بقلم: الحيداوي عبد الفتاح
يطرح كثيرون في المغرب اليوم سؤال الموجة الاحتجاجية المقبلة، ولا يطرحونه انطلاقا من حدث واحد، بل من إحساس بأن الغضب يتراكم في أكثر من مكان ولأسباب مختلفة.
بيوت تهدم في الرباط والدار البيضاء، وأسر تنقل إلى الأطراف بتعويضات تراها غير كافية، وشباب أنهوا دراستهم ولم يجدوا عملا، وطلبة وموظفون يعترضون على رسوم جديدة في الجامعة العمومية، وجزء من المجتمع لم يتصالح قط مع قرار التطبيع مع إسرائيل.
السؤال المهم هنا ليس هل هناك غضب، فهذا ثابت، بل هل يستطيع هذا الغضب المتفرق أن يتحول إلى حركة واحدة.
الجواب الأقرب إلى الواقع أن المغرب أمام احتجاج متعدد المراكز، وأن الانتقال من هذا الوضع إلى موجة وطنية جامعة ممكن لكنه غير حتمي.
وهذه الخلاصة لا تهدئ المخاوف ولا تضخمها، فهي تقرأ أحوال البلد كما هي بلا إنكار ولا مبالغة.
لنبدأ من خريف 2025. حين خرج شباب (جيل زد 212) بعد فضيحة المستشفيات، لم يكن مطلبهم سياسيا بالمعنى الحزبي. كانوا يطالبون بمستشفى يعالج ومدرسة تعلم.
غير أن هذا المطلب البسيط فتح باب أسئلة أكبر عن أولويات الإنفاق العام، وعن المحاسبة، وعن العلاقة بين المال الذي يصرف على الملاعب والمنشآت الكبرى وما يصل إلى الخدمات اليومية.
ثم انكشف في ذلك الحراك وجهان، قدرة سريعة على الحشد عبر منصات لا تحتاج إلى مقرات ولا زعماء، وعجز عن الاستمرار والتفاوض بعد انحسار الزخم.
وتحدثت تقارير عن اعتقالات واسعة، أما استجابة الدولة المالية، برفع ميزانية الصحة والتعليم، فلم تنه المسألة، لأن الثقة لا تستعاد بالأرقام وحدها بل بما يلمسه المواطن في المستشفى والقسم الدراسي.
اقرأ أيضاً | تقرير حقوقي: اعتقالات «واهية» وأحكام «سياسية» تطال شباب جيل زد
وفي موازاة هذا الحراك الشبابي، تتسع ساحة أخرى أكثر التصاقا بالأرض، هي ساحة الهدم والإخلاء. ما جرى في حي المحيط بالرباط لا يشبه المظاهرة الكبيرة. إنه نزاع يومي بين أسرة وجرافة، وبين ساكن وقرار نزع ملكية لم يفهم أسبابه ولا مواعيده.
الرواية الرسمية تتحدث عن مبان آيلة للسقوط وسلامة عامة وتهيئة حضرية، والسكان يتحدثون عن تعويض لا يكفي لشراء شقة بديلة في الحي نفسه، وعن إجراءات ضبابية وقرارات لا يعرفونها إلا حين تصلهم الإنذارات.
والتقديرات الصادرة عن مصادر محلية وصحفية وحقوقية تتفاوت كثيرا في عدد الأسر المتضررة، ولا ينبغي جمعها في رقم واحد، لكنها كلها تقول إن الأمر تجاوز ملفا عقاريا معزولا. وأخطر ما في هذه القضية أنها تمس الكرامة قبل الملكية.
فحين يشعر الإنسان أنه يقتلع من بيته دون أن يستشار ودون أن يملك طريقا فعليا للطعن، تتحول القضية من تعويض مالي إلى شعور بالإهانة، وهو الشعور الذي ظل يعبر عنه المغاربة بكلمة (الحكرة).
ومن هذه الكلمة بالذات خرجت في تاريخ البلاد أكبر لحظاتها الاحتجاجية.
