بقلم: قويدر عبد الرحيم
كشف فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، أن نحو 8.2 ملايين شخص بالمغرب لا يتوفرون على حقوق مفتوحة للاستفادة من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، بينهم 4.1 ملايين مسجلون بالفعل في أنظمة التغطية الصحية لكن حقوقهم متوقفة، في مفارقة تبرز الفارق بين تعميم التسجيل الإداري وضمان الاستفادة الفعلية من التأمين الصحي.
وجاءت هذه المعطيات خلال جواب الحكومة على مداخلات الفرق والمجموعة النيابية بشأن مشروع قانون المالية لسنة 2027، الجمعة 30 أكتوبر 2026، أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، حيث أوضح لقجع أن عدد المسجلين في مختلف أنظمة التأمين الصحي بلغ 32.7 مليون شخص، أي نحو 89 في المائة من السكان، بينما لا يتجاوز عدد الأشخاص الذين يتوفرون فعلياً على حقوق مفتوحة 28.6 مليون شخص، بنسبة تقارب 78 في المائة.
وأقر الوزير بوجود صعوبات تعترض الاستفادة من التأمين الصحي، خصوصاً ما يرتبط بعدم انتظام أداء الاشتراكات والوضعيات المهنية والاجتماعية لبعض المنخرطين، مؤكداً ضرورة التمييز بين الأشخاص القادرين على المساهمة مالياً والذين يتعذر عليهم ذلك، قبل اتخاذ الإجراءات المناسبة لإعادة إدماجهم في المنظومة.
المصدر البرلماني الأصلي | مجلس النواب – التسجيل الكامل لجواب الحكومة أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، 30 أكتوبر 2026
التغطية الصحية بالمغرب.. 8.2 ملايين شخص دون حقوق مفتوحة
تظهر الأرقام الحكومية وجود فئتين مختلفتين ضمن الأشخاص الذين لا يتوفرون على حقوق تأمين صحي مفتوحة، تضم الأولى نحو 4.1 ملايين شخص سبق تسجيلهم في أنظمة التأمين الإجباري عن المرض، لكنهم فقدوا الاستفادة الفعلية بسبب عدم تسوية الاشتراكات أو اضطراب وضعياتهم المرتبطة بالنظام.
وتشمل الفئة الثانية حوالي 4.1 ملايين شخص لم يجر تسجيلهم أصلاً في أنظمة التأمين الصحي، ما يرفع مجموع الأشخاص غير المشمولين بحقوق مفتوحة إلى نحو 8.2 ملايين شخص، وفق الأرقام التقريبية التي عرضها لقجع.
ويعني ذلك أن تسجيل 32.7 مليون شخص لا يساوي تمتع جميعهم بالتغطية الفعلية، لأن الحق في التعويض عن النفقات الطبية أو الاستفادة من خدمات التأمين يرتبط باستيفاء شروط فتح الحقوق واستمرار سريانها.
ولا تعني هذه الأرقام أن الأشخاص المعنيين محرومون من جميع أشكال العلاج أو الخدمات الصحية، وإنما تعكس وضعيتهم داخل أنظمة التأمين التي تناولتها المداخلة الحكومية، ولا تقيس بصورة مباشرة عدد من تلقوا العلاج أو امتنعوا عنه بسبب تكلفته.
تغطية صحفية مستقلة | هسبريس الفرنسية – لقجع يكشف وضعية 8.2 ملايين شخص دون حقوق مفتوحة، 31 أكتوبر 2026
4.1 ملايين مسجلون لا يستفيدون.. العمال غير الأجراء في مقدمة المتضررين
قدم لقجع تفصيلاً للفئة المسجلة دون حقوق مفتوحة، موضحاً أنها تضم نحو 2.8 مليون شخص من العمال غير الأجراء، وحوالي 1.2 مليون من الأجراء، وهي أعداد تقريبية لا تستنفد بالضرورة كامل الرقم الإجمالي البالغ 4.1 ملايين.
وتكتسب وضعية العمال غير الأجراء أهمية خاصة، لأن انتظام استفادتهم من التأمين يرتبط بأداء المساهمات المفروضة عليهم، في حين قد تتأثر قدرتهم على الاستمرار في الأداء بعدم انتظام المداخيل أو تراكم الاشتراكات المستحقة.
أما الأجراء، فقد تتأثر استمرارية حقوقهم بعوامل ترتبط بالتصريح المهني وأداء المساهمات وتغير الوضعية داخل سوق الشغل، وهي حالات تستدعي فحص الملفات الفردية قبل تحديد أسباب توقف التغطية.
