بقلم: الباز عبدالإله
أعاد وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الاثنين 2 نونبر 2026، ملف تجريم الإثراء غير المشروع إلى واجهة النقاش البرلماني، بعدما أعلن اعتزام الحكومة تقديم مشروع قانون خلال بداية سنة 2027، متمسكاً بضرورة احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة، في وقت تكشف فيه وثائق رسمية أن هذا الورش التشريعي ظل معلقاً منذ عشر سنوات، بين مشروع أُحيل على البرلمان سنة 2016 وسُحب سنة 2021، ومقترحات قانونية تأجلت مناقشتها خلال يونيو الماضي.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، دافع وهبي عن ضرورة إخراج قوانين لمحاربة الفساد وتضارب المصالح وغسل الأموال، لكنه حذر من منح سلطات واسعة لجهات التحقيق والمتابعة دون ضمانات قانونية تحمي الأفراد من التجاوزات، معتبراً أن مكافحة الفساد لا ينبغي أن تتحول إلى شعارات سياسية أو مبرر للمساس بحقوق المتهمين.
وجاء هذا الموقف بعد أقل من أسبوع على تصريحات مماثلة أدلى بها الوزير أمام مجلس المستشارين، يوم 27 أكتوبر، تعهد خلالها بإعداد ترسانة تشريعية جديدة، فيما تبرز العودة إلى المادة 20 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد أن تجريم الإثراء غير المشروع ليس التزاماً إلزامياً على الدول، لكنه ليس محظوراً عليها لمجرد أن دساتيرها تضمن قرينة البراءة.
وتكشف المقارنة بين الاتفاقية الدولية والوثائق البرلمانية أن النقاش يتجاوز الخلاف بشأن مبدأ التجريم، ليشمل صياغته القانونية وأعباء الإثبات والجهات المكلفة بالمراقبة، إلى جانب أسباب عدم التوصل إلى تشريع نهائي رغم تعاقب المبادرات الحكومية والبرلمانية.
متابعة صحفية | لكم، تصريحات وهبي أمام مجلس النواب بشأن الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، 2 نونبر 2026
تجريم الإثراء غير المشروع.. ماذا تقول المادة 20 من اتفاقية ميريدا؟
تحدد المادة 20 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، المعتمدة في نيويورك يوم 31 أكتوبر 2003، الإطار الدولي المتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع، مع ترك مجال للدول لمراعاة دساتيرها والمبادئ الأساسية لأنظمتها القانونية.
وتنص المادة على أن تنظر كل دولة طرف، رهناً بدستورها والمبادئ الأساسية لنظامها القانوني، في اعتماد تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم تعمد موظف عمومي إثراء غير مشروع، يتمثل في زيادة كبيرة في موجوداته لا يستطيع تعليلها بصورة معقولة قياساً إلى دخله المشروع.
وتختلف هذه الصياغة عن المواد التي تفرض على الدول الأطراف اتخاذ تدابير تشريعية إلزامية، إذ تستعمل المادة 20 عبارة تفيد النظر في إمكانية التجريم، بما يترك للدولة هامشاً لتقدير ملاءمته مع نظامها الدستوري.
لكن النص لا يتضمن استثناءً عاماً ينص على إعفاء جميع الدول التي تضمن دساتيرها قرينة البراءة من تجريم الإثراء غير المشروع، وإنما يقر بضرورة احترام المبادئ الدستورية عند تحديد شروط الجريمة وأركانها.
ويعني ذلك أن الاستناد إلى قرينة البراءة لإثارة تحفظات على صيغة معينة من التجريم يختلف قانونياً عن اعتبار الاتفاقية نفسها مانعاً شاملاً يحول دون إصدار أي تشريع في هذا المجال.
وتعود تسمية «اتفاقية ميريدا» إلى المدينة المكسيكية التي فُتح فيها باب التوقيع على الاتفاقية خلال الفترة الممتدة من 9 إلى 11 دجنبر 2003، بينما جرى اعتماد نصها في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 31 أكتوبر من السنة نفسها.
