بقلم: الباز عبدالإله
أعلن معتقلون إسلاميون سابقون بجهة سوس ماسة تأسيس ائتلاف حقوقي جديد، في خطوة تستهدف تنظيم مطالبهم المتعلقة بالتعويض وجبر الضرر والإدماج الاجتماعي والمهني، ووضع حد لما يعتبرونه استمراراً للإقصاء والوصم بعد مغادرة المؤسسات السجنية، في ملف يعيد طرح سؤال الحقوق والأوضاع القانونية والاجتماعية للأشخاص الذين أنهوا عقوباتهم في قضايا مرتبطة بقانون مكافحة الإرهاب.
وجاء الإعلان في بيان تأسيسي صادر بأكادير، أمس السبت 10 أكتوبر 2026، باسم «ائتلاف الكرامة والإنصاف لضحايا الاعتقال على خلفية قانون الإرهاب»، تضمن، وفق المعطيات الواردة فيه، تسعة مطالب تتعلق بمعالجة آثار الاعتقال وإنصاف المعنيين وأسرهم، إلى جانب الدعوة إلى فتح حوار مؤسساتي بشأن الملفات التي يعتبرها المؤسسون عالقة.
ويبرز في هذه المبادرة اختيار إطار جهوي بسوس ماسة، بعدما ظل جانب من مطالب المعتقلين الإسلاميين السابقين يُطرح من خلال تنسيقيات وطنية، ما يفتح مساراً جديداً لتجميع الملفات الفردية والترافع بشأن الإشكالات التي يواجهها المعنيون داخل الجهة.
غير أن البيان لم يوضح ما إذا كان الائتلاف الجديد يعمل بالتنسيق مع الهيئات الوطنية القائمة، أو يشكل إطاراً مستقلاً عنها تنظيمياً، كما لم يحدد عدد المؤسسين والمنخرطين أو حجم الملفات التي يعتزم تقديمها.
معتقلون إسلاميون سابقون بسوس ماسة.. 9 مطالب بين التعويض والإدماج
وضع المؤسسون جبر الضرر ضمن أولويات الائتلاف، مطالبين بالاعتراف بما يقولون إنها أضرار مادية ومعنوية لحقت بهم خلال سنوات الاعتقال وبعد الإفراج، وفتح مسار مؤسساتي للنظر في طلبات التعويض وفق الأطر القانونية المعمول بها.
ويشمل هذا المطلب، بحسب البيان، معالجة الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي يعتبر أصحاب المبادرة أنها استمرت بعد انتهاء العقوبات، خصوصاً ما يتعلق بفقدان فرص الشغل وتعثر المسارات المهنية وصعوبات استعادة الاستقرار المعيشي.
ولا يعني استعمال الائتلاف وصف «ضحايا الاعتقال» أن جميع أعضائه ثبت تعرضهم لاعتقال غير قانوني أو أنهم حصلوا على أحكام قضائية تقر استحقاقهم للتعويض، إذ يظل تحديد الضرر والمسؤولية القانونية وأساس جبره مرتبطاً بدراسة كل حالة والوثائق الخاصة بها.
كما طالب الائتلاف بتسوية الوضعيات القانونية والإدارية التي يعتبرها بعض المعتقلين السابقين عائقاً أمام ممارسة حقوقهم والاستفادة من الفرص والخدمات المتاحة قانوناً.
ويمتد هذا المطلب إلى الإدماج المهني والتكوين وتحسين إمكانية الولوج إلى الخدمات الاجتماعية، بما يساعد المعنيين على إعادة بناء حياتهم بعد الإفراج.
وفي جانب آخر، أثار البيان قضية الوصم الاجتماعي المرتبط بماضي الاعتقال، معتبراً أن بعض الأشخاص يواصلون مواجهة أحكام مسبقة تؤثر في فرصهم المهنية وعلاقاتهم الاجتماعية.
ودعا المؤسسون إلى إنهاء أشكال الإقصاء والتمييز غير المشروع، والتعامل مع المعتقلين السابقين باعتبارهم مواطنين يتمتعون بالحقوق التي يضمنها القانون.
