بقلم: قويدر عبدالرحيم

الخصاص الصحي بالمغرب لا يرتبط فقط بأعداد الأطباء والمستشفيات، بل بكيفية توزيعها بين الجهات والأقاليم.

هذا ما أعادته دراسة علمية حديثة إلى الواجهة، بعدما صنّفت ست جهات مغربية ضمن المناطق ضعيفة الموارد الصحية في القطاعين العام والخاص، كاشفة عن تفاوتات تطرح إشكالية أساسية: كيف يمكن للتأمين الصحي أن يضمن الاستفادة من العلاج عندما لا تتوفر الخدمات الطبية بالقرب من المؤمن لهم؟

الدراسة، المنشورة إلكترونياً يوم 11 أكتوبر 2026 في مجلة «La Tunisie Médicale»، حملت عنوان «التأمين الصحي والصحاري الطبية: حالة المغرب»، وأعدها أربعة باحثين من جامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، هم عبد العاطي زوين، وفاطمة التوهامي، وعبد اللطيف مستطرف، ونبيل تيلاوي.

المصدر العلمي الأصلي | La Tunisie Médicale

واعتمد الباحثون على معطيات وزارة الصحة الواردة في تقرير «الصحة في أرقام 2023»، مستخدمين تسعة مؤشرات تشمل أعداد المستشفيات العمومية والمصحات الخاصة، والطاقة الاستيعابية للأسرة، والأطباء العامين والمتخصصين في القطاعين، إضافة إلى الصيدليات المعنية بنظام الأداء من طرف ثالث.

وأظهر التحليل، الذي شمل الجهات الاثنتي عشرة، وجود ست جهات ضعيفة الموارد الصحية وفق التصنيف الإحصائي المعتمد، مع تفاوتات في طبيعة العرض الطبي بين القطاعين العام والخاص.

الخصاص الصحي بالمغرب.. أرقام تكشف تفاوت توزيع الأطباء والمرافق

سجلت الدراسة أعلى مستويات التفاوت في توزيع البنيات الصحية العمومية بين الأقاليم والعمالات، بعدما بلغ مؤشر «جيني» 0.73، مقابل 0.67 بالنسبة لأطباء القطاع الخاص، و0.63 لأطباء القطاع العام، و0.51 للمصحات الخاصة.

وتُستعمل هذه القيم لقياس درجة عدم المساواة في التوزيع، حيث يشير الاقتراب من الصفر إلى توزيع أكثر توازناً، بينما يعكس الاقتراب من الواحد ارتفاع التركز. وتكشف النتائج، وفق الباحثين، تفاوتات كبيرة في الانتشار الجغرافي للموارد الطبية، لكنها لا تعني أن 73 أو 67 في المائة من المواطنين محرومون من الخدمات الصحية.

ولا يتوقف الإشكال عند توزيع الموارد، إذ انتقلت الدراسة إلى تحليل العلاقة بين التأمين الصحي والعدالة المجالية، معتبرة أن توسيع التغطية المالية لا يكفي وحده لمعالجة صعوبات الولوج إلى العلاج في المناطق ضعيفة التجهيز.

وفي الجانب القانوني، خلص الباحثون إلى أن النصوص المؤطرة للتأمين الصحي، وفق قراءتهم، لا تتضمن آليات تصحيح ترابية صريحة تسمح بتكييف تدخلات التأمين مع تفاوت العرض الطبي بين المناطق، رغم أن القانون الإطار المتعلق بالمنظومة الصحية ينص على التخطيط الترابي للموارد والخدمات.

كما أثارت الدراسة مسألة التحفيزات الجبائية الموجهة للاستثمار الصحي الخاص، مشيرة إلى أن التدابير التي تناولها تحليل الباحثين بلغت 153 مليون درهم سنة 2024، أي نحو 0.5 في المائة من مجموع النفقات الجبائية، مع تسجيل غياب توجيه جغرافي واضح نحو المناطق الأقل تجهيزاً ضمن الإجراءات التي جرت مراجعتها.

وتتقاطع هذه النتائج مع إشكالية أخرى سبق أن تناولها MarocActu24، اعتماداً على وثائق البنك الدولي، تتعلق بالفارق بين التسجيل الإداري في التأمين الإجباري عن المرض والاستفادة الفعلية منه. فقد أظهرت معطيات تعود إلى بداية 2025 بلوغ التغطية الإدارية نحو 88 في المائة، مقابل حوالي 75 في المائة للتغطية الفعلية، وهو مؤشر مختلف عن توزيع الموارد الطبية، لكنه يبرز جانباً إضافياً من تحديات تعميم الحماية الصحية.

اقرأ أيضاً | 88% مسجلون و75% فقط مغطون فعلياً.. البنك الدولي يصف غير الأجراء بـ«كعب أخيل» إصلاح AMO

ولم تكتف الدراسة بتشخيص التفاوتات، بل ناقشت حلولاً محتملة، بينها اعتماد إجراءات تفضيلية لفائدة المؤمن لهم في المناطق ضعيفة الموارد، وتحفيز الأطباء على الاستقرار بها، وتطوير التطبيب عن بعد، ودراسة إمكانية تحمل التأمين الصحي لبعض تكاليف النقل الطبي.

غير أن الباحثين نبهوا إلى أن هذه الخيارات تواجه تحديات تتعلق بالتمويل والبنيات التكنولوجية والحكامة، وأن استعمال التأمين الصحي لتخفيف الفوارق لا يمكن أن يعوض الحاجة إلى تعزيز التجهيزات والموارد البشرية.

وتبرز أهمية هذا النقاش في ظل استمرار برامج إصلاح المنظومة الصحية، ومنها مشاريع تحسين البنيات الاستشفائية والخدمات الأساسية في الجهات التي تواجه تحديات مجالية.

وكان MarocActu24 قد تابع مؤشرات تنفيذ برنامج ممول من البنك الإفريقي للتنمية، يستهدف جوانب من الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية بجهات بني ملال-خنيفرة ودرعة-تافيلالت وكلميم-واد نون، مع تسجيل تفاوت في مستوى إنجاز مكوناته وفق بيانات البرنامج.

اقرأ أيضاً | 135 مليون وحدة حساب صُرفت.. ونظام معلومات المستشفيات لم يوضع بعد

وتبقى نتائج الدراسة مرتبطة بحدود منهجيتها؛ إذ اعتمدت على أعداد الموارد والمؤسسات المسجلة سنة 2023، دون قياس مباشر لجودة الخدمات أو المسافات التي يقطعها المرضى أو آجال انتظار العلاج.

كما أن مقارنة الأعداد الإجمالية بين المناطق لا تعادل بالضرورة قياس عدد الأطباء والأسرة بالنسبة إلى السكان وحاجياتهم الصحية.

لذلك لا يمكن اعتماد تصنيف الجهات الست باعتباره تقييماً محدثاً للوضع الصحي في أكتوبر 2026، أو دليلاً على عدم تحقق أي تقدم منذ سنة 2023.

ومع ذلك، تضع الدراسة الخصاص الصحي بالمغرب أمام اختبار يتجاوز توسيع قاعدة المؤمن لهم: فنجاح التغطية لا يُقاس فقط بعدد المستفيدين المسجلين، بل أيضاً بمدى قدرتهم على الوصول إلى طبيب ومؤسسة صحية تتوفر فيها الخدمات التي يحتاجون إليها، بصرف النظر عن مكان إقامتهم.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version