المصدر الرسمي | الأمم المتحدة، النص الأصلي لاتفاقية مكافحة الفساد، المادة 20 المتعلقة بالإثراء غير المشروع
المصدر الرسمي | مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، شرح الأحكام المتعلقة بالتجريم ومراعاة المبادئ الدستورية
قرينة البراءة.. هل تمنع التحقيق في الزيادة غير المبررة للثروة؟
يرتبط أحد أبرز الإشكالات القانونية لتجريم الإثراء غير المشروع بكيفية توزيع عبء الإثبات بين سلطة الاتهام والشخص الخاضع للبحث، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بزيادة في الممتلكات تفوق بصورة كبيرة المداخيل المشروعة المعروفة.
ويتناول تقرير متخصص أصدرته مبادرة استرداد الأموال المنهوبة «StAR»، المشتركة بين البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، سنة 2012، هذه الإشكالية من خلال دراسة التشريعات والممارسات القضائية في عدد من الدول.
ويوضح التقرير، المعنون «تجريم الإثراء غير المشروع لمكافحة الفساد»، أن جهات الاتهام مطالبة في النماذج القضائية التي درسها بإقامة الأدلة المتعلقة بصفة الموظف العمومي والزيادة الكبيرة في الممتلكات وعدم تناسبها مع المداخيل المشروعة، وفق الأركان المحددة في التشريع المعني.
وتختلف الأنظمة القانونية بعد ذلك بشأن الآثار المترتبة على تقديم هذه الأدلة، ومدى إمكانية قيام قرائن قابلة للدحض، وحدود ما يمكن مطالبة الشخص المعني بتقديمه من تفسيرات، مع استمرار ضرورة احترام حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة.
ولا يقدم التقرير نموذجاً واحداً صالحاً للتطبيق تلقائياً في جميع الدول، بل يبرز أن التوفيق بين فعالية التجريم وحماية الحقوق يتوقف على الصياغة التشريعية والاجتهاد القضائي والضمانات المؤسسية المعتمدة.
وتقدم كندا مثالاً على اختلاف المواقف الدستورية، إذ أعلنت لدى انضمامها إلى الاتفاقية أن تجريم الإثراء غير المشروع غير متوافق، بحسب تقييمها القانوني، مع دستورها وميثاق الحقوق والحريات والمبادئ الأساسية لنظامها القانوني.
غير أن هذا الإعلان يمثل موقفاً كندياً خاصاً، ولا يرقى إلى استثناء دولي عام يلزم بقية الدول باتباعه.
وفي المغرب، يضمن الفصل 23 من الدستور قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة، بينما ينص الفصل الأول على مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ويؤطر الفصل 36 مكافحة المخالفات المرتبطة بتنازع المصالح واستغلال النفوذ والامتيازات.
وتقتضي صياغة قانون للإثراء غير المشروع تحديد الأفعال المجرمة بصورة دقيقة، وشروط تحريك البحث، ووسائل إثبات الزيادة في الممتلكات ومصادر الدخل، مع ضمان حقوق الدفاع وعدم افتراض الإدانة لمجرد وجود اختلاف بين الثروة والمداخيل المصرح بها.
المصدر الرسمي | وزارة العدل، دستور المملكة المغربية، الفصلان الأول و23
المرجع الرسمي | الأمم المتحدة، وضعية اتفاقية مكافحة الفساد وإعلانات الدول الأطراف، بما فيها إعلان كندا بشأن المادة 20
مشروع منذ 2016.. لماذا سُحب قانون الإثراء غير المشروع سنة 2021؟
تعود البداية الموثقة للمسار التشريعي السابق إلى 24 يونيو 2016، عندما أحالت الحكومة مشروع القانون رقم 10.16 المتعلق بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي على مجلس النواب.
وشمل المشروع مقتضيات لتجريم الإثراء غير المشروع ضمن مراجعة أوسع للقانون الجنائي، قبل إحالته على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بتاريخ 27 يونيو 2016.
واستمر النقاش حول المشروع سنوات، وسط خلافات بشأن نطاق الأشخاص المشمولين بالتجريم وطبيعة العقوبات وآليات مراقبة الممتلكات والجهات المختصة بتحريك الإجراءات القضائية.
وتؤكد الصفحة الرسمية الخاصة بمساره التشريعي أن الحكومة سحبته بواسطة رسالة من رئيسها مؤرخة في 28 أكتوبر 2021، بعد أكثر من خمس سنوات على إحالته الأولى.
