بقلم: الباز عبدالإله
أعاد الجدل الذي أثارته تصريحات المستشار البرلماني محمود عرشان بشأن «الجلادين الحقيقيين»، داخل مجلس المستشارين يوم 21 أكتوبر 2026، ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان إلى واجهة النقاش بالمغرب، بعدما طالبت جمعيات حقوقية بكشف الحقيقة والمحاسبة والاعتذار للضحايا، قبل أن تدعو النائبة نبيلة منيب إلى استكمال مسار العدالة الانتقالية، بينما تعود شكايات معتقلي 2003 إلى الواجهة من خلال تقارير دولية وثقت ادعاءات بالتعذيب وانتزاع الاعترافات، وسؤال برلماني لم يظهر له جواب منشور، ومطالب جديدة موجهة إلى الحكومة والمجلس الوطني لحقوق الإنسان.
ويطرح هذا التزامن إشكالاً حقوقياً يتعلق بحدود تجربة الإنصاف والمصالحة، التي انطلقت سنة 2004 برئاسة الراحل إدريس بنزكري، واستمرت متابعة توصياتها من خلال المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان التي ترأسها حالياً آمنة بوعياش، خصوصاً أن اختصاص الهيئة التاريخي انتهى عند سنة 1999، بينما وقعت الاعتقالات الواسعة المرتبطة بتفجيرات الدار البيضاء بعد ذلك بأربع سنوات.
ولا يتعلق الأمر بمساواة جميع المعتقلين السابقين بضحايا الانتهاكات المثبتة، أو بالتشكيك تلقائياً في الأحكام القضائية الصادرة في قضايا الإرهاب، وإنما بتحديد مصير الشكايات المتعلقة بالتعذيب والاحتجاز غير القانوني وانتزاع الاعترافات، والآليات المتاحة للتحقيق فيها وجبر الأضرار التي يثبت وقوعها، أياً كانت طبيعة التهم التي وجهت إلى أصحابها.
تصريحات عرشان تعيد سنوات الرصاص إلى البرلمان
انطلقت موجة الجدل الأخيرة بعدما استغل محمود عرشان، مؤسس حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية والمفوض السابق للشرطة، مداخلته خلال مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس المستشارين يوم الأربعاء 21 أكتوبر، للرد على الانتقادات المرتبطة بماضيه الأمني، عقب مشاركته في مشاورات تشكيل الحكومة.
ورفض عرشان الاتهامات الموجهة إليه، معلناً استعداده لخوض مناظرة تلفزيونية للكشف عمن وصفهم بـ«الجلادين الحقيقيين»، وقال: «إذا أردنا أن نعود لنعرف الجلادة فنحن مستعدون لإجراء مناظرة في التلفزيون ونكشف عن كل الجلادين ومن أين جاؤوا»، كما وصف بعض منتقديه بـ«الطابور الخامس».
تغطية إعلامية | لوسيت أنفو – تصريحات محمود عرشان داخل مجلس المستشارين يوم 21 أكتوبر 2026
وأصدر المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، يوم 23 أكتوبر، بياناً أدان فيه تصريحات عرشان، معتبراً أنها تشكل استفزازاً لضحايا الانتهاكات الجسيمة وعائلاتهم، ومطالباً بتنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وإعمال المساءلة القضائية بشأن الانتهاكات عند ثبوت المسؤوليات، وتقديم اعتذار رسمي وعلني للضحايا.
واستحضر بيان الجمعية شهادات مرتبطة بمعتقل درب مولاي الشريف بالدار البيضاء، ونسب إلى عرشان مسؤوليات عن انتهاكات خلال سنوات الرصاص، وهي اتهامات يرفضها المعني بالأمر، ولا يشكل صدور البيان أو تداول الشهادات بشأنها حكماً قضائياً يثبت مسؤوليته الشخصية.
