانب ملفات مرتبطة بالتعاون المؤسساتي وتطوير أدوات مكافحة الفساد.
ويثبت البلاغ أن مشروع تقرير 2024 بلغ مرحلة المصادقة داخل مجلس الهيئة منذ ذلك التاريخ.
الوثيقة الرسمية | الهيئة الوطنية للنزاهة – اجتماع المجلس الرابع والعشرين، 25 نونبر 2025
غير أن مراجعة قسم التقارير السنوية على البوابة الرسمية للهيئة، بتاريخ 16 أكتوبر 2026، تظهر أن أحدث تقرير متاح ضمن القائمة هو التقرير السنوي برسم سنة 2023، المنشور في أكتوبر 2024.
ولا يظهر ضمن هذه القائمة تقرير سنة 2024، رغم الإعلان السابق عن المصادقة على مشروعه، في وقت جرى فيه تقديم تقرير سنة 2025 خلال ندوة الجمعة بالرباط.
المصدر الرسمي | الهيئة الوطنية للنزاهة – أرشيف التقارير السنوية
ولا يثبت غياب الوثيقة عن هذا القسم أن التقرير لم يُنجز، أو أنه لم يُرفع إلى الجهات المختصة، كما لا يسمح بالجزم بعدم نشره في أي فضاء آخر دون فحص جميع مسارات النشر المعنية.
كذلك ينبغي التمييز بين المصادقة على مشروع التقرير داخل مجلس الهيئة وبين استكمال الإجراءات القانونية والمؤسساتية المرتبطة بنشره.
لكن الفارق الزمني بين إعلان المصادقة في نونبر 2025 وعدم ظهور الوثيقة ضمن الأرشيف المنشور حتى أكتوبر 2026 يطرح سؤالاً محدداً: ما المرحلة التي بلغها تقرير 2024، ومتى ستتاح نسخته الكاملة للعموم؟
القانون والنظام الداخلي ينصان على نشر التقارير السنوية
تكتسب مسألة النشر أهمية تتجاوز الجانب التقني المتعلق بتحديث الموقع الإلكتروني.
فالمادة 50 من القانون رقم 46.19 المنظم للهيئة الوطنية للنزاهة تنص على تقديم تقرير سنوي مرة واحدة في السنة على الأقل، يتضمن تقييم سياسات مكافحة الفساد وتشخيص الوضعية، وحصيلة أنشطة الهيئة وآفاق عملها.
كما تشمل مضامينه جرد الشكايات والتبليغات والملفات التي جرى البت فيها، وعمليات البحث والتحري والنتائج المحققة، فضلاً عن العراقيل التي واجهت المؤسسة وتوصياتها الموجهة إلى الجهات المعنية.
وتنص المادة نفسها على رفع التقرير السنوي إلى الملك وتقديمه أمام البرلمان، حيث تجري مناقشته وفق المقتضيات الدستورية، مع نشره في الجريدة الرسمية.
أما المادة 67 من النظام الداخلي للهيئة، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7410 بتاريخ 5 يونيو 2025، فتؤكد هذه الإجراءات، وتضيف أن رئيس الهيئة يسهر على نشر التقرير السنوي في بوابتها الإلكترونية وعلى نطاق واسع بالوسائل المتاحة.
المصدر القانوني الرسمي | النظام الداخلي للهيئة الوطنية للنزاهة – الجريدة الرسمية عدد 7410، المادة 67
ويمنح هذا المقتضى القانوني سؤال إتاحة التقرير أهمية مباشرة، لأن نشر الحصيلة السنوية ليس مجرد ممارسة تواصلية اختيارية، بل جزء من منظومة تقديم الحساب ونشر المعلومات التي تؤطر عمل المؤسسة.
ومع ذلك، فإن تحديد ما إذا كان هناك إخلال بإجراء قانوني يقتضي معرفة المراحل التي استكملها تقرير 2024، وما إذا جرى رفعه أو نشره في الجريدة الرسمية، وهي معطيات لا يحسمها غيابه عن قائمة التقارير الإلكترونية وحدها.
311 شكاية خلال 2025.. ماذا حدث بعد التبليغ؟
تتصل مسألة إتاحة التقارير السنوية بالحاجة إلى تتبع نتائج معالجة الشكايات والتبليغات المتعلقة بالفساد.
فخلال تقديم الاستراتيجية الخماسية للهيئة، يوم 9 دجنبر 2025، كشف محمد بنعليلو عن توصل المؤسسة بأزيد من 311 شكاية خلال سنة 2025 حتى تاريخ اللقاء، مقابل 85 شكاية سنة 2023.
وأوضح آنذاك أن بعض الشكايات التي تتوصل بها الهيئة لا تدخل ضمن اختصاصاتها، وهو ما يجعل العدد الإجمالي للمراسلات مؤشراً على حجم التفاعل مع المؤسسة، وليس دليلاً مباشراً على عدد قضايا الفساد المثبتة.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة عند الانتقال من مرحلة التبليغ إلى مرحلة المعالجة.
فمعرفة عدد الشكايات المقبولة، والملفات التي جرى حفظها أو إحالتها على الجهات المختصة، ونتائج الأبحاث والتحريات، تسمح بتقييم أدق لمسار عمل الهيئة.
كما أن ارتفاع عدد الشكايات لا يعني بالضرورة ارتفاع عدد جرائم الفساد، إذ قد يرتبط أيضاً بزيادة وعي المواطنين بقنوات التبليغ أو تحسن وصولهم إليها.
