بقلم: الباز عبدالإله
كشف عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة المغربية الأسبق، عن تلقيه تهديداً هاتفياً بنشر فضائح عنه وتشويه سمعته، عقب الجدل الذي أثارته مزحته بشأن الأصول الجزائرية لوالدة النائب البرلماني مصطفى الإبراهيمي، مؤكداً أنه رفض الاستجابة للتهديد، بينما أثرت فيه مكالمة أخرى حذره صاحبها من عقاب الله، ما دفعه إلى تجديد اعتذاره للشعب الجزائري، بعدما أقر بأن كلامه حمل إساءة لم يكن يقصدها.
وجاء اعتذار بنكيران للجزائريين في تسجيل مصور جديد، الجمعة 30 أكتوبر 2026، خصصه لتوضيح ملابسات التصريحات التي أدلى بها خلال اجتماع الفريق النيابي لحزبه يوم الاثنين 26 أكتوبر، وكشف فيه تفاصيل اتصالات هاتفية تلقاها بعد انتشار المقطع المثير للجدل، إلى جانب علاقاته العائلية والإنسانية بالجزائريين وموقفه من الخلافات السياسية بين المغرب والجزائر.
تغطية إعلامية تتضمن فيديو | هوية بريس – بنكيران يوضح ويعتذر للشعب الجزائري، 30 أكتوبر 2026
اعتذار بنكيران للجزائريين.. كيف بدأت الواقعة؟
أوضح بنكيران أن الجدل انطلق خلال اللقاء الأسبوعي مع برلمانيي العدالة والتنمية، عندما طلب افتتاح الاجتماع بتلاوة آيات من القرآن الكريم، فاقترح إدريس الأزمي أن يتولى النائب مصطفى الإبراهيمي القراءة، قبل أن يمازحه بالإشارة إلى الأصول الجزائرية لوالدته.
وتضمنت العبارة التي أثارت الانتقادات تساؤلاً ساخراً عما إذا كان الإبراهيمي يستطيع تلاوة القرآن رغم أن والدته جزائرية، وهو ما اعتبره منتقدون إساءة إلى الجزائريين وتشكيكاً غير مقبول في تدينهم.
وقال بنكيران إنه اعتاد المزاح مع الإبراهيمي، الذي وصفه بالشخصية الجادة والمحترمة، وإنه أشاد بتلاوته بعد انتهائها، لكن الميكروفون كان مغلقاً أثناء حديثه، فلم تظهر عبارات الإشادة في التسجيل المتداول.
واعترف رئيس الحكومة الأسبق بأن مزحته كانت غير موفقة وتضمنت إساءة، رغم تأكيده أنه لم يقصد الانتقاص من الجزائريين، موضحاً أنه أدرك طبيعة العبارة بعد مشاهدة التسجيل وتلقي ملاحظات بشأنها.
وكان بنكيران قد قدم اعتذاره الأول في تصريح للصحافي التونسي عادل الحامدي، نشره موقع «عربي21» يوم الثلاثاء 27 أكتوبر، ونفى فيه أن يكون قد قصد التشكيك في إسلام الجزائريين أو الانتقاص من تاريخهم الديني والنضالي، مؤكداً أنه يتشرف بأن يكون جزائرياً.
المصدر الصحفي المباشر | عربي21 – بنكيران يوضح حقيقة التعليق الذي أثار جدلاً بشأن إسلامية الجزائريين، 27 أكتوبر 2026
«نشر الفضائح ديالي».. بنكيران يروي تفاصيل التهديد الهاتفي
كشف بنكيران أنه تلقى، بعد اعتذاره الأول، اتصالات تخبره بأن شخصاً وصفه المتصلون بأنه مخترق جزائري نشر رقم هاتفه على الإنترنت، قبل أن تبدأ مكالمات متلاحقة من المغرب والجزائر ودول أخرى.
وأكد أن أحد المتصلين هدده بنشر فضائح عنه والإضرار بسمعته إذا لم يقدم اعتذاراً للشعب الجزائري، فرد عليه قائلاً: «نشر الفضائح ديالي إلا لقيتي شي فضائح»، متحدياً إياه أن يكشف ما لديه، قبل أن ينهي المكالمة.
وشدد الأمين العام للعدالة والتنمية على أنه لا يستجيب للتهديد بهذه الطريقة، وأنه لا يخشى نشر ما قد يدعيه الآخرون بشأن حياته، معتبراً أن الضغط عليه بالتهديد لن يغير موقفه.
وتبقى تفاصيل هذه المكالمة وهوية صاحبها مستندة إلى رواية بنكيران، دون توفر معطيات مستقلة تثبت هوية المتصل أو طبيعة التهديد الذي تحدث عنه.
وتحدث بنكيران عن مكالمة ثانية تلقاها من شخص يقيم في فرنسا، قال إنه خاطبه بنبرة غاضبة لكنها أتاحت نقاشاً هادئاً، فشرح له أن العبارة جاءت في سياق المزاح وأنه سبق أن اعتذر عنها، قبل أن يتساءل: «راني اعتذرت، شنو بغيتوني نعمل آخر؟».
وأضاف أن الحوار انتهى بصورة ودية، بعدما أبدى المتصل استعداده لمساعدته إذا واجه أي مشكلة أثناء وجوده في فرنسا، وهو العرض الذي قابله بالشكر.
«الله غادي يحاسبك ويعاقبك».. المكالمة التي أثارت خوف بنكيران
اعتبر بنكيران أن المكالمة الثالثة كانت الأكثر تأثيراً فيه، بعدما حذره صاحبها من أن الله سيحاسبه ويعاقبه على العبارة التي صدرت عنه، رغم تأكيده أنها لم تكن مقصودة وأنها جاءت في سياق المزاح مع زميله.
