قويدر فؤاد
غياب المغرب عن بيان القدس الصادر الجمعة 16 أكتوبر 2026 أعاد إلى الواجهة تساؤلات بشأن حضور الرباط في التحركات الدبلوماسية الجماعية المتعلقة بالمدينة، بعدما أدان وزراء خارجية 19 دولة عربية وإسلامية افتتاح كولومبيا سفارتها في القدس، دون أن يظهر اسم المملكة ضمن الدول الموقعة.
ويكتسب هذا الغياب أهمية خاصة بالنظر إلى رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، ووجود قرار صادر عن المنظمة في يناير الماضي يدعو الدول الأعضاء إلى مراجعة علاقاتها مع الدول التي تنقل سفاراتها إلى المدينة.
وتزداد خصوصية التطور الجديد بسبب هوية الدولة المعنية بالإدانة؛ فكولومبيا أعلنت يوم 10 غشت الماضي تجميد علاقاتها الدبلوماسية مع «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، والاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، قبل أن تفتتح سفارتها في القدس يوم 14 أكتوبر.
لكن تزامن هذه الوقائع لا يثبت وجود علاقة سببية بينها، ولا تسمح الوثائق المتاحة بالجزم بأن المغرب امتنع عن المشاركة في البيان مراعاة لعلاقاته مع بوغوتا، أو أنه رفض دعوة رسمية للانضمام إليه.
غياب المغرب عن بيان القدس.. من هي الدول الـ19؟
نشرت وزارة الخارجية التركية، يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، بياناً مشتركاً باسم وزراء خارجية تركيا والجزائر وجيبوتي ومصر وإندونيسيا والأردن والكويت ولبنان وليبيا وماليزيا وسلطنة عمان وباكستان وفلسطين وقطر والسعودية والصومال والسودان وسوريا واليمن.
وأعرب الوزراء عن إدانتهم افتتاح كولومبيا سفارتها في القدس، معتبرين أن هذه الخطوة تتعارض مع قرارات مجلس الأمن الدولي وتقوض الجهود الرامية إلى تحقيق سلام عادل ودائم يستند إلى حل الدولتين.
واستند البيان إلى القرارين الأمميين 476 و478 لسنة 1980، المرتبطين برفض الإجراءات الأحادية الرامية إلى تغيير وضع القدس، وبالدعوة إلى سحب البعثات الدبلوماسية من المدينة.
وطالب الوزراء الحكومة الكولومبية بالتراجع عن قرارها، واحترام الوضع القانوني والتاريخي للقدس والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بما فيها إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية.
ولا يرد اسم المغرب ضمن قائمة الدول التسع عشرة الواردة في الوثيقة الرسمية.
غير أن البيان لا يقدم تفاصيل بشأن كيفية إعداد قائمة المشاركين، ولا يوضح ما إذا كانت الدول غير الموقعة قد دُعيت للانضمام إليه أو شاركت في المشاورات التي سبقته.
كما أنه بيان صادر عن مجموعة من وزراء الخارجية، وليس قراراً جديداً باسم جميع الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي.
المصدر الرسمي | وزارة الخارجية التركية – البيان المشترك لوزراء خارجية 19 دولة، 16 أكتوبر 2026
كولومبيا تفتتح سفارتها بالقدس بعد استعادة العلاقات مع إسرائيل
صدر بيان الدول التسع عشرة بعد يومين من افتتاح كولومبيا سفارتها في القدس، الأربعاء 14 أكتوبر 2026.
وأكدت وزارة الخارجية الكولومبية أن وزير الخارجية عمر بولا إسكوبار ترأس مراسم الافتتاح بحضور نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، في خطوة وصفتها بوغوتا بأنها محطة جديدة في مسار استعادة العلاقات الثنائية.
وبحسب البلاغ الرسمي، تستهدف المرحلة الجديدة توسيع التعاون في مجالات الأمن والدفاع والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا والابتكار.
وأوضحت الخارجية الكولومبية أن البلدين أعادا علاقاتهما الدبلوماسية رسمياً خلال غشت 2026، بعدما كانت الإدارة السابقة قد قطعتها سنة 2024 على خلفية الحرب في غزة.