اقرأ أيضاً | مفارقة في الرباط: ثاني أروع حي في العالم.. «المحيط» تحت ضغط الهدم وإعادة التهيئة
ويضيف ملف التطبيع طبقة ثالثة مختلفة في طبيعتها. فهو لا يتصل بالخبز ولا بالسكن، بل بالهوية والموقف من فلسطين، ولهذا يجمع فئات لا تلتقي عادة، إسلاميين ويساريين وقوميين وحقوقيين وشبابا لا ينتمون إلى أحد.
ومنذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023 ظلت الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع تنظم مسيرات ووقفات متواصلة، ورفعت بعض هذه المسيرات مطلب إسقاط التطبيع صراحة.
لكن العلاقة بين هذا الملف وإمكان الانفجار الاجتماعي أعقد مما يبدو. فالتطبيع قرار سيادي استراتيجي ارتبط في حسابات الدولة بملف الصحراء، وهذا الارتباط يمنحه غطاء داخليا لدى شريحة من الرأي العام تعتبر قضية الوحدة الترابية أولوية عليا.
ثم إن السلطات تعاملت مع هذه التعبئة بمنطق الاحتواء، فهي تسمح بالتظاهر في أحيان وتمنعه في أخرى. ومن ذلك أن والي طنجة أصدر قرارا بمنع وقفة للجبهة في 20 يونيو 2026 استنادا إلى ظهير التجمعات العمومية لعام 1958. وهذا النوع من المنع يغذي الإحساس بأن التعبير عن الموقف من فلسطين صار مقيدا، لكنه في الوقت نفسه يدل على أن الدولة ما زالت تملك أدوات الضبط.
والحاصل أن التطبيع يعمل في الغالب كمخزون غضب ورصيد تعبئة جاهز، أكثر مما يعمل كشرارة بحد ذاته. فهو يضاعف أثر أي أزمة أخرى ولا يكفي وحده لإشعال موجة كبرى، إلا إذا اقترن بحدث إقليمي صادم يعيد الملف إلى واجهة الشارع بقوة.
المصدر | قرار سلطات طنجة بمنع وقفة الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع – العمق المغربي
ومن أهم ما يقوله الواقع المغربي أن الصمت ليس رضا، فانتخابات سبتمبر 2026 سجلت مشاركة معلنة تقارب 38 في المئة مقابل نحو 50 في المئة قبل خمس سنوات، ولم يتجاوز عدد المسجلين في اللوائح نحو 15.8 مليونا من أصل ما يقارب 27 مليونا في سن التصويت.
اقرأ أيضاً | اليسار الجديد المتجدد ينتقد انتخابات 23 شتنبر بعد مشاركة 38.08%
وتبين استطلاعات الرأي أن شريحة من الشباب تفكر بجدية في الهجرة. لكن لايجب ان تقرا هذه الأرقام على أنها احتجاج واع، فالعزوف قد يكون يأسا أو لامبالاة أو عوائق تسجيل.
المؤكد أنه يدل على أن القنوات الرسمية للتعبير فقدت جزءا من جاذبيتها. وحين تضعف هذه القنوات، لا يختفي الغضب، بل يبحث عن مسارات أخرى، مقاطعة اقتصادية كما حدث سنة 2018، أو حملة رقمية، أو وقفة أمام مؤسسة محلية.
المصدر الرسمي | وزارة الداخلية تعلن نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية لسنة 2026
اقرأ أيضاً | المنصوري على رأس الحكومة.. عزوف سياسي يتجاوز 61% ورهان استثماري بـ19 ألف مليار سنتيم
حراك اجتماعي جديد بالمغرب.. 5 ملفات تغذي الغضب
تتوقف إمكانية تحول هذه المظالم الاجتماعية المتفرقة إلى حراك واسع، ليس بالضرورة على حجمها أو حدتها، بل على تفاعل ثلاثة عناصر أساسية.
يتمثل العنصر الأول في ظهور حدث صادم أو واقعة كاشفة تختزل معاناة فئات متعددة، وتجعل كل فئة ترى في مظلمة الآخرين امتدادًا لمشكلاتها الخاصة؛ وهو ما تجلى في وفاة محسن فكري سنة 2016، التي شكلت شرارة لحراك الريف، كما برز في النقاشات التي أثارتها فضيحة المستشفيات سنة 2025.
