بقلم: قويدر عبد الرحيم

حقق فريق بحثي مغربي من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس نتائج متقدمة في تطوير نموذج للذكاء الاصطناعي يحمل اسم «DH-TMReg»، تفوق على خوارزميات بحثية منافسة في المطابقة الدقيقة بين الصور الطبية ثلاثية الأبعاد، خصوصاً صور البروستاتا وأعضاء البطن، وفق دراسة علمية نشرتها مجلة «Discover Artificial Intelligence» التابعة لمجموعة Springer Nature، السبت 31 أكتوبر 2026.

أنجز الدراسة خمسة باحثين من قسم المعلوميات بكلية العلوم ظهر المهراز، هم هناء محمودي، وجواد تغنماس، وهبة رمضان، وجمال ريفي، وحميد الطايري، وركز عملهم على معالجة مشكلة تقنية تواجه أنظمة التصوير الطبي، تتعلق بصعوبة محاذاة الصور الملتقطة للعضو نفسه باستخدام تقنيات مختلفة، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي والسكانير والموجات فوق الصوتية.

وسجل النموذج المغربي معامل تطابق بلغ 0.9451 في اختبارات صور البطن الملتقطة بالرنين المغناطيسي والسكانير، مقابل 0.9350 لأقوى نموذج منافس ضمن المقارنة، كما حقق نتائج متقدمة في اختبارات صور البروستاتا، دون أن يعني ذلك إثبات قدرته على تشخيص الأمراض أو جاهزيته للاستعمال السريري.

المصدر العلمي الأصلي | Springer Nature – الدراسة الكاملة المنشورة في 31 أكتوبر 2026

نموذج DH-TMReg.. كيف يعمل الذكاء الاصطناعي على مطابقة الصور الطبية؟

تعتمد تقنيات التصوير الطبي على وسائل مختلفة لإظهار الأعضاء والأنسجة، إذ يقدم الرنين المغناطيسي تفاصيل معينة عن الأنسجة الرخوة، بينما يعتمد السكانير على الأشعة السينية لإنتاج صور مقطعية، وتستخدم الموجات فوق الصوتية خصائص مختلفة لتصوير البنيات الداخلية للجسم.

وتظهر الصعوبة عندما يحتاج الباحث أو الطبيب إلى مقارنة صورتين للعضو نفسه التُقطتا بتقنيتين مختلفتين، لأن الحدود التشريحية ومواضع الأنسجة قد لا تتطابق مباشرة، سواء بسبب اختلاف وسيلة التصوير أو حركة العضو أو تغير وضعيته بين الفحصين.

وتُعرف العملية المستخدمة لمعالجة هذه المشكلة باسم «تسجيل الصور الطبية» أو Medical Image Registration، وتعني حساب التحويلات المكانية اللازمة لمحاذاة البنيات التشريحية الظاهرة في صورتين، بما يسمح بمقارنتها ضمن نظام إحداثيات متقارب.

وصمم الباحثون نموذج DH-TMReg بالاعتماد على دمج بنيتين متقدمتين في التعلم العميق، هما «Swin Transformer» و«Mamba Vision»، مع آلية لتبادل المعلومات بينهما عبر مستويات متعددة من معالجة الصور، بهدف استخراج الخصائص التشريحية وتقدير التحويلات الهندسية المطلوبة لتحقيق المطابقة.

وتضم البنية أيضاً نظاماً يعرف باسم «Mixture of Experts»، يتكون من ثماني شبكات خبراء متخصصة، يختار منها النظام اثنتين لمعالجة الخصائص عند كل عملية توجيه، بدلاً من تشغيل الخبراء الثمانية جميعاً بالدرجة نفسها.

ولا ينتج النموذج تشخيصاً طبياً أو حكماً بشأن وجود ورم، وإنما يحسب مجالاً للإزاحة المكانية يسمح بتحريك أجزاء الصورة وإعادة محاذاتها مع صورة مرجعية، وهي وظيفة تقنية مختلفة عن اكتشاف الأمراض أو تصنيفها.

نتائج البروستاتا.. تفوق في التطابق وانخفاض المسافة بين الأسطح

اختبر الفريق النموذج على مجموعة بيانات تضم 108 أزواج من صور البروستاتا الملتقطة بالرنين المغناطيسي والموجات فوق الصوتية عبر المستقيم، تعود إلى 76 مريضاً، موزعة بين 65 زوجاً للتدريب وثمانية للتحقق و35 للاختبار النهائي.