ويمثل افتتاح السفارة تطوراً يتجاوز الإعلان السياسي عن استئناف العلاقات، لأنه يتعلق باختيار مقر التمثيل الدبلوماسي داخل مدينة تخضع لوضع قانوني دولي خاص.
وتؤكد قرارات مجلس الأمن التي استند إليها بيان الدول التسع عشرة رفض الإجراءات التي تستهدف تغيير وضع القدس، بينما تتمسك دول عديدة بأن مستقبل المدينة ينبغي أن يُحسم في إطار تسوية سياسية تستند إلى القانون الدولي.
المصدر الرسمي | وزارة الخارجية الكولومبية – افتتاح السفارة في القدس، 14 أكتوبر 2026
قرار إسلامي في يناير.. إشادة بلجنة القدس ودعوة لمراجعة العلاقات
تظهر أهمية غياب المغرب عن بيان القدس بصورة أوضح عند العودة إلى قرار سابق اعتمده مجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، خلال دورته الاستثنائية الثانية والعشرين المنعقدة بمدينة جدة يوم 10 يناير 2026.
فالقرار رقم 2، المتعلق بالتطورات في الأراضي الفلسطينية، يتضمن في فقرته السادسة تأكيداً على دور لجنة القدس التي يرأسها الملك محمد السادس، وإشادة بجهود وكالة بيت مال القدس الشريف التابعة لها.
أما الفقرة السابعة فتدعو الدول الأعضاء إلى الالتزام بقرارات القمم والاجتماعات الإسلامية بشأن اتخاذ إجراءات تجاه الدول التي تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل أو تنقل سفاراتها إليها.
وتشمل الإجراءات المذكورة تقييد العلاقات مع الدول المعنية أو مراجعتها إلى حين امتثالها لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
كما تدعو الفقرة نفسها الدول الأعضاء إلى استعمال علاقاتها ونفوذها لإبلاغ الموقف الجماعي للمنظمة بشأن القدس.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التوضيح: قرار صادر عن منظمة يتولى المغرب رئاسة إحدى هيئاتها الأساسية المعنية بالقدس يدعو إلى مراجعة العلاقات مع الدول الناقلة لسفاراتها إلى المدينة، بينما لا يظهر اسم الرباط ضمن بيان إدانة انتقال السفارة الكولومبية.
ومع ذلك، فإن القرار الإسلامي لا يفرض بصورة تلقائية قطع العلاقات الدبلوماسية أو التجارية مع كل دولة تتخذ هذه الخطوة، كما أن عدم توقيع بيان مشترك لا يثبت، في حد ذاته، مخالفة المغرب للقرار.
فالنص يتضمن دعوة سياسية إلى اتخاذ إجراءات ومواقف، ويتطلب تقييم كيفية تفعيلها الرجوع إلى ممارسات الدول الأعضاء وقراراتها الرسمية.
الوثيقة الأصلية | منظمة التعاون الإسلامي – القرار رقم 2 بتاريخ 10 يناير 2026، الفقرتان 6 و7، ضمن أرشيف الأمم المتحدة
وتجدر الإشارة إلى أن الوثيقة منشورة في أرشيف الأمم المتحدة باعتبارها صادرة عن منظمة التعاون الإسلامي، ولا يمثل إتاحتها على الموقع الأممي اعتماداً مستقلاً من الأمم المتحدة لجميع مضامينها.
قبل شهرين.. كولومبيا تعلن الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء
تكتسب القضية بعداً مغربياً إضافياً بسبب تحول دبلوماسي أعلنته كولومبيا في 10 غشت 2026.
ففي بلاغ رسمي، أعلنت وزارة الخارجية الكولومبية تجميد علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان الذي تسميه «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، بعد مراجعة موقف الحكومة السابقة.
وأكد البلاغ أن كولومبيا تعترف بسيادة المغرب على كامل ترابه، بما في ذلك الصحراء الغربية، وفق الصياغة التي اعتمدتها الخارجية الكولومبية.
