بقلم: قويدر فؤاد
شنّ محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، هجوماً حاداً على الجهات التي ترفع شعار محاربة الفساد بالقانون بدل الشعبوية، متهماً إياها باستعمال التشريع لتقييد الأبحاث القضائية في جرائم المال العام، وتوفير الحماية للإفلات من العقاب، ومعتبراً أن المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية تمثل نموذجاً لما وصفه بالتغول على السلطة القضائية، في وقت تكشف فيه وثيقة رسمية سابقة أن الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أوصت بحذف المقتضيات المقيدة لهذه الأبحاث قبل إقرار القانون.
وقال الغلوسي، في تدوينة أثارت تفاعلاً إعلامياً الجمعة 30 أكتوبر 2026، مخاطباً المدافعين عن الاختيارات التشريعية التي ينتقدها: «لقد حولتم القانون لتحصين الفساد وتعميقه وليس لمحاربته»، معتبراً أن الحديث عن محاربة الفساد يفقد معناه عندما تقترن الدعوة إلى احترام القانون بمقتضيات تحد، بحسب قراءته، من قدرة المؤسسات القضائية على ملاحقة الجرائم المرتبطة بتدبير الأموال العمومية.
ووجه رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام انتقاداته إلى جهات لم يسمها بصورة مباشرة، متهماً إياها بالتضايق من المبلغين عن الفساد والصحفيين والفاعلين الحقوقيين الذين يكشفون الاختلالات ويطالبون بالمحاسبة، مقابل ما اعتبره تساهلاً مع مظاهر الريع والرشوة وغسل الأموال والإثراء غير المشروع.
تغطية إعلامية للتدوينة | موقع لكم – الغلوسي ينتقد المقتضيات المقيدة للأبحاث في جرائم المال العام، 30 أكتوبر 2026
«هل من تغول أكبر؟».. الغلوسي يهاجم المادة الثالثة من المسطرة الجنائية
وضع الغلوسي المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية في صلب انتقاداته، متسائلاً عن مدى احترام صلاحيات السلطة القضائية عندما تصبح مباشرة الأبحاث والمتابعات في الجرائم الماسة بالمال العام مرتبطة بشروط وإحالات محددة قانوناً.
واعتبر أن هذه المقتضيات لا تمثل مجرد تنظيم للإجراءات الجنائية، بل تشكل، وفق موقفه، تقييداً لصلاحيات النيابة العامة وتدخلاً في مجال اختصاصها، مضيفاً أنه لا يدري من أين تستمد الجهات المدافعة عن هذا التوجه نفوذها وقوتها للتطاول على صلاحيات السلطة القضائية.
ووصف الغلوسي هذا التوجه بأنه تقنين للتغول على القضاء، متهماً المدافعين عنه بتقويض أسس دولة الحق والقانون ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، من خلال وضع عراقيل أمام الوصول إلى البحث القضائي في شبهات الاعتداء على المال العام.
ماذا تقول المادة 3 فعلياً عن جرائم المال العام؟
توضح العودة إلى النص القانوني أن المادة الثالثة لا تنص على إعفاء المسؤولين من المتابعة القضائية، لكنها تفرض مسطرة خاصة لإجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في الجرائم الماسة بالمال العام.
وبموجب القانون رقم 03.23، لا يمكن مباشرة هذه الإجراءات إلا بطلب من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيساً للنيابة العامة، بناء على إحالة من المجلس الأعلى للحسابات، أو طلب مشفوع بتقرير من المفتشية العامة للمالية أو المفتشية العامة للإدارة الترابية أو المفتشيات العامة للوزارات أو الإدارات المعنية.
ويجيز النص أيضاً الاعتماد على إحالة من الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أو أي هيئة يمنحها القانون صراحة صلاحية الإحالة.
واستثنى المشرع حالات التلبس من هذا القيد، إذ يسمح للنيابة العامة المختصة بإجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية تلقائياً عندما يتعلق الأمر بجريمة ماسة بالمال العام تم ضبطها في حالة تلبس.
ويعني ذلك أن القانون لا يحظر جميع الأبحاث في جرائم المال العام، وإنما يجعل تحريكها، خارج حالات التلبس، خاضعاً لمسار مؤسساتي محدد، وهو القيد الذي يرفضه الغلوسي ويرى فيه إضعافاً لقدرة القضاء على مواجهة الفساد.
