بقلم: الإدريسي بلمومن
حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجييفا، من المخاطر التي يطرحها الاعتماد المتزايد على طفرة استثمارات الذكاء الاصطناعي لدعم النمو العالمي، مشبهة الرهان على محرك اقتصادي واحد بالوقوف على رجل واحدة، في وقت كشفت فيه منظمة العمل الدولية أن مكاسب الإنتاجية لا تصل دائماً إلى أجور العاملين، وأن نحو 2.1 مليار شخص ما زالوا يشتغلون في وظائف غير منظمة.
وجاء تحذير جورجييفا،اليوم السبت 17 أكتوبر 2026، خلال إحاطة صحفية في ختام اجتماعات اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية بالعاصمة التايلاندية بانكوك، بينما وردت معطيات منظمة العمل في بيان رسمي أصدره مديرها العام، جيلبرت هونغبو، يوم 12 أكتوبر، بمناسبة الاجتماعات السنوية لصندوق النقد ومجموعة البنك الدولي.
وتضع الوثيقتان الاقتصاد العالمي أمام تحديين مختلفين ومترابطين: أولهما هشاشة النمو عندما يزداد اعتماده على قطاع تكنولوجي واحد، وثانيهما قدرة العمال والمقاولات الصغيرة والاقتصادات النامية على الاستفادة من الثروة الإضافية التي تولدها التكنولوجيا.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية إضافية بعدما خفض صندوق النقد توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي إلى 3.1 في المائة خلال سنة 2026، مقابل توقعات بارتفاعه إلى 3.4 في المائة سنة 2027، في ظل استمرار الضغوط الناتجة عن أسعار الطاقة والمواد الأولية والتوترات الجيوسياسية.
المصدر الرسمي | صندوق النقد الدولي – إحاطة اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، 17 أكتوبر 2026
الذكاء الاصطناعي والنمو العالمي.. لماذا حذرت جورجييفا من «رجل واحدة»؟
اختارت كريستالينا جورجييفا تشبيهاً لافتاً خلال حديثها عن الآفاق الاقتصادية الدولية، بعدما اعتبرت أن الاعتماد المفرط على طفرة الذكاء الاصطناعي يجعل النمو معرضاً لمخاطر التركيز في مصدر واحد.
وأوضحت أن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدولي شهدت مزيجاً من التفاؤل والقلق.
فمن جهة، أظهرت الاقتصادات العالمية قدرة على الصمود أمام الصدمات، فيما شكلت الدينامية الاقتصادية في آسيا والتوسع السريع لاستثمارات الذكاء الاصطناعي مصدرين رئيسيين للتفاؤل.
ومن جهة أخرى، تواصل مستويات الدين المرتفعة والتضخم والمخاطر المناخية فرض ضغوط على النشاط الاقتصادي.
وحذرت جورجييفا من أن الطفرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أصبحت مصدراً أساسياً لدعم النمو، معتبرة أن الاعتماد الكبير على محرك واحد يشبه الوقوف على رجل واحدة.
ولا يعني هذا التصريح أن صندوق النقد يتوقع انهيار قطاع الذكاء الاصطناعي أو توقف الاستثمارات التكنولوجية، وإنما يعكس القلق من احتمال تأثر النشاط الاقتصادي إذا تراجعت التوقعات المرتبطة بعوائد هذه الاستثمارات.
وشددت المديرة العامة للصندوق على سرعة تطور التكنولوجيا، معتبرة أن القرارات التي يتخذها صناع السياسات اليوم ستحدد كيفية الاستفادة منها ومواجهة مخاطرها.
ودعت إلى وضع ضمانات تحمي الأفراد والمقاولات والاقتصادات، وإلى تعزيز التعاون بين الحكومات والشركات المطورة للذكاء الاصطناعي والفاعلين الآخرين.
وفي الإحاطة نفسها، حذر وزير المالية السعودي محمد الجدعان، رئيس اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، من أن التكنولوجيا قد توسع الفوارق الاقتصادية رغم قدرتها على تحسين الإنتاجية.
وأشار إلى أن هذه المخاطر تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى البلدان منخفضة الدخل والدول الهشة، التي قد تواجه صعوبات أكبر في تمويل التحول التكنولوجي والاستفادة منه.
3.1% نمو عالمي.. طفرة التكنولوجيا تواجه صدمة الطاقة
تكشف توقعات صندوق النقد الدولي الصادرة يوم 13 أكتوبر 2026 أن الاقتصاد العالمي يواجه تأثير قوتين متعاكستين.