المصدر الحقوقي الأصلي | الجمعية المغربية لحقوق الإنسان – بيان المكتب المركزي بتاريخ 23 أكتوبر 2026
وأصدرت خمس هيئات حقوقية ومدنية بياناً مشتركاً بالرباط في التاريخ نفسه، ضم المنظمة المغربية لحقوق الإنسان والمنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف وجمعية عدالة من أجل محاكمة عادلة ومعهد بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان والوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وطالبت الهيئات الحكومة ورئاسة مجلس المستشارين والمجلس الوطني لحقوق الإنسان بمواقف واضحة بشأن التصريحات المثيرة للجدل، مع التشديد على صون كرامة الضحايا ومواصلة تنفيذ توصيات الإنصاف والمصالحة، خصوصاً المتعلقة بكشف الحقيقة وجبر الضرر وحفظ الذاكرة وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
نص بيان حقوقي منشور | موقع السؤال الآن – البيان المشترك للهيئات الخمس المؤرخ في 23 أكتوبر 2026
وامتد النقاش إلى مجلس النواب يوم 28 أكتوبر، عندما دعت النائبة نبيلة منيب، خلال المناقشة العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية، إلى استكمال العدالة الانتقالية وجبر الضرر، مطالبة بـ«اعتذار الجلادين لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان قبل أن ينسحبوا في صمت».
وجاءت تصريحات منيب مباشرة في سياق الرد على إساءة استهدفت المقاوم والزعيم اليساري الراحل محمد بنسعيد آيت إيدر، وليس باعتبارها رداً مباشراً مثبتاً على مداخلة عرشان، غير أنها أعادت بدورها قضية الاعتذار والمسؤولية عن الانتهاكات التاريخية إلى النقاش البرلماني.
تغطية إعلامية | تيل كيل عربي – تصريحات نبيلة منيب يوم 28 أكتوبر 2026
معتقلي 2003.. وثائق دولية تسبق الجدل الحالي بأكثر من عقدين
يشكل ملف معتقلي 2003 أحد أبرز الاختبارات الحقوقية المرتبطة بالفترة التي أعقبت انطلاق مسار المصالحة، بعدما شهد المغرب حملة اعتقالات واسعة عقب تفجيرات 16 ماي بالدار البيضاء، التي خلفت 33 قتيلاً، إضافة إلى منفذي الهجمات، وعشرات الجرحى، وأعقبتها متابعات قضائية في قضايا مرتبطة بالإرهاب.
وأصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش، يوم 20 أكتوبر 2004، تقريراً بعنوان «المغرب: حقوق الإنسان عند مفترق طرق»، استند إلى أبحاث ميدانية أجرتها خلال يناير وفبراير من السنة نفسها، وإلى شهادات محامين وعائلات معتقلين ومعطيات مرتبطة بمحاضر وإجراءات قضائية.
وأفادت المنظمة بأن ما لا يقل عن ألفي شخص اعتقلوا خلال الأشهر التي تلت التفجيرات، وفق تقديرات منظمات حقوقية، ووثقت شكايات بشأن الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، وتجاوز المدد القانونية للحراسة النظرية، وتغيير تواريخ الاعتقال في بعض المحاضر، إلى جانب ادعاءات بالتعذيب والضغط على الموقوفين لتوقيع اعترافات قالوا إنها انتزعت تحت الإكراه.
وعرض التقرير حالة أستاذ التعليم عبد الغني بنطاووس، الذي أفادت أسرته باعتقاله يوم 10 يونيو 2003، بينما سجلت وثائق الشرطة التي اطلعت عليها المنظمة تاريخ 23 يونيو، بفارق 13 يوماً، مع اختلاف بشأن مكان احتجازه خلال تلك الفترة.
وأوضح دفاع بنطاووس، وفق التقرير، أن موكله اشتكى من التعذيب والإكراه على الاعتراف، وأن هذه الادعاءات أثيرت خلال المحاكمة دون صدور أمر بإجراء تحقيق فيها، فيما كان المعني بالأمر قد أدين في غشت 2003 بعقوبة سجنية مدتها 20 سنة في قضية مرتبطة بالإرهاب.