المصدر القانوني الرسمي | الجريدة الرسمية عدد 7437 بتاريخ 8 شتنبر 2025 – القانون رقم 03.23، المادة الثالثة، الصفحتان 6970 و6971
ودخل القانون حيز التنفيذ يوم 8 دجنبر 2025، بعدما قدمته وزارة العدل باعتباره إصلاحاً يستهدف تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة وحقوق الدفاع، وتحسين فعالية العدالة الجنائية.
ويرتكز أحد المبررات التي قدمها المدافعون عن تقييد تحريك الدعاوى المرتبطة بالمال العام على حماية المسؤولين والمنتخبين من الشكايات الكيدية والابتزاز واستعمال المتابعات لتصفية الحسابات.
غير أن الخلاف يتعلق بمدى ملاءمة الوسيلة التشريعية المعتمدة لتحقيق هذه الحماية، وما إذا كانت القيود المفروضة على مباشرة الأبحاث قد تؤخر الكشف عن بعض الجرائم أو تجعل الوصول إليها مرتبطاً بمبادرة الجهات المخول لها قانوناً رفع الإحالات.
المصدر الرسمي | وزارة العدل – دخول القانون رقم 03.23 حيز التنفيذ يوم 8 دجنبر 2025
هيئة النزاهة طالبت بحذف القيود قبل إقرار القانون
لا تقتصر الاعتراضات على المادة الثالثة على موقف محمد الغلوسي، فقد سبق للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أن قدمت ملاحظات رسمية على مشروع القانون رقم 03.23، ضمن مذكرة مؤرخة في أكتوبر 2024، بعنوان «من أجل ملاءمة موضوعية لقانون المسطرة الجنائية مع المتطلبات الإجرائية لمكافحة جرائم الفساد».
واعتبرت الهيئة، في الصفحة 15 من الوثيقة، أن التعديل المقترح على المادة الثالثة يثير إشكالات دستورية وقانونية وموضوعية، لأنه يحصر إجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في الجرائم الماسة بالمال العام ضمن مسطرة إحالة مؤسساتية محددة.
ورأت المؤسسة أن هذا التقييد قد يحد من ولوج فئات من المواطنين والفاعلين المدنيين مباشرة إلى القضاء، مستحضرة مقتضيات الدستور والاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد، التي تؤكد أهمية توسيع قنوات التبليغ وحماية الأشخاص والهيئات التي تقدم معلومات بشأن جرائم الفساد.
ولم تكتف الهيئة بتسجيل التحفظات، بل أوصت صراحة بحذف الفقرتين السابعة والثامنة من المادة الثالثة في صيغة المشروع التي درستها، من أجل الحفاظ على تعدد مصادر التبليغ وتمكين المعنيين من عرض شكاياتهم على القضاء.
وفصلت الهيئة مبررات هذه التوصية في الصفحتين 27 و28 من مذكرتها، معتبرة أن مكافحة الفساد تستدعي توسيع روافد الكشف عن الجرائم، وعدم جعل تدخل النيابة العامة مرتبطاً حصرياً بالإحالات الواردة من مؤسسات محددة.
غير أن مقارنة هذه التوصية بالنص المنشور في الجريدة الرسمية سنة 2025 تظهر أن المشرع احتفظ بالقيد المتعلق بإجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية، رغم اعتراض المؤسسة الوطنية المختصة بمحاربة الفساد عليه.
ولا تمثل ملاحظات الهيئة حكماً قضائياً بعدم دستورية المادة، لكنها تثبت أن التحفظ على المقتضى لم يصدر عن جمعيات حقوقية وحدها، بل ورد كذلك في رأي رسمي معلل سبق المصادقة النهائية على القانون.
المصدر الرسمي | الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها – مذكرة أكتوبر 2024 بشأن مشروع المسطرة الجنائية، الصفحات 15 و27 و28
«يتضايقون من الصحفيين ولا يتضايقون من الفساد»
انتقل الغلوسي من انتقاد المادة الثالثة إلى توجيه اتهامات أوسع للجهات التي يستهدفها بكلامه، معتبراً أنها تنزعج من المبلغين عن الفساد ومناهضيه والصحفيين ومن الصلاحيات التي تتمتع بها السلطة القضائية.
واتهم هذه الجهات بمحاولة التضييق على الأصوات التي تكشف شبهات الاختلالات في تدبير الشأن العام، في مقابل عدم إبداء الحساسية نفسها تجاه ما وصفه باستمرار الفساد والريع والرشوة وغسل الأموال والإثراء غير المشروع.