واعتمد الباحثون تقسيم البيانات بطريقة تمنع انتقال صور المريض نفسه بين مجموعات التدريب والاختبار، بهدف قياس أداء النموذج على حالات لم يتدرب عليها مباشرة.

وسجل DH-TMReg معامل تطابق «Dice» بلغ 0.837، مقابل 0.8226 لنموذج «LGANet++»، الذي حقق أقوى نتيجة بين الخوارزميات المنافسة المشمولة بالمقارنة، فيما بلغ متوسط المسافة المتماثلة بين الأسطح التشريحية 3.386 مليمترات للنموذج المغربي مقابل 3.740 مليمترات للمنافس.

ويقيس معامل Dice مدى تداخل الأجزاء التشريحية بعد المطابقة، وتتراوح قيمته بين صفر وواحد، وكلما اقتربت النتيجة من الواحد دل ذلك على تطابق أكبر، بينما يقيس مؤشر ASSD متوسط المسافة بين الأسطح المتقابلة، وتكون القيمة الأقل أفضل.

وتعني نتيجة 0.837 تحقيق درجة مرتفعة نسبياً من التداخل التشريحي ضمن بيانات الاختبار، لكنها لا تعني أن النظام يشخص سرطان البروستاتا بدقة تبلغ 83.7 في المائة، لأن الدراسة لم تختبر أداءه في تشخيص الأورام أو تحديد طبيعتها.

صور البطن.. معامل تطابق 0.9451 وتفوق على النماذج المنافسة

سجل النموذج نتائج أقوى في اختبار ثانٍ شمل صوراً للبطن ملتقطة بالرنين المغناطيسي والسكانير، ضمن مجموعة بيانات «Learn2Reg AbdomenMRCT»، التي تتضمن صوراً لأعضاء من بينها الكبد والطحال والكليتان.

وبلغ معامل Dice للنموذج المغربي 0.9451، مقابل 0.9350 لنموذج LGANet++، فيما انخفض متوسط المسافة بين الأسطح التشريحية إلى 0.916 مليمتر، مقابل 1.062 مليمتر لدى المنافس نفسه.

وشملت بيانات هذا الاختبار ثمانية أزواج للتدريب وثلاثة للتحقق وثمانية للاختبار، إضافة إلى 40 صورة رنين مغناطيسي و49 صورة سكانير غير مقترنة، استُخدمت ضمن البيانات المتاحة لمرحلة إعداد النموذج وتدريبه.

وحقق DH-TMReg أيضاً أقل معدل للانطواءات الهندسية غير المرغوبة بين النماذج المقارنة في اختبار البطن، وفق مؤشر انتظام التشوهات المكانية، بخلاف النتائج المسجلة في اختبار البروستاتا.

وتكتسب هذه النقطة أهمية تقنية لأن تحسين التطابق بين الصور لا يكفي وحده، إذ ينبغي كذلك الحفاظ على انتظام التحويلات الهندسية، وتجنب تشوهات غير طبيعية قد تؤثر في سلامة المحاذاة التشريحية.

198 مليون معامل.. الدقة الأعلى لا تعني النموذج الأسرع

تناولت الدراسة الكلفة الحسابية للبنية الجديدة، التي تضم نحو 198.59 مليون معامل قابل للتعلم، وهو عدد أكبر من بعض النماذج المنافسة الأقل تعقيداً.

وسجل النظام زمناً للمعالجة بلغ 142.15 ميلي ثانية في بيئة الاختبار الحاسوبية، واستهلاكاً أقصى لذاكرة المعالج الرسومي بلغ نحو 1825.7 ميغابايت، مع كلفة حسابية قدرها 13.36 مليار عملية حسابية تقريباً وفق مؤشر GFLOPs.

واستخدم الباحثون محطة عمل مزودة ببطاقة رسوميات NVIDIA Quadro P6000 بسعة ذاكرة تبلغ 24 جيغابايت، واعتمدوا إطار PyTorch لتدريب النموذج واختباره.

ورغم الحجم الكبير للنظام، أظهرت المقارنة أن كلفته الحسابية المقاسة بمؤشر GFLOPs أقل من عدد من النماذج المنافسة، لكن ذلك لا يعني أنه الأسرع في جميع الظروف أو أنه قابل للتشغيل تلقائياً على التجهيزات الطبية الموجودة بالمستشفيات.