ولم تقتصر مطالب الائتلاف على المعنيين مباشرة، بل شملت أسرهم وأبناءهم، الذين يرى المؤسسون أنهم تحملوا بدورهم تبعات اجتماعية واقتصادية خلال فترات الاعتقال وبعدها.
وطالب البيان بالنظر في أوضاع هذه الأسر وإتاحة سبل الإنصاف والمواكبة الاجتماعية، مع اعتماد مقاربة تراعي طبيعة الضرر المسجل في كل ملف.
وتجمع هذه المطالب بين مسارين مختلفين: أولهما المطالبة بالتعويض عن أضرار محددة، وثانيهما تسهيل إعادة الإدماج الاجتماعي والمهني. ولا يستلزم المساران بالضرورة الإجراءات القانونية أو المؤسساتية نفسها.
ويعيد تأسيس الائتلاف الجهوي إلى الواجهة مطالب سبق أن طرحتها التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين.
ففي حوار خاص نشره MarocActu24 يوم 6 شتنبر 2026، أكد مصطفى كريمي، المنسق الوطني للتنسيقية، أن انتهاء العقوبة القضائية لا يعني بالضرورة انتهاء آثارها المهنية والاجتماعية والإدارية.
واعتبر كريمي أن معالجة الملف تقتضي الانتقال من المطالبة بالإفراج إلى الاهتمام بما وصفه بـ«حقوق ما بعد السجن»، من خلال جبر الضرر وتسوية الوضعيات وإحداث آلية مؤسساتية لدراسة الملفات الفردية.
كما شدد على أن مطالب التنسيقية لا تستهدف إلغاء المسؤولية القضائية أو محو الأحكام، وإنما معالجة الآثار التي يعتبر أصحابها أنها تستمر بعد انتهاء العقوبة.
ولا يثبت التقاطع بين هذه المطالب وبيان سوس ماسة وجود ارتباط تنظيمي بين الائتلاف الجديد والتنسيقية الوطنية، لكنه يوضح أن قضايا التعويض والإدماج أصبحت محوراً متكرراً في الترافع الحقوقي لقدماء المعتقلين.
اقرأ أيضاً | «لسنا متهمين إلى الأبد».. مصطفى كريمي يفتح ملف ما بعد السجن ويطالب بجبر الضرر والإدماج
من «مصالحة» إلى مطالب جبر الضرر.. أين تقف المقاربة المؤسساتية؟
تأتي هذه المطالب في وقت يعتمد فيه المغرب برنامج «مصالحة» لتأهيل النزلاء المدانين في قضايا مرتبطة بالإرهاب والتطرف، بمشاركة مؤسسات معنية بالتأهيل الديني والحقوقي والنفسي والاجتماعي والمهني.
وبحسب المعطيات الرسمية التي نشرها مركز مصالحة يوم 11 شتنبر 2026، شارك 456 نزيلاً في الدورات العشرين الأولى من البرنامج منذ انطلاقه سنة 2017، فيما التحق 24 نزيلاً آخر بالدورة الحادية والعشرين، ليصل مجموع المشاركين المعلن إلى 480 نزيلاً.
ويمثل هذا الرقم حصيلة للمشاركة في البرنامج، وليس مؤشراً على نجاح الإدماج المهني لجميع المعنيين أو حصولهم على تعويضات بعد الإفراج.
ويعرض المركز التأهيل وإعادة الإدماج ضمن أهداف البرنامج، بما يشمل تطوير القدرات الفردية والمهنية والمساهمة في تهيئة النزلاء للعودة إلى المجتمع.
وفي المقابل، يركز الائتلاف الجديد على الأضرار التي يقول أعضاؤه إنها ما تزال قائمة بعد الإفراج، وعلى ضرورة إيجاد حلول تتعلق بالتعويض والعمل والتسوية القانونية والإدارية.
ولا تسمح المعطيات المتاحة بتحديد عدد أعضاء الائتلاف الذين سبق أن استفادوا من برنامج «مصالحة»، أو معرفة مدى استفادتهم من برامج أخرى لإعادة الإدماج.