واستخدم رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام عبارة ساخرة بشأن رغبة هذه الجهات، وفق تصوره، في «إغلاق كل الأقواس المفتوحة»، معتبراً أنها تتمنى امتلاك القدرة على إغلاق فيسبوك وبقية منافذ التعبير التي تسمح بانتقاد تدبير الشأن العام.
وربط هذه الصورة بما سماه التشويش على «إنجازاتهم الخارقة»، في انتقاد ساخر لمن يعتبر أنهم يقدمون حصيلتهم السياسية والتدبيرية بصورة إيجابية، بينما يرفضون، بحسب اتهامه، النقاش العمومي بشأن الفساد ومحاسبة المسؤولين.
ولا تثبت هذه التصريحات وجود خطة فعلية لإغلاق منصات التواصل الاجتماعي، كما لا تحدد أشخاصاً ثبت تورطهم في ممارسات الفساد، وإنما تعبر عن موقف حقوقي حاد تجاه جهات سياسية ومؤسساتية ينتقد الغلوسي اختياراتها.
وسبق لرئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام أن أثار مسألة التشريع ومحاربة الفساد في تدوينة نشرها خلال شتنبر الماضي، اتهم فيها جهات غير مسماة بـ«هندسة التشريع على المقاس»، وخص بالانتقاد المادتين الثالثة والسابعة من قانون المسطرة الجنائية.
اقرأ أيضاً | «هندسوا التشريع على المقاس».. الغلوسي يضع نخبة المال والسلطة أمام حساب الصندوق يوم 23 شتنبر
حماية المبلغين وتقاضي الجمعيات.. خلاف يتجاوز المادة الثالثة
تكتسب انتقادات الغلوسي بعداً إضافياً عند ربطها بالمادة السابعة من القانون نفسه، التي وضعت شروطاً خاصة لانتصاب الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة طرفاً مدنياً، من بينها الحصول على إذن بالتقاضي من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، واستيفاء شرط الأقدمية القانونية.
ويختلف هذا الإجراء عن تقديم معلومات أو تبليغات بشأن شبهات الفساد، إذ إن الانتصاب طرفاً مدنياً يمنح الجمعية وضعاً إجرائياً داخل الدعوى القضائية، بينما لا يعني مجرد تقديم تبليغ اكتساب الصفة نفسها.
وكانت الهيئة الوطنية للنزاهة قد انتقدت بدورها شرط الإذن الحكومي، محذرة في مذكرتها من احتمال تضارب المصالح عندما تتعلق القضية بمسؤولين مرتبطين بالسلطة التنفيذية التي تمنح الترخيص بالتقاضي.
ويضع الجمع بين المادتين الثالثة والسابعة إشكالين مختلفين أمام الفاعلين الحقوقيين، يتعلق الأول بالجهات المخول لها إطلاق مسطرة الأبحاث في جرائم المال العام، والثاني بالشروط التي تتيح للجمعيات المشاركة في المسار القضائي بصفتها طرفاً مدنياً.
اقرأ أيضاً | الملك أكد شراكة المجتمع المدني.. والمادة 7 تشترط إذن وزارة العدل لتقاضي الجمعيات.. ماذا ستغيّر المنصوري؟
وجدد الغلوسي مطالبته بحماية المبلغين عن الفساد بدلاً من التضييق عليهم أو ترهيبهم، معتبراً أن المحاربة الجدية للفساد لا تنفصل عن تمكين القضاء من أداء اختصاصاته وتعزيز دور المواطنين والمجتمع المدني في الكشف عن الاختلالات.
وتبقى فعالية القيود القانونية محل نقاش يحتاج إلى بيانات تطبيقية، تشمل عدد الإحالات التي قدمتها المؤسسات المخول لها ذلك، والمدة التي تستغرقها معالجتها، وعدد الملفات التي انتقلت فعلياً إلى البحث القضائي منذ دخول القانون حيز التنفيذ.
ويبرز من مقارنة تصريحات الغلوسي بالنص التشريعي ومذكرة هيئة النزاهة أن الخلاف لا يتعلق بشعار محاربة الفساد في حد ذاته، وإنما بمدى قدرة المسطرة المعتمدة على الجمع بين حماية الأشخاص من الشكايات الكيدية وضمان فعالية الأبحاث القضائية في الجرائم الماسة بالمال العام، وهي المسألة التي سبق أن طالبت المؤسسة الوطنية المختصة بمكافحة الفساد بمراجعتها قبل إقرار القانون.