وأوضحت بوغوتا أن تجميد العلاقات يعني وقف الاتصالات السياسية والدبلوماسية وتبادل البعثات، وعدم تقديم الدعم للكيان المذكور داخل المحافل متعددة الأطراف.
وربطت الوزارة هذا التحول برغبتها في تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع المغرب، وتوسيع التعاون في التجارة والاستثمار والسياحة والأمن الغذائي والخدمات المينائية واللوجستية.
وهكذا، يفصل نحو شهرين بين إعلان كولومبيا موقفها الجديد من قضية الصحراء المغربية وافتتاح سفارتها في القدس، ثم صدور بيان الإدانة الذي غاب عنه المغرب.
غير أن الوثائق الرسمية الكولومبية لا تتحدث عن تفاهم مع الرباط بشأن نقل السفارة إلى القدس، ولا تقدم دليلاً على ارتباط الملفين.
كما أن البلاغ المغربي أو الكولومبي المتعلق بالصحراء لا يمكن استعماله بمفرده لتفسير قرار المغرب بشأن الانضمام إلى بيان دبلوماسي متعدد الأطراف.
وتظل العلاقة بين الحدثين، في غياب توضيح رسمي، سؤالاً صحفياً لا نتيجة مثبتة.
المصدر الرسمي | الخارجية الكولومبية – تجميد العلاقات مع «الجمهورية الصحراوية»، 10 غشت 2026
ليست المرة الأولى.. غياب سابق عن بيان يخص المسجد الأقصى
يعيد البيان الجديد إلى الواجهة سابقة دبلوماسية تناولها CrashSiyasi في مارس الماضي.
ففي 12 مارس 2026، نشر الموقع تقريراً عن غياب المغرب من قائمة ثماني دول عربية وإسلامية أصدرت بياناً مشتركاً يدين القيود الإسرائيلية المفروضة على وصول المصلين إلى المسجد الأقصى.
وضمت المجموعة آنذاك الأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية وقطر ومصر.
وكان البيان متعلقاً بإجراءات إسرائيلية تمس المسجد الأقصى والوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس.
أما بيان 16 أكتوبر فيختلف من حيث موضوعه وعدد الدول المشاركة، لأنه يستهدف قراراً اتخذته كولومبيا بشأن موقع سفارتها لدى إسرائيل.
لكن القاسم المشترك بين الواقعتين هو عدم ورود اسم المغرب في قائمتَي المشاركين، رغم موقعه المؤسساتي داخل لجنة القدس.
ولا تكفي واقعتان من هذا النوع لاستخلاص سياسة مغربية ثابتة بشأن جميع البيانات الجماعية، لأن معرفة أسباب المشاركة أو عدمها تتطلب الاطلاع على ظروف إعداد كل بيان وموقف الرباط منه.
اقرأ أيضاً | الأقصى خلف الأبواب المغلقة… والمغرب خارج بيان الإدانة: صدفة دبلوماسية أم رسالة صامتة؟
ماذا عن الموقف الرسمي المغربي من القدس؟
لا ينبغي الخلط بين عدم الانضمام إلى بيان محدد وبين تغيير الموقف الدبلوماسي الرسمي من القضية الفلسطينية.
فالمغرب يعلن دعمه لتسوية تقوم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود سنة 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، تعيش في سلام إلى جانب إسرائيل.
وجددت وزارة الخارجية المغربية هذا الموقف ضمن بلاغ رسمي صدر في يناير 2026، في سياق تحركات دبلوماسية مرتبطة بالوضع في الشرق الأوسط.
كما سبق للمغرب والأردن أن أكدا، في موقف رسمي مشترك خلال غشت 2026، رفضهما المساس بالوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس ومقدساتها، مع التشديد على التنسيق بين رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية.
وهذه مواقف معلنة ينبغي أخذها في الاعتبار عند قراءة غياب الرباط عن بيان 16 أكتوبر، لأنها تؤكد أن عدم المشاركة في وثيقة دبلوماسية جماعية لا يمثل تلقائياً إعلاناً بالتخلي عن موقف سابق.