ومن ثم، لا يمكن اعتبار مطالبهم دليلاً في حد ذاتها على فشل البرامج القائمة، مثلما لا تكفي أعداد المشاركين في برامج التأهيل لإثبات معالجة جميع الصعوبات التي قد تواجه المعتقلين السابقين بعد الإفراج.
المصدر الرسمي | مركز مصالحة – افتتاح الدورة 21 وحصيلة المشاركين في البرنامج، 11 شتنبر 2026
وسبق لموقع MarocActu24 أن تابع ملف الإفراج عن المحكوم عليهم في قضايا التطرف والإرهاب، بعدما شمل العفو الملكي المعلن بمناسبة المولد النبوي في غشت 2026 خمسة عشر شخصاً من هذه الفئة، من أصل 634 مستفيداً من العفو.
واستفاد تسعة من المحكوم عليهم في قضايا التطرف والإرهاب من العفو مما تبقى من العقوبة السالبة للحرية، فيما جرى تخفيض العقوبة لفائدة ستة آخرين.
ولا يعني هذا الرقم أن الأشخاص الخمسة عشر ينتمون إلى الائتلاف الجديد، أو أنهم يقيمون بسوس ماسة، لكنه يوضح استمرار حضور ملف الإفراج وإعادة الإدماج ضمن المعالجة المؤسساتية للقضايا المرتبطة بالتطرف والإرهاب.
اقرأ أيضاً | الملك محمد السادس يصدر عفواً عن 634 شخصاً بمناسبة المولد النبوي
وعلى المستوى التنظيمي، أعلن ائتلاف سوس ماسة عزمه فتح باب الانخراط أمام المعتقلين الإسلاميين السابقين بالجهة الذين يعتبرون أنفسهم متضررين من آثار الاعتقال على خلفية قانون الإرهاب.
كما أكد توجهه إلى تجميع الملفات ذات الأولوية وتنسيق جهود الترافع بشأنها، في أفق فتح قنوات للحوار مع المؤسسات المعنية.
ويطرح هذا التوجه سؤالاً بشأن طبيعة الملفات التي سيعطيها الائتلاف الأولوية، خصوصاً أن قضايا التعويض والإدماج قد تختلف من شخص إلى آخر تبعاً لطبيعة الحكم القضائي والوضعية المهنية والضرر المدعى به.
ويحتاج تقييم هذه الملفات إلى وثائق ومعطيات فردية تسمح بالتمييز بين الأضرار التي يمكن المطالبة بالتعويض عنها وفق القانون، والصعوبات الاجتماعية والمهنية التي قد تتطلب إجراءات مواكبة وإدماج.
ولم يحدد البيان موعداً لتقديم أول مذكرة مطلبية، أو أسماء المؤسسات التي سيتوجه إليها الائتلاف، كما لم يعلن عن اتفاق رسمي لفتح حوار بشأن المطالب التسعة.
وتبقى استجابة المؤسسات المعنية مرتبطة بما سيقدمه المؤسسون من ملفات موثقة، وما ستسفر عنه المراسلات واللقاءات المحتملة في المرحلة المقبلة.
وبهذا الإعلان، ينتقل جانب من مطالب المعتقلين الإسلاميين السابقين إلى إطار حقوقي جهوي جديد، يسعى إلى جعل التعويض وجبر الضرر والإدماج قضايا مطروحة أمام المؤسسات المعنية انطلاقاً من أوضاع أصحابها في سوس ماسة.
لكن نجاح المبادرة لن يقاس بمجرد الإعلان عن تأسيس الائتلاف، وإنما بقدرته على توثيق الملفات وتحديد مطالب قابلة للمعالجة، ومدى استعداد الجهات المختصة لدراستها وفق القانون.
وبين تسعة مطالب أعلنها المؤسسون، وبرامج مؤسساتية قائمة لإعادة التأهيل، يبقى السؤال المطروح بشأن المعتقلين الإسلاميين السابقين بسوس ماسة هو كيفية الانتقال من المطالبة العامة بالإنصاف إلى معالجة فردية وموثقة للأضرار والوضعيات العالقة، بما يضمن احترام الحقوق والمسؤوليات القانونية لجميع الأطراف.