تتمثل الأولى في ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية نتيجة التوترات والحرب في الشرق الأوسط، بما يرفع تكاليف الإنتاج ويضغط على القدرة الشرائية والنشاط الاقتصادي.
أما الثانية، فتتمثل في زيادة الطلب والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، التي تدعم التجارة والاستثمار والنشاط في الاقتصادات المرتبطة بسلاسل القيمة التكنولوجية.
ووفق تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، يتوقع الصندوق تسجيل نمو بنسبة 3.1 في المائة خلال سنة 2026، قبل ارتفاعه إلى 3.4 في المائة سنة 2027.
كما يتوقع ارتفاع التضخم العالمي إلى 4.7 في المائة خلال السنة الجارية، قبل تراجعه إلى 4.1 في المائة سنة 2027.
لكن هذه المؤشرات الإجمالية تخفي تفاوتات واضحة بين الاقتصادات.
فالبلدان الأكثر اندماجاً في سلاسل إنتاج التكنولوجيا المتقدمة تستفيد من الطلب المرتبط بمراكز البيانات والرقائق الإلكترونية والبنيات التحتية الرقمية.
في المقابل، تواجه اقتصادات أخرى، خصوصاً المستوردة للطاقة والأقل اندماجاً في سلاسل التكنولوجيا، ضغوطاً متزامنة على كلفة الواردات والاستثمار والنمو.
ويحذر صندوق النقد من احتمال تراجع توقعات المستثمرين بشأن عوائد الذكاء الاصطناعي، بما قد يؤدي إلى إعادة تقييم بعض الأصول والاستثمارات المرتبطة بالقطاع.
ولا تشكل هذه المخاطر سيناريو حتمياً، إذ يشير الصندوق كذلك إلى إمكانية تحقيق مكاسب إنتاجية أكبر إذا انتشرت تطبيقات الذكاء الاصطناعي بصورة أسرع ورفعت كفاءة المؤسسات والقطاعات الاقتصادية.
المصدر الرسمي | صندوق النقد الدولي – تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، أكتوبر 2026
منظمة العمل الدولية.. الإنتاجية ترتفع والأجور لا تواكبها دائماً
في الجانب الاجتماعي، تقدم منظمة العمل الدولية قراءة مختلفة لمخاطر التحول الاقتصادي، تركز على توزيع مكاسب الإنتاجية بين رأس المال والعمل.
ففي بيان أصدره مديرها العام، جيلبرت هونغبو، يوم 12 أكتوبر 2026، أكدت المنظمة أن ارتفاع إنتاجية العمل عالمياً خلال العقدين الماضيين لم يكن مصحوباً دائماً بتحسن موازٍ في مداخيل العاملين.
وسجلت أن الاقتصادات متوسطة الدخل حققت تقدماً مهماً في الإنتاجية، مدفوعاً بصورة خاصة بالأداء الاقتصادي للصين والهند.
لكن البلدان منخفضة الدخل ما زالت تعاني فجوات كبيرة في الإنتاجية، فيما بقيت الفجوة بين ارتفاع الإنتاجية ودخول العمال واسعة في عدد من الاقتصادات.
وفي الدول مرتفعة الدخل، أشارت المنظمة إلى اتساع هذه الفجوة بعد مرحلة شهدت تقارباً نسبياً بين المؤشرين.
ويرتبط هذا الاختلال بكيفية توزيع العوائد الاقتصادية بين المؤسسات والعاملين، وقوة المفاوضة الجماعية، ومستوى المنافسة بين المشغلين، وطبيعة التشريعات المنظمة للأجور.
فعندما تتمكن مؤسسة من زيادة إنتاجها باستخدام الموارد البشرية والمادية نفسها، يمكن أن تتحول المكاسب الإضافية إلى أرباح أو استثمارات أو تحسين الأجور.
لكن ارتفاع الإنتاجية لا يتضمن آلية تلقائية تضمن استفادة العمال بالنسبة نفسها التي ترتفع بها القيمة الاقتصادية المنتجة.
وتحذر منظمة العمل من أن استمرار الوظائف منخفضة الأجر والإنتاجية يضعف الاستهلاك الداخلي ويحد من فرص تطوير المهارات، كما يؤثر في الموارد الضريبية وقدرة الأسر على مواجهة الصدمات.
المصدر الرسمي | منظمة العمل الدولية – بيان المدير العام بشأن توزيع مكاسب الإنتاجية، 12 أكتوبر 2026
2.1 مليار عامل خارج التشغيل المنظم
تكشف منظمة العمل الدولية أن نحو 2.1 مليار شخص يشتغلون في وظائف غير منظمة، أي ما يعادل قرابة 58 في المائة من إجمالي العمالة العالمية.