ولا يعني سحب المشروع إلغاء تجريم كان نافذاً، لأن المقتضيات المتعلقة بالإثراء غير المشروع لم تكن قد استكملت المسطرة التشريعية اللازمة لدخولها حيز التنفيذ.
كما أن مشروع القانون رقم 10.16 لم يكن مخصصاً حصرياً للإثراء غير المشروع، بل كان جزءاً من مراجعة شاملة لمجموعة القانون الجنائي، وهو ما يستوجب التمييز بين سحب المشروع بأكمله والتراجع عن مقتضى محدد داخله.
وبررت الحكومة السابقة قرار السحب بالحاجة إلى إعداد مراجعة أكثر شمولاً للنص الجنائي، مع التأكيد آنذاك على استمرار الالتزام بمحاربة الفساد.
غير أن العودة إلى السجل البرلماني في نونبر 2026 تظهر أن المسار الذي بدأ سنة 2016 لم يفض بعد إلى اعتماد تشريع مستقل يحسم تجريم الإثراء غير المشروع، رغم استمرار المبادرات والمطالب البرلمانية.
المصدر الرسمي | مجلس النواب، المسار التشريعي لمشروع القانون رقم 10.16، تاريخ الإحالة 24 يونيو 2016 والسحب برسالة 28 أكتوبر 2021
وكان MarocActu24 قد تناول، يوم 27 أكتوبر 2026، انتقال وهبي من انتقاد بعض الصيغ القانونية السابقة إلى إعلان الاستعداد لتقديم نصوص جديدة، مع توضيح أن الاعتراض على صيغة معينة لا يعني بالضرورة رفض مبدأ التجريم.
اقرأ أيضاً | وهبي بين «النفاق السياسي» ووعد «ستقولون لي شكراً».. أي قانون لمحاربة الفساد تعد به الحكومة؟
يونيو 2026.. مقترحان لتجريم الإثراء غير المشروع أُجّلت مناقشتهما بحضور وهبي
تكشف مذكرة رسمية نشرها مجلس النواب يوم 25 يونيو 2026 أن لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات عقدت اجتماعاً يوم 23 يونيو، بحضور وزير العدل عبد اللطيف وهبي، كان مقرراً أن يشمل متابعة دراسة مقترحين قانونيين يتعلقان بالإثراء غير المشروع.
وتقدم بالمقترح الأول الفريق الاشتراكي، المعارضة الاتحادية، بينما تقدمت بالمقترح الثاني المجموعة النيابية للعدالة والتنمية.
لكن المذكرة سجلت أن أعضاء اللجنة قرروا تأجيل دراسة المقترحين إلى موعد لاحق، بناء على طلب بعض أعضاء اللجنة، بعدما استغرق الاجتماع ثلاثين دقيقة.
ولا تنسب الوثيقة قرار التأجيل إلى وهبي، كما لا تقدم أسباباً تفصيلية لطلبه، لكنها تثبت أن الملف كان مدرجاً في جدول أعمال لجنة برلمانية قبل أشهر من إعلان الوزير عزمه تقديم مشروع حكومي جديد.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة عند تقييم المسار التشريعي، لأن المقترحات البرلمانية لا تتطلب بالضرورة انتظار مبادرة حكومية جديدة حتى تبدأ مناقشتها، وإن كانت إجراءات دراستها والمصادقة عليها تخضع للنظام الداخلي للمجلس والمساطر الدستورية.
وتثير الوثيقة مسألة التنسيق بين المبادرات البرلمانية والمشاريع الحكومية المرتقبة، ومدى إمكانية الاستفادة من النصوص القائمة لتقليص المدة اللازمة لإعداد تشريع يستجيب للضمانات المطلوبة.
المصدر الرسمي | مجلس النواب، مذكرة اجتماع لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات المنعقد يوم 23 يونيو 2026، المنشورة بتاريخ 25 يونيو
أربعة مقترحات في 23 أكتوبر.. المعارضة تعيد الملف إلى البرلمان
شهد النقاش تطوراً جديداً يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، عندما أعلن فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب إيداع أربعة مقترحات قوانين لدى مكتب المجلس، تروم تعزيز المنظومة التشريعية لمكافحة الفساد.