أما العنصر الثاني، فيرتبط بقدرة الفاعلين الشباب على صياغة خطاب مشترك يتجاوز الانتماءات الأيديولوجية، ويلتقي حول مطالب الكرامة والعدالة الاجتماعية والحق في الخدمات العمومية والمساءلة، وهي إحدى السمات التي ظهرت، وإن بصورة جزئية، في تحركات جيل زد.
ويكمن العنصر الثالث في طبيعة تعامل الدولة مع الاحتجاجات، إذ تبين التجربة المغربية أن تجاهل المطالب أو اللجوء إلى ردود أمنية غير متناسبة قد يسهم في توسيع دائرة الاحتجاج، بينما تتيح الاستجابة السريعة والملموسة احتواءه وتقليص امتداداته.
غير أن الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من الحراك الأخير هو أن المعالجة المالية وحدها، خصوصا إذا جاءت متأخرة، لا تكفي لاستعادة الثقة، ما لم تترافق مع إصلاحات واضحة، وإجراءات يلمسها المواطن في حياته اليومية، ومحاسبة فعلية للمسؤولين عن الاختلالات.
وللاحتجاج نفسه حدوده، فالأحياء المهدومة متفرقة جغرافيا ومتباينة المصالح، فبعض السكان يريدون البقاء وبعضهم يقبل الانتقال إن حصل على تعويض عادل.
والمحتجون على الرسوم الجامعية فئة محددة، لا كل الطلبة. وأنصار مناهضة التطبيع لا يحشدون خارج قاعدتهم المعروفة إلا في لحظات الصدمة الكبرى. وهذا التفتت هو بالضبط ما يحمي الاستقرار الظاهر اليوم.
لهذا أرى أن الاحتمال الأرجح في الأشهر والسنة المقبلة هو استمرار احتجاجات محلية وقطاعية متقطعة، تتصاعد حينا وتخبو حينا، وتتقاطع رقميا لفترات قصيرة دون أن تنتظم في حركة واحدة.
أما الموجة الوطنية الكبرى فتبقى احتمالا أقل ترجيحا لكنه أعلى أثرا، وتتحقق بتزامن ثلاثة أشياء، حدث صادم في الصحة أو التعليم أو واقعة إخلاء مأساوية، وأزمة أسعار أو معيشة تمس شرائح واسعة، وخطاب موحد يربط السكن والعمل والخدمات والكرامة.
وإذا انضاف إلى ذلك تطور إقليمي يعيد فلسطين والتطبيع إلى صدارة الشارع، فإن أثر التراكم يتضاعف، وهناك سيناريو ثالث لا يقل أهمية، هو الهدوء الظاهر المصحوب بانسحاب متزايد، عزوف وهجرة وانكفاء وفقدان للثقة، وهو لا يكلف الدولة شيئا في المدى القصير لكنه يحرمها من أي إنذار مبكر قبل أن تقع المفاجأة.
الخلاصة أن المغرب ليس على حافة انفجار وشيك، ولا هو بمنأى عن الاضطراب. الغضب موجود وموثق ومتعدد المصادر، لكن شروط تحوله إلى حركة جامعة ما زالت ناقصة.
وما يبقي الباب مفتوحا في الاتجاهين هو سلوك السلطة نفسها. فنشر مخططات الهدم، وإنصاف المتضررين قبل الإخلاء، وشفافية الرسوم الجامعية، وتحويل الميزانيات إلى خدمات يلمسها الناس، كلها خطوات تنزع بها فتائل التوتر قبل أن تشتعل.
أما الاكتفاء بالمنع والتجاهل وانتظار انحسار الغضب، فقد يؤجل المشكلة ولا يحلها، والتجربة المغربية نفسها تقول إن اللحظات الكبرى لا تأتي حين تتوقعها الأجهزة، بل حين تتراكم الحكرة حتى يأتي حدث صغير فيصبح هو الشرارة.