ويعني ذلك أن أكثر من نصف العاملين عالمياً يوجدون في أوضاع مهنية تفتقر، بدرجات متفاوتة، إلى بعض خصائص التشغيل المنظم والضمانات القانونية والاجتماعية المرتبطة به.
ولا يقتصر مفهوم التشغيل غير المنظم على الأنشطة الاقتصادية غير المسجلة، إذ قد يشمل أيضاً أشخاصاً يعملون داخل مؤسسات رسمية دون استفادة كاملة من حقوق وضمانات العمل المنظم.
وتشير المنظمة إلى أن التقدم التاريخي في تقليص هذه الظاهرة تباطأ، في وقت تواجه فيه أسواق العمل ضغوطاً ناتجة عن ارتفاع الأسعار وضعف التوظيف وتراجع المداخيل الحقيقية.
كما تؤكد أن استقرار معدلات البطالة لا يعني بالضرورة تحسن ظروف العاملين.
فقد تحافظ البطالة الرسمية على مستويات مستقرة، بينما تتراجع الأجور الحقيقية أو تتدهور شروط العمل أو تتباطأ فرص التوظيف الجديدة.
وتتحمل الأسر منخفضة الدخل والشباب والعمال المهاجرون والعاملون في الاقتصاد غير المنظم جانباً مهماً من هذه الضغوط.
ويبرز هذا التفاوت أهمية النظر إلى جودة الوظائف ومستوى الأجور والحماية الاجتماعية، وعدم الاكتفاء بعدد المناصب المحدثة عند تقييم السياسات الاقتصادية.
أكثر من 40 دولة.. دراسة تربط تركّز المشغلين بتفاوت الأجور
لم تقتصر تحذيرات منظمة العمل على المؤشرات العامة، بل استندت أيضاً إلى دراسة بحثية منشورة يوم 25 مارس 2026 ضمن سلسلة أوراق العمل، تحت الرقم 167.
وأنجز الدراسة الباحثان كليمنتي بينياتي وسيفان أنانيان، اعتماداً على بيانات تغطي الفترة الممتدة بين 2006 و2022، وتشمل أكثر من 40 دولة.
وخلصت النتائج إلى وجود علاقة إحصائية بين ارتفاع تركّز فرص التشغيل لدى عدد محدود من المشغلين واتساع التفاوت في الأجور، خصوصاً في النصف الأعلى من توزيع المداخيل.
وكانت هذه العلاقة أقوى في الاقتصادات النامية مقارنة بالاقتصادات المتقدمة.
وتشير الدراسة إلى أن محدودية البدائل المهنية المتاحة للعامل قد تضعف قدرته على التفاوض، خاصة عندما تهيمن مؤسسات قليلة على فرص الشغل داخل قطاع أو مجال جغرافي محدد.
كما أظهرت أن النقابات والمفاوضة الجماعية والحد الأدنى للأجور يمكن أن تخفف من العلاقة المسجلة بين تركّز سوق العمل والتفاوت في الأجور.
غير أن الباحثين يؤكدون الطابع الوصفي للتحليل، وهو ما لا يسمح بالجزم بأن تركّز المشغلين يمثل السبب الوحيد أو المباشر لفوارق الأجور.
وتكتسب النتائج أهمية خاصة في القطاعات التي تعرف توسع شركات كبرى تمتلك قدرات مالية وتكنولوجية مرتفعة، مقابل صعوبات تواجهها المقاولات الصغيرة في الحصول على التمويل والتجهيزات والمهارات.
المصدر العلمي الرسمي | منظمة العمل الدولية – ورقة العمل 167 بشأن تركّز سوق العمل وتفاوت الأجور
ربع الوظائف العالمية معرضة لتغير المهام بسبب الذكاء الاصطناعي
تتوقف منظمة العمل الدولية عند التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي التوليدي على طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة في سوق الشغل.
فبحسب التقديرات التي استند إليها بيانها، توجد نحو ربع العمالة العالمية في مهن معرضة بدرجات متفاوتة لتأثير هذه التكنولوجيا.
وترتفع مستويات التعرض لدى النساء في البلدان مرتفعة الدخل، بالنظر إلى طبيعة بعض المهن والمهام التي يمكن أن تتأثر بأدوات الذكاء الاصطناعي.
لكن المنظمة توضح أن التعرض للتكنولوجيا لا يعني بالضرورة اختفاء الوظائف.
فالأدلة المتاحة ترجح أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تغيير المهام وأساليب العمل أكثر من إلغاء الوظائف على نطاق واسع.