غير أن التقرير تضمن أيضاً جواباً رسمياً من وزارة العدل المغربية، مؤرخاً في 5 يونيو 2004، نفت فيه الوزارة وقوع الانتهاكات التي أثارتها المنظمة في الحالات التي راجعتها، مؤكدة أن الملفات القضائية لم تتضمن، بحسب موقفها، ما يثبت ادعاءات التعذيب أو يستوجب إجراء فحوص طبية.
وردت هيومن رايتس ووتش بأن غياب الشكايات المسجلة في بعض المحاضر لا يحسم وحده حقيقة ما وقع أثناء الاحتجاز، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص قالوا إنهم حرموا من الاتصال بمحاميهم أو لم يتمكنوا من ممارسة حقوقهم الإجرائية بصورة فعالة.
ويظهر هذا التباين أن وجود شكايات موثقة حقوقياً لا يعادل صدور حكم قضائي بثبوت التعذيب، لكنه يبرز أهمية التحقق من الوقائع والإجراءات المتخذة بشأنها، ومدى استجابة القضاء لطلبات التحقيق والفحص الطبي، دون افتراض بطلان جميع الأحكام المرتبطة بتفجيرات 2003.
المصدر الحقوقي الأصلي | هيومن رايتس ووتش – المغرب: حقوق الإنسان عند مفترق طرق، 20 أكتوبر 2004، ويتضمن جواب وزارة العدل المغربية
تحذير سنة 2005.. المصالحة مع الماضي وانتهاكات الحاضر
لم تكن مسألة العلاقة بين تجربة الإنصاف والمصالحة واعتقالات 2003 غائبة عن النقاش الحقوقي خلال عمل الهيئة نفسها، إذ أصدرت هيومن رايتس ووتش يوم 27 نونبر 2005 تقريراً بعنوان «لجنة الحقيقة المغربية: تكريم ضحايا الماضي في حاضر غير يقيني»، تناول حدود اختصاص الهيئة وصلاحياتها وإشكالية الإفلات من العقاب.
ولاحظت المنظمة أن هيئة الإنصاف والمصالحة كانت تحقق في الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي وانتهاكات العقود السابقة، في وقت استمرت فيه شكايات عن التعذيب والمحاكمات غير العادلة المرتبطة بمكافحة الإرهاب، معتبرة أن حماية حقوق الإنسان لا يمكن أن تقتصر على معالجة الماضي دون ضمان عدم تكرار الانتهاكات.
وتكتسب هذه الوثيقة أهمية زمنية خاصة، لأنها نُشرت قبل انتهاء أشغال الهيئة وتقديم تقريرها الختامي، ما يؤكد أن إشكالية الفصل بين العدالة الانتقالية والانتهاكات اللاحقة كانت مطروحة دولياً منذ المرحلة الأولى للمصالحة، وليست نتيجة الجدل السياسي الحالي.
المصدر الحقوقي الأصلي | هيومن رايتس ووتش – لجنة الحقيقة المغربية: تكريم ضحايا الماضي في حاضر غير يقيني، 27 نونبر 2005
من إدريس بنزكري إلى آمنة بوعياش.. أين تنتهي ولاية المصالحة؟
تأسست هيئة الإنصاف والمصالحة يوم 7 يناير 2004 برئاسة الراحل إدريس بنزكري، لمعالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة خلال الفترة الممتدة من سنة 1956 إلى نهاية سنة 1999، وشملت مهامها البحث عن الحقيقة وجبر الأضرار وإعداد توصيات للإصلاح المؤسسي وعدم التكرار.
ولذلك لم تكن الاعتقالات والمحاكمات التي جرت بعد تفجيرات 16 ماي 2003 داخلة ضمن الاختصاص الزمني الأصلي للهيئة، وهو تمييز قانوني أساسي لا ينبغي الخلط بينه وبين مدى مشروعية الشكايات المتعلقة بتلك المرحلة.