وتتعلق المقترحات بالوقاية من تنازع المصالح ومحاربته وتجريم تسريب المعلومات المتميزة للحصول على امتيازات، وتجريم الإثراء غير المشروع، وحماية الموظفين العموميين المبلغين عن أفعال الفساد، إلى جانب توحيد وتحيين التشريع المتعلق بالتصريح الإجباري بالممتلكات.
وأوضح بلاغ الفريق، الموقع من رئيسه إدريس الأزمي الإدريسي، أن المقترحات أُودعت استناداً إلى المادة 177 من النظام الداخلي لمجلس النواب، بهدف إحالتها على اللجنة المختصة وإخضاعها لمسطرة التشريع.
ولا يعني إعلان الإيداع مصادقة البرلمان على هذه النصوص أو اعتماد الحكومة لمضامينها، لكنه يثبت وجود مبادرات تشريعية محددة تتناول المحاور نفسها التي أعلن وهبي استعداد الحكومة لتنظيمها.
وبذلك أصبح البرلمان أمام مقترحات تتعلق بالإثراء غير المشروع والتصريح بالممتلكات وتنازع المصالح، في انتظار تحديد موقف الحكومة والأغلبية والمعارضة من مضامينها وصيغها القانونية.
المصدر الأصلي | فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، البلاغ الكامل بشأن إيداع أربعة مقترحات قوانين، 23 أكتوبر 2026
وهبي يعد بقانون في 2027.. ومدونة مستقلة لمحاربة الفساد ضمن الخيارات
جدد وزير العدل خلال جلسة 2 نونبر التزام الحكومة بإعداد مشروع قانون لتجريم الإثراء غير المشروع، مع توقع تقديمه إلى البرلمان في بداية سنة 2027، إلى جانب نصوص تتعلق بتضارب المصالح وغسل الأموال.
وتناول الوزير خياراً تشريعياً آخر يتمثل في إحداث مدونة مستقلة لمحاربة الفساد، تجمع الجرائم المرتبطة بالإثراء غير المشروع وتضارب المصالح وتبييض الأموال، مع وضع مقتضيات إجرائية تتناسب مع طبيعتها.
ولم يقدم وهبي نصاً تشريعياً نهائياً يحدد ما إذا كانت الحكومة ستعتمد هذا الخيار أو ستختار إدراج مقتضيات التجريم ضمن القانون الجنائي، كما لم يعلن تفاصيل العقوبات أو قواعد الإثبات المرتقبة.
وشدد على أن الإشكال لا يتعلق برفض محاربة الفساد، وإنما بضمان ألا تتحول سلطات البحث والمتابعة إلى أدوات يمكن إساءة استعمالها، محذراً من ربط سلامة النظام القانوني بنزاهة المسؤول الذي يمارس السلطة في مرحلة معينة دون ضمانات مؤسسية مستمرة.
وتعكس هذه التصريحات موقفاً حكومياً يؤيد إقرار تشريعات لمكافحة الفساد مع اشتراط تدقيق ضماناتها، وهو ما يختلف عن الاعتراض المبدئي على كل شكل من أشكال تجريم الإثراء غير المشروع.
غير أن الموعد الذي أعلن عنه الوزير يظل توقعاً لتقديم مشروع القانون خلال بداية 2027، وليس تاريخاً مؤكداً للمصادقة البرلمانية أو لنشر النص بالجريدة الرسمية ودخوله حيز التنفيذ.
متابعة صحفية | مدار21، تصريحات وهبي بشأن قرينة البراءة وإمكانية إحداث مدونة مستقلة لمحاربة الفساد، 2 نونبر 2026
من يحاسب الزيادة غير المبررة في الثروة؟ حدود نظام التصريح بالممتلكات
يرتبط مشروع تجريم الإثراء غير المشروع بمنظومة قائمة بالفعل للتصريح الإجباري بالممتلكات، تخضع لها فئات من الموظفين والمسؤولين والمنتخبين والأشخاص المحددين في القوانين المنظمة.