وأوضح أن التهديد بنشر فضائح لم يخفه، بخلاف التحذير من العقاب الإلهي الذي جعله يراجع ما قاله، معبراً عن خشيته من أن يكون قد تسبب في الإساءة إلى أشخاص دون أن يقصد ذلك.
واستحضر في حديثه قوله تعالى: «وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم»، موضحاً أن الإنسان قد يعتبر بعض الكلام بسيطاً بينما يكون أثره على الآخرين أكبر مما يتصور.
وأقر بنكيران بأن مزاحه يتجاوز أحياناً الحدود المقبولة، معرباً عن رجائه أن يغفر الله له ما بدر منه، ومشدداً على أن خوفه من المؤاخذة الإلهية كان أقوى من أي تهديد يتعلق بسمعته الشخصية.
وكشف أيضاً عن تلقيه مكالمات تضمنت عبارات مسيئة لوالدته، مؤكداً أنه اختار عدم الدخول في مشادات مع أصحابها، وأن ما شغله بالدرجة الأولى هو احتمال إيذاء مشاعر جزائريين لم يكن ينوي الإساءة إليهم.
زوجة ابنه جزائرية.. بنكيران يستحضر علاقاته العائلية
استعاد بنكيران خلال التسجيل ذكريات طفولته بمدينة الرباط، عندما كانت تربط أسرته علاقات بعائلات جزائرية استقرت بالمغرب خلال ستينيات القرن الماضي، مؤكداً أن بعض تلك الروابط الإنسانية استمر لعقود.
وكشف أن أحد أبنائه متزوج بامرأة من أصول جزائرية، وأنها انزعجت بدورها من المزحة التي أثارت الجدل، موضحاً أنه يكن لها المودة والاحترام ويعاملها باعتبارها واحدة من بناته.
واستحضر هذه العلاقة العائلية لتأكيد أن ما صدر عنه لا يعبر، بحسب قوله، عن أي موقف عدائي من الجزائريين، بل يتناقض مع الروابط الشخصية التي تجمعه بأفراد وعائلات من أصول جزائرية.
وأشاد الأمين العام للعدالة والتنمية بمكانة القرآن الكريم لدى الجزائريين، وبحضور حفظته ومقرئيه داخل الجزائر وخارجها، معتبراً أن المزحة التي ربطت الأصل الجزائري بالقدرة على التلاوة لم تكن تعكس قناعته الحقيقية.
بنكيران: التاريخ فرق بيننا والجغرافيا لم تفرق بيننا
انتقل بنكيران من توضيح المزحة والاعتذار عنها إلى الحديث عن العلاقات المغربية الجزائرية، مؤكداً أن الشعبين يجمعهما تاريخ وروابط أسرية واجتماعية ودينية تجعل الخلافات السياسية القائمة بين الدولتين غير قادرة على إلغاء وشائج القرب بين المواطنين.
واعتبر أن الشعبين المغربي والجزائري شعب واحد من حيث الروابط الإنسانية والثقافية، مستحضراً عبارة مفادها أن التاريخ فرق بينهما دون أن تتمكن الجغرافيا من التفريق بينهما.
وجدد اعتذاره للجزائريين والجزائريات على وجه الخصوص، مؤكداً احترامه لهم وتقديره لكرامتهم، وأن العبارة التي صدرت عنه خلال الاجتماع الحزبي لم تكن مقصودة للإساءة إلى الشعب الجزائري أو التقليل من مكانته.
وأعرب رئيس الحكومة الأسبق عن أمله في تسوية الخلافات السياسية بين المغرب والجزائر بالطرق السلمية، معتبراً أن المشاكل القائمة بين البلدين ليست قدراً دائماً، وأن تجاوزها ممكن في المستقبل.
وجاء هذا الموقف وسط استمرار القطيعة الدبلوماسية بين الرباط والجزائر منذ غشت 2021، في وقت أبرزت فيه ردود الفعل التي أعقبت تصريح بنكيران حساسية التعليقات المتعلقة بالهوية والانتماء الوطني، خصوصاً عندما تصدر عن شخصيات سياسية معروفة في أحد البلدين.
وكان اجتماع الاثنين 26 أكتوبر، الذي صدرت خلاله المزحة، قد شهد أيضاً تصريحات سياسية لبنكيران بشأن رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري ووزير الاقتصاد والمالية فوزي لقجع، سبق أن تناولها MarocActu24 في تغطيتين منفصلتين.
اقرأ أيضاً | «شنو جاب وزير المالية للرد السياسي؟».. بنكيران يعاتب لقجع ويتحدث عن «خدمات» سابقة قدمها له!
اقرأ أيضاً | «إلا كنا حنا كنبيعوا المخدرات.. أنتما آش كتبيعوا؟».. بنكيران يرد على المنصوري بسؤال عن زعيم في السجن!
ويشكل التسجيل الجديد انتقالاً في موقف بنكيران من الاكتفاء بنفي قصد الإساءة، خلال اعتذاره الأول يوم 27 أكتوبر، إلى الإقرار صراحة بأن العبارة نفسها لم تكن مقبولة، مع كشفه عن المكالمات التي تلقاها وتأثير إحداها في قراره توجيه رسالة مطولة إلى الجزائريين.
أما التهديدات التي تحدث عنها، فتظل في حدود روايته الشخصية ما لم تظهر معطيات مستقلة بشأن أصحابها، بينما يبقى اعتذاره وموقفه من المزحة والعلاقات بين الشعبين مضموناً سياسياً وشخصياً اختار التعبير عنه علناً بعد أربعة أيام من الاجتماع الذي أثار الجدل.