وتضمنت توصيات الهيئة اعتماد استراتيجية وطنية لمكافحة الإفلات من العقاب وتعزيز دولة القانون وضمانات المحاكمة العادلة وحماية الحقوق الأساسية، وهي توصيات تتجاوز من حيث غاياتها معالجة الملفات التاريخية التي نظرت فيها الهيئة.
وتولى المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، ثم المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي حل محله سنة 2011، متابعة تنفيذ توصيات الهيئة، بما فيها التعويضات والتغطية الصحية والإدماج الاجتماعي وتسوية الأوضاع الإدارية والمالية وحفظ الذاكرة.
المصدر الرسمي | المجلس الوطني لحقوق الإنسان – هيئة الإنصاف والمصالحة ونشأتها واختصاصاتها
أكثر من 27 ألف مستفيد.. ماذا تثبت حصيلة جبر الضرر؟
تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان حجم البرامج التي اعتمدتها الدولة لمعالجة الانتهاكات التاريخية، إذ أظهرت حصيلة منشورة في دجنبر 2018 استفادة 27 ألفاً و254 شخصاً من الضحايا وذوي الحقوق من التعويضات المالية، عند احتساب المستفيدين من مقررات هيئة الإنصاف والمصالحة ومتابعة توصياتها وهيئة التحكيم المستقلة السابقة.
وتوزعت الحصيلة بين 19 ألفاً و474 مستفيداً من المسار المرتبط بهيئة الإنصاف والمصالحة ومتابعة توصياتها، بتعويضات تجاوزت 928 مليون درهم، و7780 مستفيداً من هيئة التحكيم المستقلة، ليبلغ مجموع التعويضات المالية نحو ملياري درهم.
وشملت برامج جبر الضرر أيضاً التغطية الصحية والإدماج الاجتماعي وتسوية الأوضاع المهنية والإدارية لفئات من المتضررين، ولم تكن التعويضات مقتصرة على المعتقلين المنتمين إلى تيار سياسي بعينه.
المصدر الرسمي | المجلس الوطني لحقوق الإنسان – حصيلة التعويضات المنشورة في دجنبر 2018
واستمر تنفيذ مقررات التعويض والإدماج بعد ذلك، إذ أعلن المجلس أن مجموع التعويضات المسلمة خلال الفترة الممتدة من 2019 إلى 2023 بلغ نحو 168.09 مليون درهم لفائدة 1196 مستفيداً ومستفيدة، وفق المعطيات المرتبطة بمتابعة توصيات الهيئة.
وهذه مبالغ تخص فترة تنفيذ محددة من برنامج العدالة الانتقالية، ولا يجوز اعتبارها تعويضات لمعتقلي 2003 أو إضافتها إلى الحصائل التاريخية دون مراعاة اختلاف الفترات المرجعية.
المصدر الرسمي | المجلس الوطني لحقوق الإنسان – متابعة تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة
وتوضح هذه الأرقام وجود تجربة مؤسساتية واسعة لجبر الضرر عن انتهاكات الماضي، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال الآليات التي عالجت، أو يمكن أن تعالج، شكايات أشخاص يقولون إنهم تعرضوا لانتهاكات خلال فترة لاحقة على سنة 1999.
سؤال برلماني عن معتقلي 2003 دون جواب منشور
وصل ملف اعتقالات 2003 إلى مجلس النواب من خلال سؤال كتابي وجهته النائبة ثورية عفيف إلى وزارة الداخلية تحت الرقم 25498، بعنوان «قضية المواطنين ضحايا الاعتقالات إبان أحداث 16 ماي الإرهابية ومطالب إنصافهم».
وأثار السؤال شكايات متعلقة بظروف الاعتقال والمحاكمة، إلى جانب التداعيات الاجتماعية والمهنية التي يقول بعض المعتقلين السابقين إنها استمرت بعد انتهاء العقوبات السجنية، خصوصاً بالنسبة إلى موظفين وأساتذة فقدوا مناصبهم على خلفية الأحكام الصادرة في حقهم.