المصدر الرسمي | وزارة الخارجية المغربية – بلاغ بشأن السلام في الشرق الأوسط والموقف من الدولة الفلسطينية
ويأتي النقاش أيضاً في سياق العلاقات المغربية الإسرائيلية التي استؤنفت رسمياً في دجنبر 2020، وما رافقها من جدل سياسي بشأن التطبيع وموقع القضية الفلسطينية في السياسة الخارجية للمملكة.
وكان CrashSiyasi قد تناول، يوم 14 أكتوبر 2026، تقريراً نشرته صحيفة «إسرائيل هيوم» ونسبت فيه إلى رئيسة الحكومة المغربية المعينة فاطمة الزهراء المنصوري موقفاً مؤيداً للتطبيع، دون أن تقدم الصحيفة تصريحاً مباشراً أو وثيقة تثبت هذا التوصيف.
وتظل تلك التغطية الإعلامية منفصلة عن بيان وزراء الخارجية التسعة عشر، ولا تقدم دليلاً على وجود صلة بين النقاش الحكومي المغربي والقرار الكولومبي أو موقف الرباط من البيان.
اقرأ أيضاً | هل تعرف تل أبيب ما لا يعرفه المغاربة؟ صحيفة إسرائيلية تجزم بدعم المنصوري للتطبيع دون كشف مصدر معلوماتها!
غياب المغرب عن بيان القدس.. ما الذي يحتاج إلى جواب رسمي؟
تضع الوثائق الأربع الأساسية الملف أمام أسئلة دبلوماسية محددة، تتعلق بطبيعة مشاركة المغرب في التحركات الجماعية بشأن القدس، وكيفية تعامله مع الدول التي تنقل سفاراتها إلى المدينة.
فالبيان التركي يثبت أن 19 دولة أدانت الخطوة الكولومبية دون مشاركة المغرب في قائمة الموقعين.
وقرار منظمة التعاون الإسلامي الصادر في يناير يؤكد وجود موقف جماعي سابق يدعو الدول الأعضاء إلى مراجعة العلاقات مع الدول التي تتخذ قرارات من هذا النوع، مع إشادته بدور لجنة القدس التي يرأسها الملك محمد السادس.
أما البلاغان الكولومبيان فيثبتان واقعتين مستقلتين: إعلان الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء في غشت، وافتتاح السفارة في القدس خلال أكتوبر.
لكن أياً من هذه الوثائق لا يحدد سبب غياب المغرب عن بيان الدول التسع عشرة.
ولذلك يتعلق السؤال الأول بما إذا كانت الرباط قد شاركت في المشاورات التي سبقت إعداد الوثيقة، أو تلقت دعوة للانضمام إليها.
أما السؤال الثاني فيتعلق بموقف المملكة من القرار الكولومبي نفسه، ومدى اعتزامها التعبير عنه بصورة منفصلة، خصوصاً في ضوء المقتضيات الواردة في قرار منظمة التعاون الإسلامي.
ويخص السؤال الثالث أثر التطورات الأخيرة على العلاقات المغربية الكولومبية، دون افتراض وجود مقايضة دبلوماسية بين ملفي القدس والصحراء.
ولا توجد في الوثائق التي جرى التحقق منها معطيات تسمح بإثبات أن الرباط طلبت استبعاد اسمها، أو رفضت إدانة الخطوة، أو نسقت مع بوغوتا بشأن توقيت افتتاح السفارة.
كما أن موقف كولومبيا من الصحراء لا يغير بذاته الوضع القانوني للقدس وفق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وبين رئاسة المغرب للجنة القدس، وقرار إسلامي يدعو إلى مراجعة العلاقات مع الدول الناقلة لسفاراتها، واعتراف كولومبيا بسيادة المملكة على الصحراء قبل شهرين، تبرز مفارقة دبلوماسية تستحق التوضيح.
وإلى حين صدور موقف رسمي، يظل غياب المغرب عن بيان القدس الصادر في 16 أكتوبر 2026 واقعة موثقة، أما دوافعه السياسية والدبلوماسية فتبقى غير محسومة، ولا يجوز تقديم أي تفسير محتمل لها باعتباره حقيقة ثابتة.