وقد تسمح الأدوات الجديدة بأتمتة بعض الإجراءات المتكررة وتسريع معالجة المعلومات وتحسين الإنتاجية، لكنها تفرض أيضاً احتياجات جديدة إلى التكوين وإعادة التأهيل المهني.
وتظهر المشكلة بصورة أوضح في الاقتصادات النامية، حيث قد تكون بعض الوظائف قابلة للاستفادة من التكنولوجيا نظرياً، بينما يفتقر أصحابها إلى الحواسيب أو الاتصال المنتظم بالإنترنت.
وتشير أبحاث مشتركة بين منظمة العمل الدولية والبنك الدولي إلى أن عدداً من العاملين الذين يمكن أن تتحسن إنتاجيتهم باستعمال الذكاء الاصطناعي لا يتوفرون على البنية الرقمية اللازمة.
وفي المقابل، يميل العاملون في المهن الأكثر تعرضاً لأتمتة بعض المهام إلى التوفر مسبقاً على وسائل الاتصال والتجهيزات الرقمية.
ويعني ذلك أن تكاليف التكيف مع التحول التكنولوجي قد تظهر في بعض الاقتصادات قبل أن تتحقق المكاسب الإنتاجية المنتظرة.
كما قد تواجه المقاولات الصغيرة صعوبات إضافية إذا لم تتمكن من تمويل الأدوات التقنية أو تدريب العاملين عليها.
منظمة العمل تدعو صندوق النقد إلى الاهتمام بجودة الوظائف
دعت منظمة العمل الدولية المؤسسات المالية الدولية إلى منح أهمية أكبر لتوزيع مكاسب الإنتاجية وجودة التشغيل وبنية أسواق العمل ضمن التحليل الاقتصادي وتوصيات السياسات العامة.
وطالبت بتعزيز الحقوق الأساسية في العمل، وتقوية المفاوضة الجماعية، واعتماد أجور دنيا مناسبة تستند إلى الأدلة والحوار الاجتماعي.
كما أوصت بتحسين المنافسة بين المشغلين، وتوسيع الخيارات المهنية المتاحة للعمال، ومساعدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة على الولوج إلى التمويل والمهارات والتكنولوجيا.
وفي المجال المالي، شددت المنظمة على أهمية الحفاظ على الاستثمار في التكوين والحماية الاجتماعية وسياسات التشغيل، حتى عندما تواجه الحكومات ضغوطاً ناتجة عن ارتفاع المديونية وتقييد الميزانيات.
وتعتبر أن جودة الوظائف ليست مسألة اجتماعية منفصلة عن الأداء الاقتصادي، لأن الأجور والحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية تؤثر كذلك في الاستهلاك والموارد الضريبية واستقرار الأسر.
غير أن هذه المقترحات تظل توصيات صادرة عن منظمة العمل الدولية، ولا تعني أن صندوق النقد تبناها جميعها أو أقر قواعد جديدة لتنفيذها.
المغرب أمام سؤال توزيع مكاسب التحول الرقمي
تطرح هذه التحذيرات الدولية أسئلة تتعلق بمستقبل التحول الرقمي في المغرب، في ظل توسع البرامج الحكومية الموجهة لتطوير استعمالات الذكاء الاصطناعي ورفع تنافسية الاقتصاد.
فاستفادة المقاولات من التكنولوجيا لا تتوقف فقط على توفر التطبيقات الرقمية، بل ترتبط أيضاً بالقدرة على تمويل التجهيزات وتكوين العاملين وإعادة تنظيم أساليب الإنتاج.
وتختلف هذه القدرات بين المؤسسات الكبرى والمقاولات الصغيرة والمتوسطة، كما تتفاوت بين القطاعات الاقتصادية والمجالات الترابية.
وكان MarocActu24 قد نشر، يوم 17 أكتوبر 2026، تحليلاً لوثائق رسمية بشأن استراتيجية «المغرب الرقمي 2030»، التي أعلنت الحكومة تخصيص غلاف بقيمة 11 مليار درهم لمرحلتها التمويلية الأولى خلال الفترة 2024–2026.
وكشفت القراءة المقارنة حاجة البرامج إلى مؤشرات أكثر تفصيلاً تربط الاستثمارات المعلنة بالمبالغ المصروفة والخدمات المنجزة والوظائف المستحدثة.
ولا يمثل هذا الغلاف المالي إنفاقاً مثبتاً بالكامل، كما لا يجوز ربط جميع المشاريع الرقمية الوطنية مباشرة بالذكاء الاصطناعي وحده.