واستندت البرلمانية إلى مطالب «تنسيقية الكرامة واليقظة للعدالة الانتقالية»، ودعت وزارة الداخلية إلى توضيح التدابير التي تعتزم اتخاذها لمعالجة القضية.
ويعرض السجل الإلكتروني الرسمي للسؤال عبارة «لم يجب عنه بعد»، وهو ما يثبت عدم ظهور جواب منشور في الصفحة المفهرسة وقت الفحص، لكنه لا يسمح بالجزم بعدم وجود مراسلات أو إجراءات أو أجوبة خارج ذلك السجل.
المصدر البرلماني الرسمي | مجلس النواب – السؤال الكتابي رقم 25498
ملف معتقلي 2003 أمام مجلس بوعياش والحكومة
شهد الملف تحركات مؤسساتية خلال سنتي 2025 و2026، بعدما أعلنت التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين عقد لقاء يوم 11 يونيو 2025 مع وفد من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وقالت إن ممثلي المؤسسة أبدوا تفهماً للمطالب المعروضة واستعداداً للعمل على معالجتها وفق القانون.
ويظل هذا التقييم منسوباً إلى التنسيقية، ولا يعني وحده ثبوت التزام رسمي بصرف تعويضات أو إحداث برنامج حكومي محدد.
وعادت التنسيقية خلال يونيو 2026 إلى مراسلة رئيسة المجلس آمنة بوعياش، مطالبة بمواصلة الحوار بشأن جبر الضرر والإدماج الاجتماعي والمهني، قبل أن توجه يوم 19 أكتوبر رسالة مفتوحة إلى رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري.
وتضمنت الرسالة ستة مطالب، تشمل دراسة ملفات المعتقلين السابقين والتحقيق في الانتهاكات المدعى بها وجبر الأضرار المثبتة، وفتح حوار مؤسساتي، وتسوية بعض الأوضاع الاجتماعية والإدارية والمهنية، وحفظ الذاكرة، وإعداد برنامج حكومي يحدد المسؤوليات وآليات التتبع والتقييم.
اقرأ أيضاً | «ليس امتيازاً ولا إحساناً».. 6 مطالب من قدماء المعتقلين الإسلاميين إلى المنصوري!
وأعلنت التنسيقية لاحقاً تأجيل ندوة كانت مبرمجة يوم السبت 31 أكتوبر لأسباب تنظيمية، وتعويضها بوقفة احتجاجية سلمية أمام مقر المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالرباط يوم الاثنين 2 نونبر 2026، ابتداء من الساعة الحادية عشرة صباحاً.
وتأتي هذه الخطوة، وفق بلاغ التنسيقية، للمطالبة بجبر الضرر ورد الاعتبار ومعالجة الصعوبات التي يقول عدد من المعتقلين السابقين إنها ما تزال تؤثر في حياتهم وحياة أسرهم، رغم انتهاء العقوبات التي صدرت في حقهم.
اقرأ أيضاً | من السجن إلى باب مجلس بوعياش.. قدماء المعتقلين الإسلاميين يعلنون وقفة 2 نونبر للمطالبة بجبر الضرر!
ماذا يتيح القانون للمجلس الوطني لحقوق الإنسان؟
يمنح القانون رقم 76.15 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني لحقوق الإنسان للمؤسسة صلاحيات النظر في حالات انتهاك حقوق الإنسان تلقائياً أو بناء على شكايات المعنيين، ودراستها وتتبع مسارها وإخبار المشتكين بمآلها.
كما يتيح للمجلس إجراء التحريات وإصدار توصيات وإحالة النتائج على الجهات المختصة وفق الشروط القانونية، مع ضرورة التمييز بين صلاحيات المؤسسة الحقوقية واختصاصات القضاء في التحقيق الجنائي وتحديد المسؤوليات وإصدار الأحكام.
