بقلم: قويدر عبد الرحيم
دخلت حكومة المنصوري مرحلة جديدة عقب تعيين أعضائها، الجمعة 16 أكتوبر 2026، بعدما وضعت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري الانسجام بين الأحزاب الأربعة المشكلة للأغلبية في صدارة رهاناتها، متعهدة بتقديم برنامج يستجيب لانتظارات المغاربة، دون أن يتضمن تصريحها الأول تفاصيل الإجراءات أو كلفتها المالية أو الآجال المحددة لتنفيذها.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية سياسية بالنظر إلى التركيبة البرلمانية للأغلبية الجديدة، التي تمتلك أحزابها مجتمعة 207 مقاعد من أصل 395 بمجلس النواب، أي بفارق تسعة مقاعد فوق عتبة الأغلبية المطلقة المطلوبة لتنصيب الحكومة، والمحددة في 198 صوتاً.
وجاء تصريح المنصوري عقب ترؤس الملك محمد السادس، الجمعة 16 أكتوبر 2026 بالقصر الملكي بالرباط، مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة، في محطة أنهت مشاورات تشكيل الفريق الوزاري وفتحت المسار الدستوري المؤدي إلى عرض البرنامج الحكومي أمام البرلمان.
المصدر الرسمي | البوابة الوطنية للمملكة المغربية – تعيين أعضاء الحكومة الجديدة
وأكدت رئيسة الحكومة أن التشكيلة الجديدة تجمع أربعة أحزاب سياسية سبق لها الاشتغال من مواقع مختلفة، لكنها تتقاطع، بحسب تعبيرها، في المرجعيات والبرامج، وهو ما أتاح التوصل إلى أرضية مشتركة لإعداد برنامج حكومي طموح.
ويتعلق الأمر بحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر الانتخابات التشريعية بـ97 مقعداً، وحزب الاستقلال بـ65 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية بـ19 مقعداً.
وكانت هذه الأحزاب قد أعلنت اتفاقها على تشكيل الأغلبية الحكومية مساء الاثنين 12 أكتوبر، عقب مشاورات سياسية قادتها المنصوري منذ تكليفها بتشكيل الحكومة يوم 29 شتنبر الماضي.
غير أن الانتقال من إعلان التقارب السياسي إلى تشكيل حكومة منسجمة لا يحسم، بمفرده، طبيعة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية التي ستعتمدها الأغلبية، خصوصاً في الملفات التي تختلف بشأنها تصورات الأحزاب وبرامجها الانتخابية.
وسبق لموقع MarocActu24 أن تناول التحول في موقف حزب التقدم والاشتراكية، بعدما انتقل أمينه العام محمد نبيل بنعبد الله من الدعوة إلى التصويت العقابي ضد أحزاب الحكومة السابقة إلى الحديث عن وجود نقاط التقاء مع الأصالة والمعاصرة خلال المشاورات.
اقرأ أيضاً | 10 أيام بين «التصويت العقابي» و«نقاط الالتقاء».. بنعبد الله يترك باب حكومة المنصوري مفتوحاً
حكومة المنصوري.. ماذا وراء وعود الانسجام والبرنامج الطموح؟
أبرزت فاطمة الزهراء المنصوري أن الفريق الحكومي الجديد يضم كفاءات تتوفر على الخبرة في تدبير الشأن العام، إلى جانب تمثيلية نسائية وحضور للشباب، معتبرة أن هذه الخصائص تساعد الحكومة على مواجهة التحديات المطروحة.
وأوضحت أن البرنامج الحكومي المنتظر سيستند إلى الأولويات والتوجيهات الملكية، خصوصاً ما ورد في خطاب العرش وخطاب افتتاح السنة التشريعية، مع العمل على تقديم إجابات عملية عن انتظارات المواطنات والمواطنين.
لكن التصريحات المعلنة لم تتضمن تحديداً للإجراءات التي تعتزم الحكومة اعتمادها في ملفات التشغيل والقدرة الشرائية والتعليم والصحة، كما لم تكشف عن الاعتمادات المالية اللازمة أو الجدول الزمني المرتقب لتنفيذ التعهدات.
ويظل هذا التمييز ضرورياً بين الإعلان عن النوايا السياسية والالتزامات التنفيذية، إذ إن الحديث عن برنامج طموح لا يسمح، في غياب وثيقة تفصيلية، بتقييم مدى قابليته للتنفيذ أو قياس أثره المحتمل على الوضع الاقتصادي والاجتماعي.
وتكشف التعيينات الوزارية الجديدة عن توزيع المسؤوليات على قطاعات ذات صلة مباشرة بهذه الانتظارات، بعدما أسندت وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية إلى فوزي لقجع، ووزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل إلى نبيل بنعبد الله.