اقرأ أيضاً | تريليون و100 مليار سنتيم للرقمنة.. تقرير رسمي: 23% فقط من الخدمات كانت رقمية بالكامل
وتكتسب التحذيرات المتعلقة بالوظائف غير المنظمة أهمية إضافية في سياق توسع أنشطة المنصات الرقمية بالمغرب.
ففي يونيو 2026، تناول MarocActu24 التطورات الدولية المرتبطة بتنظيم العمل عبر المنصات الرقمية، وما تطرحه من أسئلة بشأن الأجور والحماية الاجتماعية وحقوق العاملين في تطبيقات التوصيل والنقل والخدمات الرقمية.
ويمثل هذا النوع من الأنشطة مثالاً على أن التكنولوجيا يمكن أن تخلق فرصاً جديدة للدخل، لكنها تثير في الوقت نفسه أسئلة بشأن طبيعة العلاقات المهنية ومدى استفادة العاملين من الضمانات القانونية والاجتماعية.
اقرأ أيضاً | عمال المنصات الرقمية أمام تحول دولي.. اتفاقية جديدة تفتح ملف الحماية الاجتماعية بالمغرب
ولا تتضمن وثيقة منظمة العمل الدولية تقديراً مستقلاً لعدد الوظائف المغربية المعرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، كما لا تقدم معطيات تثبت تراجع الأجور بالمغرب بسبب اعتماد هذه التكنولوجيا.
ولهذا لا يمكن إسقاط النسبة العالمية المقدرة بنحو ربع الوظائف مباشرة على سوق الشغل المغربية دون دراسة وطنية تراعي طبيعة المهن والقطاعات ومستويات التأهيل والولوج إلى الوسائل الرقمية.
لكن التحدي المطروح يتمثل في تحديد القطاعات التي ارتفعت إنتاجيتها بعد اعتماد التكنولوجيا، وكيف تطورت أجور العاملين فيها، وما إذا كانت المكاسب قد ساهمت في خلق وظائف أفضل أو توسيع فرص التكوين.
كما يبرز سؤال بشأن قدرة المقاولات الصغيرة والمتوسطة على الاستفادة من التكنولوجيا بالقدر نفسه الذي تستفيد به المؤسسات الكبرى.
الذكاء الاصطناعي والنمو العالمي.. من يستفيد من الثروة الجديدة؟
لا يتناول صندوق النقد الدولي ومنظمة العمل الدولية الخطر نفسه.
فصندوق النقد يحذر من هشاشة النمو عندما يزداد اعتماده على طفرة استثمارية وتكنولوجية محددة، بينما تنبه منظمة العمل إلى أن ارتفاع الإنتاجية لا يضمن وصول المكاسب الاقتصادية إلى العمال.
وتتقاطع القراءتان عند أهمية توزيع منافع التحول التكنولوجي وعدم تركيزها لدى عدد محدود من الاقتصادات والمؤسسات.
فطفرة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي قد تدعم النمو العالمي وتسرع تطوير الخدمات والأنشطة الإنتاجية، لكنها تظل مرتبطة بتوقعات بشأن العوائد المستقبلية وبقدرة الاقتصادات على استيعاب التطبيقات الجديدة.
وفي المقابل، لا تضمن زيادة الإنتاجية تحسناً موازياً في الأجور، خصوصاً عندما تكون خيارات العمال المهنية محدودة أو تكون مؤسسات سوق الشغل ضعيفة.
وتبرز من الوثيقتين ثلاثة مؤشرات أساسية لقياس نتائج التحول المقبل: تطور الإنتاجية، وتوزيع مكاسبها على الأجور والوظائف، ومدى استفادة المقاولات الصغيرة والاقتصادات الأقل تقدماً من الفرص التكنولوجية.
ولا تسمح المعطيات الحالية بالجزم بأن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى اتساع الفوارق في جميع البلدان، كما لا تثبت أنه سيقضي على ربع الوظائف العالمية.
لكنها تكشف أن حجم الاستثمارات والتقدم التقني لا يكفيان وحدهما للحكم على نجاح التحول الاقتصادي.
وبين تحذير صندوق النقد من نمو يقف على «رجل واحدة»، وتنبيه منظمة العمل إلى وجود 2.1 مليار عامل في وظائف غير منظمة، يصبح السؤال الاقتصادي الأهم متعلقاً بكيفية تحويل طفرة الذكاء الاصطناعي إلى مكاسب أوسع في الإنتاجية والأجور والتشغيل.
فنجاح التحول التكنولوجي لن يتحدد فقط بحجم الثروة التي يخلقها، بل أيضاً بقدرة الاقتصادات والمؤسسات على ضمان استفادة فئات أوسع من تلك الثروة.