ولهذا فإن نشر البيانات التفصيلية يساعد على الفصل بين حجم النشاط الإداري للمؤسسة وبين النتائج التي يمكن قياسها في مجال الوقاية والمساءلة.
استراتيجية جديدة بعد 2025.. ماذا تحقق من الإصلاحات؟
خلال ندوة 16 أكتوبر، دعا بنعليلو الحكومة إلى إعداد استراتيجية وطنية جديدة لمكافحة الفساد، تتضمن آلية لتنسيق تدخلات القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية.
وجاءت هذه الدعوة عقب انتهاء الفترة المحددة للاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد 2015-2025، التي كان يفترض أن تؤطر جانباً من التدخلات العمومية خلال عشر سنوات.
غير أن تقييم حصيلتها يتطلب معطيات تفصيلية بشأن البرامج المنجزة والمتعثرة، والاعتمادات المستعملة، والمؤشرات التي تحسنت أو تراجعت، والنتائج المحققة على مستوى الخدمات والإدارة والرقابة.
وتختلف الاستراتيجية الوطنية، التي تتعلق بتنسيق سياسات الدولة، عن الاستراتيجية المؤسساتية للهيئة للفترة 2025-2030، التي تحدد أولويات اشتغالها وتطوير أدواتها.
كما سبق لرئيس الهيئة أن دعا إلى استكمال عدد من الأوراش التشريعية، من بينها تجريم الإثراء غير المشروع، وتأطير تضارب المصالح، وتعزيز حماية المبلغين، وتحيين منظومة التصريح بالممتلكات.
وتمثل هذه الملفات جزءاً من النقاش بشأن فعالية الإطار القانوني، لكنها لا تسمح وحدها بتحديد أثر الإجراءات المنجزة على مؤشرات الفساد دون تقييم مستقل لنتائج التطبيق.
وفي سياق مرتبط بالنزاهة المؤسسية، سبق أن تابع MarocActu24 تحذيرات الهيئة الوطنية للنزاهة من مخاطر استعمال الموارد العمومية لأغراض انتخابية خلال الاستعداد لانتخابات 23 شتنبر 2026.
وكانت الهيئة قد دعت المواطنين والفاعلين إلى استعمال القنوات القانونية للتبليغ عند توفر معلومات موثوقة، دون أن يتضمن موقفها اتهاماً محدداً بارتكاب مخالفات من طرف حزب أو مرشح بعينه.
اقرأ أيضاً | نزاهة انتخابات 2026.. هيئة النزاهة تحذر من توظيف الموارد العمومية وتدعو إلى التبليغ
كما تناول الموقع معطيات تقرير «Freedom House» لسنة 2026، الذي منح المغرب 37 نقطة من أصل 100 في تقييم الحريات، ونقطة واحدة من أصل أربع في المؤشرين المتعلقين بالشفافية الحكومية وضمانات مكافحة الفساد.
ويتعلق هذا التقييم بمنهجية مختلفة عن مؤشر إدراك الفساد الذي تصدره الشفافية الدولية، ولا يجوز جمع نتائجهما أو معاملتهما باعتبارهما قياساً واحداً.
اقرأ أيضاً | قبل انتخابات 23 شتنبر.. المغرب عند 37/100 و1/4 للشفافية ومكافحة الفساد
مؤشر إدراك الفساد بالمغرب.. ثلاثة أسئلة تنتظر أجوبة مؤسساتية
تضع النتائج المعلنة ثلاثة ملفات مترابطة أمام الهيئة الوطنية للنزاهة والحكومة والمؤسسات الرقابية.
يتعلق الأول بحصيلة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد خلال الفترة 2015-2025، ومدى قدرتها على الانتقال من البرامج والإصلاحات المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس.
أما الثاني، فيرتبط بمآل الشكايات والتبليغات، وحجم الملفات التي انتقلت من مرحلة التوصل بالمعلومات إلى البحث أو الإحالة أو الإجراءات المنجزة وفق الاختصاصات القانونية.
ويتعلق الثالث بإتاحة التقارير السنوية، خصوصاً تقرير 2024 الذي صادق مجلس الهيئة على مشروعه منذ نونبر الماضي، دون ظهوره ضمن الأرشيف الإلكتروني الرسمي حتى 16 أكتوبر 2026.
ولا تقدم هذه الوقائع دليلاً على ارتكاب مسؤولين أو مؤسسات مخالفات محددة، كما أن مؤشر إدراك الفساد لا يمثل حكماً قضائياً أو افتحاصاً مباشراً لكل الإدارات المغربية.
لكن الجمع بين تراجع الرصيد بأربع نقاط منذ 2018، وإقرار رئيس الهيئة بمحدودية أثر الإصلاحات على حياة المواطنين، والحاجة إلى توضيح مسار نشر التقارير، يبرز أهمية الانتقال من عرض المبادرات إلى قياس نتائجها وإتاحتها للرأي العام.
فالمغرب سجل تحسناً في مؤشر إدراك الفساد خلال آخر سنة، لكنه ظل دون المستوى الذي بلغه قبل سبع سنوات.
أما معرفة ما تغير فعلياً في مكافحة الفساد، فتحتاج إلى نشر الحصائل التفصيلية، ومقارنة الالتزامات بالمنجزات، وتوضيح مآل التقارير والتوصيات والشكايات.
وبين المرتبة 73 سنة 2018 والمرتبة 91 سنة 2025، يبقى السؤال المطروح أبعد من ترتيب دولي: إلى أي حد انعكست الإصلاحات على المعاملات والخدمات وحماية المال العام، ومتى تصبح نتائج تنفيذها متاحة للمواطنين بصورة منتظمة وقابلة للتحقق؟


