بقلم: الإدريسي بلمومن

وجّه الباحث والكاتب إدريس الكنبوري انتقادات حادة إلى سلوك المسؤولين الحكوميين وعلاقتهم بالمناصب والمال العام، معتبراً أن القسم الذي يؤديه الوزراء أمام الملك محمد السادس قد يفقد قيمته عندما لا تقترن الالتزامات المعلنة بالنزاهة والمحاسبة.

وفي تدوينة ساخرة، ذهب إلى حد اقتراح نقل المسؤولين إلى الكعبة المشرفة لأداء القسم والمبيت فيها ثلاثة أيام، قبل أن يوجّه تحذيراً شديد اللهجة لمن يستولي على الأموال العمومية، مؤكداً أن «من يسرق من المال العام يأكل الحرام ويطعم أبناءه من حرام».

وجاءت انتقادات الكنبوري عقب تعيين الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، الجمعة 16 أكتوبر 2026، خلال مراسم ترأسها الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط، وأدى خلالها أعضاء الفريق الحكومي القسم أمام الملك، وفق البلاغ الرسمي الصادر بهذه المناسبة.

المصدر الرسمي | البوابة الوطنية للمملكة المغربية – تعيين أعضاء الحكومة الجديدة

واختار الكنبوري أن يستهل تدوينته بمفارقة لافتة بين القسم الذي يؤديه الوزراء وما يعتبره ممارسات لاحقة تتناقض مع الالتزامات المعلنة، قائلاً: «بعد تقديم أعضاء الحكومة أمام الملك يرددون القسم الدستوري بشكل جماعي وراء الحاجب الملكي بأن يكونوا مخلصين لدينهم ووطنهم وملكهم، وبعد أن يتفرقوا ينسى الكثيرون ذلك القسم ويبدأ التقسيم».

وصعّد انتقاداته بسخرية مباشرة من مدى جدية المسؤولين في الوفاء بالقسم، مضيفاً: «وتبعا لما وصلت إليه الأمور في المغرب يبدو أن أعضاء الحكومات والمسؤولين يجب نقلهم إلى الكعبة المشرفة لأداء القسم والمبيت فيها ثلاثة أيام».

وتعكس هذه العبارات تشكيك الكنبوري في فعالية الالتزامات الأخلاقية والدينية وحدها في ضبط ممارسة المسؤولية، إذ يرى أن أداء القسم لا يكفي لمنع التجاوزات ما لم ترافقه آليات قانونية ومؤسساتية للمراقبة والمحاسبة.

«القسم أمام الملك والشعب لا ينتج عنه أثر فعلي»

وفي انتقاده للفجوة بين التعهدات والممارسة، استحضر الكنبوري القول المأثور المنسوب إلى الخليفة عثمان بن عفان: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، معتبراً أن ضبط سلوك المسؤولين لا ينبغي أن يظل رهيناً بالوازع الديني، وإنما يجب أن يستند إلى سلطة القانون.

وكتب: «وقد بينت التجارب أن القسم أمام الملك والشعب لا ينتج عنه أثر فعلي، كما أن الدولة الحديثة تعتمد على القانون والمحاسبة، أما القسم الدستوري فقد يتحول إلى مجرد نشيد».

واعتبر الكنبوري أن هذه الفكرة تجد جذورها في التاريخ السياسي الإسلامي، رافضاً التصور الذي ينفي معرفة المسلمين بمبادئ الدولة والقانون، ومؤكداً أن الاحتكام إلى السلطة والقواعد الملزمة لم يكن غائباً عن تجارب الحكم القديمة.

ويجد مبدأ المحاسبة الذي يستحضره الكنبوري سنداً في الدستور المغربي، إذ ينص الفصل الأول على ربط المسؤولية بالمحاسبة باعتباره أحد أسس النظام الدستوري، فيما يلزم الفصل 156 المرافق العمومية بتقديم الحساب عن تدبير الأموال العمومية والخضوع للمراقبة والتقييم.

المصدر الرسمي | دستور المملكة المغربية – ربط المسؤولية بالمحاسبة والفصول 147 و156 و158

«من يسرق من المال العام يأكل الحرام ويطعم أبناءه من حرام»

وبعبارات أكثر حدة، انتقل الكنبوري إلى التحذير من الاستيلاء على المال العام، رابطاً بين الفساد وتبعاته الدينية والأخلاقية على المسؤول الذي يخل بالتزاماته.

وقال: «وإذا كان المسؤولون يرددون القسم الدستوري ويقسمون بالله فينتج عن ذلك منطقيا أن من يسرق من المال العام يأكل الحرام ويطعم أبناءه من حرام ويعيش من حرام ويغذى من حرام وينام على الحرام ويتغطى بالحرام».

واستحضر في السياق نفسه قوله تعالى: «وإنه لقسم لو تعلمون عظيم»، في تأكيد منه على جسامة القسم بالله وما يرتبه، من وجهة نظره، من مسؤولية تتجاوز حدود المنصب.

وتندرج هذه العبارات ضمن موقف أخلاقي عام من الاعتداء على الأموال العمومية، ولا تتضمن اتهاماً محدداً أو دليلاً على تورط أحد أعضاء الحكومة الجديدة في الاختلاس أو الفساد.