وتساءل الوزير عما إذا كانت حالات عدم الأداء تعود إلى ضعف القدرة المالية، أم إلى أسباب أخرى مرتبطة بسلوك الانخراط وأداء الاشتراكات، مشدداً على ضرورة مراجعة قواعد المعطيات وتدقيق وضعيات المعنيين.
وأكد أن المطلوب هو تمكين الأشخاص القادرين على المساهمة من تسوية اشتراكاتهم، مع إيجاد صيغة للتكفل بالأشخاص الذين لا تسمح لهم أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية بالأداء، مستحضراً المقاربة التضامنية التي اعتمدها المغرب سابقاً في إطار نظام المساعدة الطبية «راميد».
ورفض لقجع اعتبار الأرقام دليلاً على إقصاء متعمد لهذه الفئات، معترفاً في المقابل بوجود اختلالات عملية يتعين تصحيحها من أجل توسيع الاستفادة الفعلية من التأمين.
تغطية صحفية | Le Desk – تفاصيل جواب لقجع بشأن مشروع مالية 2027، 30 أكتوبر 2026
البنك الدولي حذر من الفجوة قبل تصريحات لقجع
سبق للبنك الدولي أن حذر من استمرار الفارق بين التسجيل في التأمين الصحي والقدرة الفعلية على الاستفادة منه، ضمن وثيقة تمويل برنامج «تعزيز الرأسمال البشري من أجل مغرب قادر على الصمود»، المؤرخة في 20 فبراير 2025.
وأظهرت الوثيقة أن التغطية الإدارية بلغت نحو 88 في المائة، مقابل تغطية فعلية قدرت بحوالي 75 في المائة وفق المعطيات المرجعية التي اعتمدها البنك، مع تسجيل صعوبات بارزة لدى العمال غير الأجراء.
وحدد البنك الدولي ثلاثة عوامل تؤثر في فعالية التأمين الخاص بهذه الفئة، تتعلق بعدم اكتمال التسجيل لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وضعف القدرة أو الاستعداد لأداء الاشتراكات بانتظام، وعدم التصريح بجميع أفراد الأسرة المشمولين بالحقوق.
وأفادت الوثيقة بأن نحو 30 في المائة فقط من المسجلين في نظام التأمين الخاص بالعمال غير الأجراء كانوا يؤدون اشتراكاتهم بصورة فعلية، معتبرة أن ضعف المساهمات يمثل إحدى نقاط الضعف الأساسية في إصلاح التأمين الصحي.
كما حذرت من أثر تراكم الديون المرتبطة بالاشتراكات غير المؤداة، لأن اشتراط تسوية المتأخرات قد يجعل استعادة التغطية أكثر صعوبة بالنسبة إلى بعض الأشخاص محدودي الدخل.
المصدر الرسمي الأصلي | البنك الدولي – وثيقة تمويل تعزيز الرأسمال البشري بالمغرب، 20 فبراير 2025، الصفحة 12 والصفحة 42
وسبق أن تناول MarocActu24 هذه الفجوة في مقال نشر يوم 12 شتنبر 2026، استناداً إلى معطيات البنك الدولي، موضحاً أن توسيع التسجيل لا يعني بالضرورة استمرار حقوق التعويض عن العلاج.
اقرأ أيضاً | 88% مسجلون و75% فقط مغطون فعلياً.. البنك الدولي يصف غير الأجراء بـ«كعب أخيل» إصلاح AMO
وتقدم تصريحات لقجع معطيات حكومية أحدث من الأرقام التي اعتمدها البنك الدولي في بداية 2025، لكنها لا تسمح وحدها باحتساب تطور دقيق للتغطية بين الفترتين، بسبب اختلاف التواريخ المرجعية والتقديرات السكانية وبعض التفاصيل المنهجية.
المصحات الخاصة تقترب من 90% من رقم معاملات التغطية الصحية
فتح لقجع ملفاً آخر يتعلق بتوزيع الموارد المالية الناتجة عن التأمين الصحي بين القطاعين العام والخاص، معبراً عن رفضه استمرار استحواذ المصحات الخاصة على نحو 90 في المائة من رقم المعاملات المرتبط بالتغطية الصحية، وفق التقدير الذي عرضه أمام النواب.
وأوضح أن حصة المؤسسات الاستشفائية العمومية تقل عن 10 في المائة، معتبراً أن هذه النسبة ينبغي أن ترتفع إلى 50 في المائة على الأقل، حتى تتمكن المستشفيات العمومية من الاستفادة بصورة أكبر من الموارد المالية الناتجة عن خدمات العلاج المقدمة للمؤمن لهم.
ويتعلق هذا المؤشر بحصة المؤسسات من التدفقات المالية المرتبطة بالتغطية الصحية، ولا يعني أن المصحات الخاصة تقدم 90 في المائة من جميع الخدمات الصحية بالمغرب، أو أنها تستقبل النسبة نفسها من المرضى، كما لا يمثل بالضرورة نسبة إنفاق الدولة الإجمالي على الصحة.
