بقلم: قويدر عبد الرحيم
وجّه الكاتب والباحث إدريس الكنبوري، وفق نص تدوينة منسوبة إليه على موقع فيسبوك، انتقادات حادة إلى أداء عدد من الفرق البرلمانية المعارضة خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027، معتبراً أن بعض السياسيين يتقمصون أدوار المدافعين عن الفقراء والدولة الاجتماعية أمام الكاميرات، بينما تحيط بمسارات وصول بعضهم إلى البرلمان، بحسب اتهاماته، ممارسات تتعلق بشراء التزكيات والأصوات والإثراء غير المشروع، في موقف أعاد من خلاله طرح إشكالية العلاقة بين الخطاب الحزبي والممارسة السياسية.
وتأتي هذه الانتقادات بالتزامن مع المناقشة العامة لمشروع قانون المالية رقم 60.26، التي احتضنتها لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب يومي 28 و29 أكتوبر 2026، قبل برمجة الاستماع إلى جواب الحكومة والشروع في المناقشة التفصيلية يوم الجمعة 30 أكتوبر، وفق الجدول المنشور على الموقع الرسمي للمؤسسة التشريعية.
المصدر الرسمي | مجلس النواب – ملف مشروع قانون المالية لسنة 2027 وبرنامج مناقشته
الكنبوري يهاجم المعارضة ويتحدث عن «لصوص المال العام»
استهل الكنبوري انتقاداته، بحسب النص المنسوب إليه، بالتعبير عن استيائه من مشاهد تابعها خلال مداخلات فرق المعارضة، مستعملاً أوصافاً شديدة اللهجة في حق أطراف لم يسمها، من بينها «بعض الفراقشية ولصوص المال العام والمستفيدون من الإثراء غير المشروع»، قبل أن ينتقد ظهورهم مدافعين عن الفئات الاجتماعية المتضررة «بوجوه صلبة كالحديد».
وربط الباحث بين ما اعتبره فساداً في مسارات الوصول إلى المؤسسة التشريعية وبين الخطاب الذي يرفعه بعض المنتخبين داخلها، متحدثاً عن «شراء التزكيات وشراء الأصوات وتوزيع أموال كانت مطمورة يغطيها الغبار»، وهي اتهامات لم يرفقها النص المتاح بأسماء محددة أو وثائق تثبت وقوع تلك الأفعال.
وتظل هذه العبارات جزءاً من موقف سياسي منسوب إلى صاحبها، ولا تشكل إثباتاً لارتكاب جرائم مالية أو انتخابية من جانب أعضاء البرلمان، إذ تتطلب مساءلة أي شخص عن الرشوة الانتخابية أو الاختلاس أو الإثراء غير المشروع وقائع وأدلة محددة تخضع للفحص من طرف الجهات المختصة، مع احترام قرينة البراءة والضمانات القانونية.
وكان MarocActu24 قد تناول في تقرير سابق انتقادات وجهها الكنبوري إلى تبادل اتهامات الفساد بين السياسيين خلال الحملة الانتخابية، مع التمييز بين المحاسبة السياسية التي يمارسها الناخب والمساءلة القضائية عن الأفعال التي يجرمها القانون.
اقرأ أيضاً | اتهامات الفساد تلاحق الحملة الانتخابية.. والناخب أمام اختبار المحاسبة
التجمع الوطني للأحرار في مرمى الانتقادات
خصّ الكنبوري التجمع الوطني للأحرار بانتقادات ساخرة، بعدما انتقل الحزب من قيادة الحكومة خلال الولاية السابقة إلى صفوف المعارضة عقب الانتخابات التشريعية لشتنبر 2026، مستغرباً انتقاده لغلاء الأسعار بعد سنوات من تحمله مسؤولية تدبير الشأن الحكومي.
واعتبر أن تبدل الموقع السياسي بات ينعكس بصورة مباشرة على الخطاب الذي تتبناه الأحزاب، معبراً عن هذه الفكرة بالقول إن «الموقع يحدد لك الهوية السياسية لا الهوية السياسية هي التي تحدد لك الموقع»، قبل أن يعلق ساخراً على معارضة الأحرار للحكومة وحديثهم عن ارتفاع الأسعار.
غير أن انتقال الحزب إلى المعارضة لا يعني، في حد ذاته، وجود تناقض في جميع مواقفه، كما لا يلغي حقه في انتقاد مشروع المالية الجديد، وإنما يفتح المجال لمقارنة اعتراضاته الحالية بالقرارات التي اتخذتها الحكومة التي كان يقودها خلال الفترة السابقة.
وتظهر المواقف المعلنة للحزب أن اعتراضاته تضمنت قضايا اقتصادية محددة، إذ انتقد النائب كريم البوطاهري، خلال اجتماع لجنة المالية يوم 29 أكتوبر 2026، ما اعتبره غياب رؤية واضحة لخلق الثروة وقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للنفقات العمومية، ودعا إلى تعزيز فرص الاستثمار والتشغيل وتنمية العالم القروي.
المصدر الحزبي | التجمع الوطني للأحرار – مداخلة كريم البوطاهري بشأن مشروع مالية 2027
ويتقاطع النقاش بشأن انتقال الأحرار إلى المعارضة مع ملف الإثراء غير المشروع، بعدما دعا محمد أوجار، القيادي في الحزب ووزير العدل الأسبق، إلى تعزيز الآليات التشريعية لمحاربة الفساد، بينما تظهر وثائق مجلس النواب أن حكومة عزيز أخنوش سحبت سنة 2021 مشروع تعديل القانون الجنائي الذي تضمن مقتضيات لتجريم الإثراء غير المشروع.