غير أن الكنبوري يضع من خلالها قضية المال العام في قلب النقاش حول المسؤولية الحكومية، معتبراً أن خيانة الأمانة لا تقتصر آثارها على مخالفة القانون، بل تشمل أيضاً الجانب الديني والأخلاقي من حياة من يرتكبها.

وكان MarocActu24 قد تناول في مادة سابقة انتقادات الكنبوري للعلاقة بين المال والحكم، حين وجّه انتقادات حادة إلى تجربة عزيز أخنوش، معتبراً أن الجمع بين النفوذ الاقتصادي والسلطة السياسية يطرح أسئلة بشأن تضارب المصالح والمحاسبة.

اقرأ أيضاً | «خمس سنوات من الافتراس».. الكنبوري يفتح جبهة المال والحكم في وجه أخنوش

سباق الحقائب الوزارية.. «لو استحضروا يوم الحساب لقل السباق»

ولم يفصل الكنبوري انتقاداته للمال العام عن التنافس على المناصب الحكومية، إذ اعتبر أن التسابق على الحقائب الوزارية يثير أسئلة بشأن إدراك بعض المسؤولين لحجم الأمانة التي يتحملونها.

وكتب: «ولكن عندما نرى التسابق على الحقائب والركض خلف الوزارات ندرك كم أن المسؤولين يستهترون بالقسم ولا يعرفون ماذا ينتظرهم».

وأضاف محذراً من الحساب الأخروي: «ولو استحضروا يوما تلتف فيه الساق بالساق حين يكون إلى ربهم المساق لقل السباق».

ويكتسب هذا الانتقاد بعداً سياسياً في سياق تشكيل الحكومة الجديدة، التي ضمت وجوهاً استمرت في تحمل مسؤوليات وزارية إلى جانب أسماء عادت إلى الجهاز التنفيذي وأخرى التحقت به، ما يعيد إلى الواجهة النقاش بشأن معايير اختيار الوزراء وتقييم حصيلة المسؤولين السابقين.

اقرأ أيضاً | 32 عضواً في حكومة المنصوري.. لقجع على رأس المالية ورحو للذكاء الاصطناعي و7 نساء فقط!

ولا يقدم الكنبوري في تدوينته وقائع محددة تثبت أن التنافس على المناصب ارتبط بمخالفات قانونية، لكنه ينتقد ما يعتبره تحول المسؤولية من تكليف ثقيل إلى موقع يتسابق السياسيون للوصول إليه.

«كان بالمغرب رجال يفرون من المناصب».. مقارنة بين الماضي والحاضر

واستحضر الكنبوري ما ورد في كتب التراجم عن شخصيات مغربية كانت ترفض تقلد المناصب، بل وتغادر مدنها لتجنب تحمل المسؤولية، خاصة منصب القضاء.

وقال: «وقرأت في كتب الرجال والتراجم أنه كان بالمغرب رجال يفرون خارج المدينة عندما تعرض عليهم المناصب، وكان بعضهم يرد في وجه السلطان طلبه بتولي المسؤولية خصوصا القضاء وما أدراك ما القضاء ثم ما أدراك ما القضاء ثم ما أدراك ما القضاء».

وتوقف عند خطورة القضاء باعتباره مسؤولية تتصل مباشرة بحقوق الناس ومصالحهم، قبل أن يوسع هذا المعنى ليشمل مختلف المناصب في الدولة الحديثة.

وأضاف: «وقد أصبح كل شيء قضاء في الدولة الحديثة لأن كل مسؤول يتولى حوائج الناس».

ويستند هذا التصور إلى أن القرارات المتخذة داخل المؤسسات العمومية قد تؤثر بصورة مباشرة في حياة المواطنين وحقوقهم، سواء تعلق الأمر بالصحة أو التعليم أو السكن أو تدبير الميزانيات والصفقات العمومية.

وفي هذا الإطار، ينص الفصل 158 من الدستور المغربي على إلزام كل شخص منتخب أو معين يمارس مسؤولية عمومية بتقديم تصريح كتابي بممتلكاته وأصوله، وفق الكيفيات التي يحددها القانون، عند تسلمه مهامه وخلال ممارستها وعند انتهائها.

كما يسند الفصل 147 إلى المجلس الأعلى للحسابات مهمة مراقبة المالية العمومية وتتبع التصريحات بالممتلكات، بما يجعل الرقابة على المسؤولين جزءاً من المنظومة الدستورية، وليس مجرد التزام أخلاقي يترتب على أداء القسم.

واختتم الكنبوري تدوينته بعبارة مقتضبة تحمل نبرة استياء: «ولكننا بلغنا أجلا».

وبين سخريته من القسم، وتحذيره من أكل المال الحرام، وانتقاده التسابق على الحقائب الوزارية، يبرز سؤال المحاسبة باعتباره جوهر موقف الكنبوري: هل تكفي التعهدات التي يرددها المسؤولون خلال مراسم التعيين، أم أن قيمة تلك التعهدات لا تُقاس إلا بما يكشفه تدبيرهم للشأن العام، وبمدى خضوعهم للمساءلة عندما يثبت الإخلال بواجباتهم؟

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version