ولم يتضمن العرض الإعلامي المتاح لهذه التصريحات جدولاً محاسبياً مفصلاً يحدد قيمة المبالغ التي يشملها رقم 90 في المائة، أو توزيعها بحسب أنظمة التأمين والخدمات الطبية، ولذلك يبقى الرقم منسوباً إلى التقدير الذي قدمه الوزير.
تغطية منسوبة إلى وكالة المغرب العربي للأنباء | SNRT News – تصريحات لقجع بشأن توزيع موارد التغطية الصحية، 30 أكتوبر 2026
المستشفيات العمومية والمجموعات الصحية الترابية.. ما الذي تقترحه الحكومة؟
ربط لقجع رفع حصة المستشفيات العمومية من معاملات التأمين الصحي بتحسين جودة الخدمات وقدرة المؤسسات العمومية على استقبال المرضى وتوفير العلاجات التي يحتاجون إليها.
وأشار إلى دور المجموعات الصحية الترابية في إتاحة مجال أوسع لعمل الأطباء والمهنيين، بما يسمح بتحسين تنظيم الخدمات الصحية داخل المجال الترابي وتعزيز التنسيق بين المؤسسات.
كما تحدث عن نظام الوظيفة الصحية باعتباره إطاراً لتحفيز العاملين داخل المؤسسات العمومية، من خلال تمكين الأطباء والمهنيين من الاستفادة من جزء من المداخيل المرتبطة بالخدمات الصحية التي تقدمها المستشفيات.
غير أن رفع الحصة المالية للقطاع العمومي لا يتحقق بمجرد توسيع عدد المؤمن لهم، بل يرتبط أيضاً بحجم الخدمات التي تستطيع المستشفيات توفيرها، وطبيعة العلاجات المؤداة وتوفر الموارد البشرية والتجهيزات اللازمة لها.
وتتضح أهمية هذا الجانب عند النظر إلى دراسة علمية نشرت يوم 11 أكتوبر 2026، وصنفت ست جهات مغربية ضمن المناطق ضعيفة الموارد الصحية وفق مؤشرات تتعلق بتوزيع المؤسسات والأطباء والتجهيزات، اعتماداً على معطيات مرجعية تعود إلى سنة 2023.
وأظهرت الدراسة تفاوتات بين الجهات والأقاليم في توزيع العرض الطبي، بما يبرز اختلاف مسألة الحصول على حقوق التأمين عن مسألة توفر العلاج فعلياً بالقرب من مكان إقامة المواطن.
اقرأ أيضاً | 6 جهات مغربية في خانة الخصاص الصحي.. دراسة تكشف مفارقة التأمين والعلاج
ماذا أعلنت الحكومة بشأن تسوية وضعية 8.2 ملايين شخص؟
تضمنت مداخلة لقجع توجهاً نحو مراجعة المعطيات المتعلقة بالأشخاص الذين توقفت حقوقهم أو لم يسجلوا في التأمين، والتمييز بين الفئات القادرة على أداء الاشتراكات وتلك التي تحتاج إلى التكفل التضامني.
لكن التصريحات التي جرى التحقق منها لا تتضمن قراراً عاماً بإعادة فتح حقوق 4.1 ملايين مسجل بصورة تلقائية، ولا جدولاً زمنياً محدداً لتسجيل 4.1 ملايين شخص الموجودين خارج الأنظمة، أو آلية منشورة تحدد كيفية معالجة جميع الحالات.
ويتطلب الانتقال من التوجه المعلن إلى التنفيذ تحديد شروط تسوية المتأخرات، والجهات المكلفة بدراسة القدرة المالية للمعنيين، والإجراءات اللازمة لاستعادة الحقوق، إلى جانب نشر معطيات تسمح بتتبع عدد الملفات التي تمت تسويتها.
وتظهر الحصيلة التي قدمها لقجع يوم 30 أكتوبر أن المغرب حقق توسعاً كبيراً في تسجيل السكان داخل أنظمة التأمين الصحي، لكن عدد أصحاب الحقوق المفتوحة ما زال أقل بنحو 4.1 ملايين شخص من مجموع المسجلين، بينما تبقى فئة مماثلة تقريباً خارج التسجيل.
ويضع هذا التفاوت أمام الحكومة مهمتين قابلتين للقياس، تتمثلان في إعادة فتح الحقوق للمسجلين الذين تسمح وضعياتهم القانونية والمالية بذلك، وإدماج غير المسجلين في الأنظمة المناسبة، بالتوازي مع تحسين قدرة المستشفيات العمومية على تقديم الخدمات التي يفترض أن يمولها التأمين الصحي.