ويطرح هذا الإطار القانوني أسئلة محددة حول عدد الشكايات التي تلقتها المؤسسة بشأن اعتقالات 2003، وطبيعة الإجراءات التي اتخذتها إزاءها، والملفات التي أحيلت إلى الجهات المختصة، والنتائج التي ترتبت عن تلك الإحالات.
المصدر الرسمي | المجلس الوطني لحقوق الإنسان – اختصاصات المؤسسة ومساطر تلقي الشكايات وفق القانون 76.15
وتظل إعادة الإدماج الاجتماعي للمعتقلين السابقين مسألة مختلفة قانونياً عن التحقيق في التعذيب، لأن تسوية وضعية مهنية أو تقديم مساعدة اجتماعية لا تعوض التحقيق في انتهاك مزعوم، كما أن ثبوت التعرض للتعذيب لا يستلزم بالضرورة إلغاء الحكم القضائي الأصلي ما لم تتوافر شروط ومساطر المراجعة المقررة قانوناً.
ولا يكفي صدور حكم بالإدانة في قضية إرهاب لنفي احتمال تعرض المحكوم عليه لانتهاك أثناء الاعتقال أو التحقيق، مثلما لا يمنح قضاء عقوبة سجنية حقاً تلقائياً في التعويض عن التعذيب دون إثبات الوقائع وتحديد الضرر والمسؤوليات وفق القانون.
وبذلك يظل الفصل بين المسؤولية الجنائية عن الأفعال موضوع المتابعة، وبين مسؤولية أي جهة عن انتهاكات محتملة أثناء الإجراءات، شرطاً أساسياً لمعالجة الملف دون تعميم أو تبرئة مسبقة أو إدانة غير مثبتة.
من الجدل بشأن الجلادين إلى مساءلة المؤسسات
تعيد تصريحات محمود عرشان ومواقف الجمعيات الحقوقية ودعوة نبيلة منيب إلى الاعتذار، إلى جانب تحركات قدماء المعتقلين الإسلاميين، وضع ملفين مختلفين زمنياً وقانونياً أمام المؤسسات المغربية، يتعلق الأول باستكمال كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات المرتكبة بين 1956 و1999، ويتعلق الثاني بالتحقيق في شكايات مرتبطة باعتقالات ومحاكمات جرت بعد هذه الفترة.
ولا تسمح الوثائق التي جرى فحصها بتحديد حصيلة وطنية شاملة ومحدثة للتحقيقات التي أجريت بشأن جميع شكايات التعذيب المرتبطة باعتقالات 2003، أو عدد الملفات التي انتهت إلى إثبات الانتهاك أو نفيه، كما لا توفر أساساً للجزم بأن المؤسسات لم تتخذ أي إجراء في جميع هذه الحالات.
لكن التقارير الحقوقية التاريخية والسؤال البرلماني والمراسلات الحديثة تثبت أن الملف ظل موضوع مطالب معلنة، وأن معرفة نتائج معالجته تستدعي معطيات مؤسساتية أكثر تفصيلاً من مجرد الإشارة إلى وجود حوار أو تلقي شكايات.
وتتمثل المسائل التي تحتاج إلى توضيح رسمي في عدد الشكايات المتعلقة بادعاءات التعذيب خلال اعتقالات 2003، والتحقيقات التي أنجزت ونتائجها، والمسارات القانونية المتاحة لجبر أضرار الأشخاص الذين يثبت تعرضهم لانتهاكات خارج الفترة التاريخية التي شملتها هيئة الإنصاف والمصالحة.
وتجعل هذه المعطيات النقاش بشأن المصالحة المغربية مرتبطاً بمدى استمرار ضمانات عدم التكرار وفعالية آليات التحقيق والإنصاف بعد انتهاء عمل هيئة إدريس بنزكري، وبكيفية تعامل المؤسسات المعنية اليوم مع الشكايات التي لم تكن داخلة ضمن ولايتها الزمنية.