وكان تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025 قد سجل بلوغ عدد الملزمين بالتصريح بالممتلكات 154,931 شخصاً إلى غاية 31 أكتوبر 2025، وهو عدد يشمل فئات مختلفة ولا يقتصر على أعضاء الحكومة أو كبار المسؤولين.
لكن إيداع التصريح بالممتلكات لا يعادل تلقائياً إثبات مشروعية جميع مصادر الثروة، كما أن نظام التصريح يختلف عن الجريمة المستقلة التي قد يقرر المشرع إحداثها لمعالجة الزيادة الكبيرة وغير المبررة في الموجودات.
وتظهر هنا أهمية التمييز بين واجب الإدلاء بالمعلومات المالية، والرقابة على صحتها، والبحث في شبهات الجرائم، وإقامة الأدلة اللازمة للمساءلة الجنائية.
فوجود ثروة كبيرة لا يمثل في حد ذاته دليلاً على ارتكاب جريمة، بينما يمكن أن تكتسب الفوارق غير المبررة بين الموجودات والمداخيل أهمية قانونية عندما تتوافر الشروط التي يحددها التشريع وتثبتها الجهات المختصة.
وكان MarocActu24 قد تناول هذه الإشكالية في تقرير سابق عن التصريح بممتلكات المسؤولين، استناداً إلى الوثائق القانونية وتقرير المجلس الأعلى للحسابات، مع إبراز القيود المفروضة على إتاحة بعض التصريحات المالية للعموم.
اقرأ أيضاً | «من أين لك هذا؟».. 154 ألف ملزم بالتصريح وثروات الوزراء محجوبة عن العموم!
ما الذي يحتاجه قانون الإثراء غير المشروع حتى يجمع بين المحاسبة والضمانات؟
تظهر الوثائق الدولية والمغربية أن فعالية أي تشريع مرتقب ستتوقف على الصياغة القانونية التي تحدد شروط التجريم، والأشخاص المعنيين، والفترة الزمنية الخاضعة للفحص، ووسائل تقييم الممتلكات ومقارنتها بالدخل المشروع.
ويتطلب الأمر أيضاً تحديد الصلاحيات الممنوحة لجهات البحث والتحقيق، وضمان التناسب بين الإجراءات وطبيعة الأفعال، وحماية حق الدفاع وعدم تحويل صمت الشخص أو امتناعه عن تقديم تفسير إلى دليل إدانة تلقائي خارج القواعد القانونية.
كما يطرح تجريم الإثراء غير المشروع مسألة العلاقة بين النص المرتقب والآليات القائمة لمكافحة الرشوة والاختلاس وغسل الأموال، بما يمنع الخلط بين جرائم مختلفة في أركانها وشروط إثباتها.
ولا تحسم اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد هذا النقاش نيابة عن المشرع المغربي، لأنها تترك للدول مجالاً لتقدير مدى ملاءمة التجريم مع مبادئها الدستورية، دون فرض نموذج قانوني واحد.
وتوفر الوثائق البرلمانية أساساً لتقييم المسار الذي قطعه الملف، انطلاقاً من إحالة مشروع سنة 2016 وسحبه سنة 2021، مروراً بتأجيل مقترحين خلال يونيو 2026، وصولاً إلى المبادرات الأربع المودعة في أكتوبر والوعد الحكومي الجديد بتقديم نص خلال 2027.
أما أسباب عدم التوصل إلى صيغة نهائية طوال هذه المراحل، فلا تكشفها الوثائق وحدها بصورة كاملة، خصوصاً ما يتعلق بنتائج المراجعات القانونية والاختلافات بشأن أركان الجريمة وعبء الإثبات.
وسيتيح نشر المشروع الحكومي المرتقب معرفة ما إذا كانت وزارة العدل قد توصلت إلى صيغة تعالج التحفظات التي أثارها وهبي، وما إذا كانت ستستفيد من المقترحات البرلمانية القائمة أو ستعتمد تصوراً مختلفاً.
وبعد عشر سنوات من بداية المسار التشريعي، يبقى التطور المنتظر هو الانتقال من النقاش حول المبادئ والضمانات إلى نص محدد يمكن للبرلمان مناقشة مواده وتقييم مدى توافقها مع قرينة البراءة وربط المسؤولية بالمحاسبة، قبل اتخاذ القرار التشريعي بشأنها.