وتكشف هذه النتائج اختلافاً بين عدد المعاملات وسرعة التنفيذ والكلفة الحسابية، وهي مؤشرات لا تعبر بالضرورة عن الخاصية نفسها، ولا يكفي أحدها منفرداً للحكم على كفاءة النظام في الاستعمال الفعلي.

تفوق النموذج المغربي لا يشمل جميع المؤشرات

لم يحقق DH-TMReg أفضل النتائج في جميع الجوانب التقنية، فقد سجل في اختبارات البروستاتا مؤشراً للانطواءات الهندسية بلغ 0.100، مقابل 0.0222 لنموذج LGANet++ و0.0030 لنموذج MambaMorph.

وتشير هذه القيم إلى أن التحويلات المكانية التي ينتجها النموذج المغربي كانت أقل انتظاماً من بعض منافسيه في هذا الاختبار، رغم تفوقه عليهم في درجة التطابق والمسافة بين الأسطح التشريحية.

وأقر الباحثون بأن تحسين انتظام هذه التحويلات يمثل أحد مسارات التطوير المقبلة، حتى لا تتحقق زيادة دقة المطابقة على حساب الخصائص الهندسية التي ينبغي الحفاظ عليها.

وتضمنت الدراسة حدوداً أخرى، من بينها عدم اختبار النظام على مجموعات بيانات تشمل أعضاء وتقنيات تصوير إضافية، مثل التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني أو الرنين المغناطيسي للقلب، وعدم إجراء تقييمات نوعية مستقلة بواسطة مختصين طبيين.

كما حالت الموارد الحاسوبية المتاحة دون إجراء اختبارات شاملة لجميع الإعدادات التقنية الممكنة، فيما أظهرت تحليلات نظام الخبراء أن اختيار الشبكات المتخصصة يميل أثناء التشغيل إلى مجموعة محدودة منها، رغم وجود ثمانية خبراء داخل البنية.

من المختبر بفاس إلى التطبيقات الطبية.. ما الذي تثبته الدراسة؟

اعتمد البحث على بيانات تصوير طبي جُمعت سابقاً وأزيلت منها المعلومات التي تسمح بالتعرف على أصحابها، ولم يتضمن استقطاب مرضى جدد أو تجربة سريرية مستقلة.

وتوضح المجلة أن الدراسة استُقبلت يوم 18 يوليوز 2026، وقُبلت علمياً يوم 19 أكتوبر، قبل نشرها رسمياً يوم 31 أكتوبر ضمن المجلد السادس من مجلة Discover Artificial Intelligence، تحت الرقم 1727.

وتتمثل النتيجة الأساسية في إثبات قدرة البنية المقترحة على تحسين المحاذاة التشريحية في مجموعتي اختبار محددتين، مقارنة بخوارزميات أخرى خضعت لإجراءات تقييم مماثلة، دون أن يسمح ذلك بتعميم التفوق على جميع تقنيات التصوير أو جميع الحالات الطبية.

ويندرج هذا العمل ضمن أبحاث مغربية أخرى في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، بعدما شارك باحثون من كلية العلوم ظهر المهراز بفاس في دراسة سابقة حول قفازين ذكيين للتعرف على مجموعة محددة من إشارات لغة الإشارة المغربية، نشرها MarocActu24 في شتنبر الماضي.

اقرأ أيضاً | 98% دقة و8 آلاف حركة.. قفازان ذكيان يتعرفان على 20 كلمة من لغة الإشارة المغربية

وتظل المسافة بين تطوير نموذج بحثي وإدماجه في مؤسسة صحية مرتبطة بعوامل إضافية، تشمل التقييم السريري وسلامة البيانات والبنية التقنية وتكوين العاملين، وهو جانب سبق أن تناولته دراسة مغربية شملت 480 مهنياً صحياً في جهة مراكش آسفي، وأظهرت أن 80.2 في المائة من أفراد العينة لم يتلقوا تكويناً رسمياً سابقاً في الذكاء الاصطناعي.

اقرأ أيضاً | 80.2% بلا تكوين في الذكاء الاصطناعي.. دراسة بمراكش آسفي تختبر جاهزية الصحة العمومية

وتحدد الدراسة الجديدة لفريق فاس مرحلة بحثية قابلة للقياس، تتمثل في تحقيق نتائج أفضل في مطابقة الصور داخل الاختبارات المنشورة، بينما يظل الانتقال إلى الاستعمال الطبي مشروطاً بتقييمات أوسع تشمل بيانات متنوعة ومراجعة متخصصين واختبارات للتحقق من السلامة والاعتمادية في ظروف العمل السريري.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version