وسبق لـMarocActu24 أن تناول هذا المسار التشريعي، موضحاً أن تعثر المشروع بدأ قبل حكومة أخنوش، وأن قرار السحب الصادر خلال ولايتها لم يتبعه اعتماد الجريمة المستقلة للإثراء غير المشروع، رغم التعهد الحكومي السابق بإعداد إصلاح شامل للقانون الجنائي.
اقرأ أيضاً | الأحرار يدعون لتجريم الإثراء غير المشروع.. وحكومة أخنوش سحبت مشروع قانونه قبل 5 سنوات!
مداخلات البرلمان بين الأرقام والاستعراض الإعلامي
انتقل الكنبوري إلى تقييم طريقة اشتغال الفرق النيابية، منتقداً ما وصفه بطغيان «القفشات وانعدام الجدية والتصنع» على بعض المداخلات، ومعتبراً أن السعي إلى تسجيل مواقف أمام الكاميرات أصبح، من وجهة نظره، حاضراً في جانب من الممارسة البرلمانية.
وأبدى في المقابل إشادة بمداخلات فريق العدالة والتنمية، مشيراً إلى استعماله الأرقام والمعطيات في مناقشة السياسات الحكومية وإلى انسجام مواقفه مع الخطاب السياسي للحزب، وهو تقييم يعكس موقف الكاتب من الأداء البرلماني ولا يغني عن فحص مضمون مداخلات مختلف الفرق على أساس الحجج والمعطيات التي قدمتها.
وتُظهر المواقف المعلنة لفريق العدالة والتنمية أن رئيسه إدريس الأزمي الإدريسي أثار، خلال مناقشة مالية 2027 يوم 28 أكتوبر، قضايا تتعلق بالمعاشات ودعم الفئات الاجتماعية الهشة والأمن الطاقي والقدرة الشرائية، ودعا إلى إعادة النظر في بعض الإجراءات الحكومية، من بينها آليات الدعم الاجتماعي وتسقيف أرباح شركات المحروقات.
المصدر الحزبي | العدالة والتنمية – مداخلة إدريس الأزمي بشأن مشروع قانون المالية 2027
وتكشف هذه المداخلات أن النقاش داخل لجنة المالية لم يقتصر على تبادل الانتقادات السياسية، بل شمل قضايا تتعلق بفرضيات الميزانية ونجاعة الإنفاق والسياسات الاجتماعية ومصادر التمويل، وهي عناصر يتيح الرجوع إلى محاضرها ووثائقها تقييم المواقف البرلمانية بعيداً عن الانطباعات المتعلقة بطريقة الأداء والخطاب.
«السياسة مسرحية».. انتقاد لتبدل الأدوار بعد الانتخابات
استحضر الكنبوري وصف بعض المغاربة للمشهد السياسي بأنه «مسرحية»، معتبراً أن هذا الانطباع يرتبط، في نظره، بتغير مواقف الأحزاب عندما تنتقل من الأغلبية إلى المعارضة أو بالعكس، وباختلاف الخطاب تبعاً للموقع الذي تحتله داخل المؤسسات.
واستعمل تشبيه المسرح للتعبير عن انتقاده لسلوك سياسي يراه قائماً على تقمص الأدوار، حيث يقدم الفاعلون خطاباً أثناء ممارسة السلطة ثم ينتقلون إلى خطاب آخر عندما يصبحون في موقع المعارضة.
ويقوم هذا التصور على قراءة نقدية من الكاتب لطبيعة التنافس الحزبي، لكنه لا يثبت بمفرده أن مواقف الأحزاب محددة مسبقاً أو أن جميع الفاعلين السياسيين يمارسون المعارضة بصورة شكلية، لأن تقييم ذلك يستلزم مقارنة البرامج والمواقف والتصويتات والممارسات الفعلية لكل حزب.
من شراء التزكيات إلى «هندسة الأغلبية والمعارضة»
وسّع الكنبوري انتقاداته لتشمل العملية الانتخابية وتشكيل التحالفات، معتبراً أن الإشكال لا يتوقف عند توزيع المقاعد البرلمانية، بل يمتد، بحسب قراءته، إلى الطريقة التي تتشكل بها الأغلبية والمعارضة بعد إعلان النتائج.
وتحدث عن اعتقاد بعض المواطنين بأن الانتخابات «مرسومة سلفاً»، قبل أن يطرح تصوراً يعتبر أن ما يسميه هندسة المشهد السياسي يستهدف أيضاً تحديد مواقع الأحزاب وإضعاف التمايز بين مواقفها، وصولاً إلى ما وصفه بـ«تمييع السياسة».
ولا يتضمن النص المتاح أدلة مستقلة تثبت وجود تدخل لتحديد نتائج الانتخابات أو تشكيل الأغلبية والمعارضة مسبقاً، ولذلك تبقى هذه القراءة موقفاً سياسياً منسوباً إلى الكنبوري، وليست واقعة مثبتة بشأن سلامة العملية الانتخابية أو شرعية المؤسسات المنبثقة عنها.
واختتم الكاتب موقفه بالإشارة إلى الفارق بين المدة القصيرة التي تستغرقها عملية الاقتراع وبين امتداد آثار نتائجها على الحياة السياسية خلال ولاية تشريعية كاملة، رابطاً بذلك انتقاداته للانتخابات وطريقة تشكل التحالفات وأداء المعارضة داخل البرلمان.
ويظل التمييز ضرورياً بين الوقائع البرلمانية التي يمكن الرجوع إلى وثائقها الرسمية، وبين التقييمات السياسية والاتهامات المرتبطة بالفساد الانتخابي، خصوصاً عندما لا تكون مصحوبة بأسماء أو معطيات قابلة للتحقق.