كما تولى يونس بجيجو وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، فيما أسندت وزارة التشغيل والحوار الاجتماعي إلى عبد الرحيم شهيد، وهي حقائب سيكون أداؤها من بين المؤشرات الأساسية لقياس قدرة الحكومة على تحويل برنامجها إلى نتائج.
207 مقاعد مقابل 198 صوتاً.. اختبار الثقة البرلمانية
من الناحية الدستورية، لا يشكل تعيين أعضاء الحكومة نهاية مسطرة التنصيب، إذ ينص الفصل 88 من الدستور المغربي على تقدم رئيس الحكومة أمام مجلسي البرلمان مجتمعين لعرض البرنامج الذي تعتزم تطبيقه.
ويتعين أن يتضمن البرنامج الخطوط الرئيسية للعمل الحكومي في مختلف المجالات، خصوصاً الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية، قبل مناقشته أمام المجلسين وإخضاعه للتصويت في مجلس النواب.
وتعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، ما يعني أن حكومة المنصوري تحتاج إلى تأييد 198 نائباً على الأقل، بينما يبلغ مجموع مقاعد الأحزاب الأربعة المكونة لأغلبيتها 207 مقاعد.
ولا يعني توفر هذا العدد أن نتيجة التصويت محسومة سلفاً، لأن الثقة ترتبط بالتصويت الفعلي للنواب على البرنامج الحكومي، وليس بمجرد إعلان الانتماء إلى التحالف.
المرجع القانوني الرسمي | دستور المملكة المغربية – الفصل 88
ويأتي هذا الاختبار بعد أيام من انتخاب أحمد التويزي، مرشح الأصالة والمعاصرة، رئيساً لمجلس النواب بـ220 صوتاً، أي بأكثر من مجموع مقاعد الأغلبية الحكومية بثلاثة عشر صوتاً على الأقل.
وكان MarocActu24 قد تناول نتائج ذلك الاقتراع، الذي سجل أيضاً 90 ورقة ملغاة، مع توضيح أن سرية التصويت لا تسمح بتحديد الانتماءات الحزبية لأصحاب تلك الأوراق أو الجزم بدلالاتها السياسية.
ولا يمكن اعتبار نتيجة انتخاب رئيس مجلس النواب ضمانة مسبقة للتصويت على البرنامج الحكومي، نظراً لاختلاف طبيعة الاستحقاقين وسياقهما.
اقرأ أيضاً | 90 ورقة ملغاة في انتخاب التويزي.. 13 صوتاً من خارج الأغلبية واحتجاج داخل البرلمان!
رهانات اجتماعية تنتظر إجابات قابلة للقياس
تواجه الحكومة الجديدة ملفات ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين، في مقدمتها التشغيل وتحسين القدرة الشرائية وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، إلى جانب تشجيع الاستثمار وتقليص التفاوتات المجالية.
وتزداد أهمية هذه التحديات في ضوء الانتظارات التي رافقت الانتخابات التشريعية الأخيرة، وما أفرزته من تغيير في قيادة الجهاز التنفيذي وتركيبة الأغلبية الحكومية.
وبينما تراهن المنصوري على الخبرة والانسجام داخل الفريق الحكومي الجديد، سيكون تحديد الأولويات المالية والبرامج القطاعية وآليات التنفيذ عنصراً حاسماً في تقييم مضمون التعهدات المعلنة.
كما سيتيح عرض البرنامج أمام البرلمان اختبار مدى توافق الأحزاب الأربعة حول إجراءات محددة، بدل الاكتفاء بالإعلان عن التقارب السياسي والمرجعيات المشتركة.
وشددت رئيسة الحكومة، في تصريحها عقب مراسم التعيين، على أهمية الجدية والمسؤولية في العمل الحكومي المقبل، معربة عن تفاؤلها بقدرة الفريق الجديد على الاستجابة لتطلعات المغاربة.
ومع ذلك، فإن نجاح حكومة المنصوري لن يتحدد فقط بعدد المقاعد التي تضمن لها الأغلبية أو بحصول برنامجها على الثقة البرلمانية، بل بمدى وضوح الالتزامات التي ستقدمها، وإمكانية تتبع تنفيذها وقياس أثرها على المواطنين.
وبذلك ينتقل الاختبار من تشكيل أغلبية تضم أربعة أحزاب و207 مقاعد إلى مضمون البرنامج الحكومي نفسه، حيث ستصبح الأرقام والآجال والنتائج المنتظرة المعيار العملي للحكم على الوعود السياسية التي أعلنتها المنصوري في أول تصريح بعد تعيين حكومتها.
