قويدر فؤاد

أسعار اللحوم الحمراء بالمغرب واصلت الضغط على القدرة الشرائية خلال الفصل الثالث من سنة 2026، رغم الدعم المالي الموجه لمربي الماشية وتوسيع الإعفاءات الجمركية على واردات اللحوم.

وتكشف وثيقة رسمية جديدة عن مفارقة لافتة: فبينما تسعى الدولة إلى إعادة تكوين القطيع الوطني عبر تشجيع المربين على الاحتفاظ بالإناث المخصصة للتكاثر، يساهم هذا الإجراء نفسه، إلى جانب تراجع أعداد الأبقار، في تقليص الحيوانات المتاحة للذبح خلال المرحلة الحالية.

وجاء هذا التفسير في تقرير الظرفية الاقتصادية رقم 49، الذي أصدرته المندوبية السامية للتخطيط يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، بالتزامن مع إعلان معطيات حكومية عن تخصيص مبالغ تقارب 10.22 مليارات درهم لمرحلتي الدعم المباشر للمربين، ضمن برنامج يمتد على سنتي 2025 و2026 بغلاف إجمالي يقارب 12.8 مليار درهم.

ويطرح الجمع بين هذه المعطيات سؤالاً بشأن الأثر الفعلي للتدخلات الحكومية على سوق اللحوم: كيف يمكن إعادة بناء القطيع الوطني وحماية قدرته على التكاثر، دون استمرار الضغط على المستهلك خلال الفترة التي يتراجع فيها عدد الحيوانات الموجهة للذبح؟

المصدر الرسمي | المندوبية السامية للتخطيط – تقرير الظرفية الاقتصادية رقم 49، أكتوبر 2026

أسعار اللحوم الحمراء بالمغرب تخالف اتجاه انخفاض الغذاء

تكشف الصفحة 33 من تقرير المندوبية أن أسعار المواد الغذائية سجلت، وفق تقديرات الفصل الثالث من سنة 2026، انخفاضاً إجمالياً بنسبة 3.6 في المائة على أساس سنوي، بعدما تراجعت أسعار منتجات من بينها الدجاج والبيض والخضر وزيت الزيتون.

وساهم هذا التطور في انتقال معدل التضخم العام من 1.1 في المائة خلال الفصل الثاني إلى ناقص 0.3 في المائة خلال الفصل الثالث.

لكن اللحوم الحمراء سارت في اتجاه مختلف، إذ سجل التقرير مساهمة موجبة في التضخم بلغت 0.5 نقطة مئوية، نتيجة استمرار الضغوط على أسعارها.

وهذا الرقم لا يعني أن ثمن الكيلوغرام من اللحوم ارتفع بنسبة 0.5 في المائة، وإنما يعبر عن المساهمة المقدرة لتطور أسعار هذه المادة في المؤشر العام للأسعار.

وتحدد المندوبية عاملين رئيسيين وراء استمرار الضغط: الاحتفاظ بإناث الماشية لأغراض التكاثر، وتراجع القطيع البقري، وهما عاملان ساهما في تقليص الكميات المتاحة للذبح.

ويكشف هذا التفسير أن أزمة الأسعار لا ترتبط فقط بتكاليف الأعلاف أو الاستيراد، بل أيضاً بحجم العرض المحلي خلال مرحلة إعادة تكوين القطيع.

كما يوضح أن انخفاض المؤشر العام لأسعار الغذاء لا يعني بالضرورة تحسن أثمان جميع المنتجات التي تستهلكها الأسر المغربية.

10.22 مليارات درهم لدعم المربين.. ماذا تقول الأرقام؟

أطلقت الحكومة برنامج إعادة تكوين القطيع الوطني بعد سنوات متتالية من الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف وتراجع أعداد الماشية، مع تخصيص غلاف مالي يقارب 12.8 مليار درهم خلال سنتي 2025 و2026.

ويشمل البرنامج الدعم المباشر لاقتناء الأعلاف، ومنح الحفاظ على إناث الأغنام والماعز الموجهة للتوالد، إلى جانب إجراءات لمواكبة المربين وتخفيف أعبائهم.

وبحسب الأرقام التي قدمتها وزارة الفلاحة في جواب كتابي عن أسئلة برلمانية خلال غشت 2026، استفاد نحو 1.18 مليون مربٍّ من المرحلة الأولى، بمبالغ تقارب 5.5 مليارات درهم.

أما المرحلة الثانية، فقد شملت نحو 1.02 مليون مربٍّ، بمبلغ بلغ 4.72 مليارات درهم، وهو الرقم الذي أعادت المندوبية السامية للتخطيط تأكيده في الصفحة 23 من تقريرها الجديد، مع الإشارة إلى أن الصرف بلغ هذا المستوى إلى نهاية غشت.

وبجمع المبلغين المعلنين للمرحلتين، يصل الإجمالي التقريبي إلى 10.22 مليارات درهم.

غير أن هذا المجموع يحتاج إلى قراءة دقيقة، لأن قيمة المرحلة الأولى وردت بصورة تقريبية في المعطيات الحكومية، كما أن مجموع المستفيدين من المرحلتين لا يمثل أشخاصاً مختلفين بالضرورة.

وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن الحكومة كانت قد أعلنت في مارس 2026 استفادة 1.15 مليون مربٍّ من المرحلة الأولى، قبل أن تشير معطيات وزارة الفلاحة المنشورة في غشت إلى نحو 1.18 مليون مستفيد.

ويتعلق الأمر بحصيلتين أُعلنتا في تاريخين مختلفين، ولا يجوز التعامل معهما باعتبارهما تناقضاً دون الرجوع إلى تاريخ تحيين البيانات.

المصدر | جواب وزارة الفلاحة عن الدعم المباشر للمربين، منشور عبر LeBrief في 10 غشت 2026

وتكشف مقارنة أعداد المستفيدين المرحلية أن المرحلة الثانية شملت نحو 160 ألف مربٍّ أقل من المرحلة الأولى.

لكن هذا الفارق لا يعني تلقائياً حرمان 160 ألف شخص من مستحقاتهم، لأن الاستفادة من الدفعة الثانية مرتبطة بشروط خاصة، أبرزها التحقق من استمرار الاحتفاظ بإناث الماشية المعنية بالدعم.

ولا توفر الأرقام الإجمالية المنشورة تفصيلاً يسمح بتحديد عدد الملفات غير المؤهلة، أو التي لم تستكمل إجراءاتها، أو الشكايات التي جرى قبولها أو رفضها.

ولهذا تبرز أهمية نشر حصيلة مفصلة للدعم حسب الأقاليم وأصناف القطيع وحجم الاستغلاليات، مع توضيح أسباب اختلاف أعداد المستفيدين بين المرحلتين.

الحفاظ على الإناث.. كيف يؤثر دعم القطيع في أسعار اللحوم؟

يتضمن البرنامج الحكومي منحة تبلغ 400 درهم عن كل أنثى من الأغنام مخصصة للتكاثر، و300 درهم عن كل أنثى من الماعز، بشرط استيفاء معايير الإحصاء والترقيم والاحتفاظ بالحيوانات المعنية.

ووفق البلاغ الرسمي لوزارة الفلاحة الصادر في 24 أكتوبر 2025، تقرر صرف المنح على مرحلتين: تسبيق بقيمة 100 درهم عن كل أنثى مؤهلة، ثم استكمال المبلغ بعد التحقق من الاحتفاظ بها.

ويعني ذلك أن المربي يحصل على حافز مالي لتجنب توجيه بعض إناث القطيع إلى الذبح، بما يسمح بالحفاظ على قدرته على التكاثر وإنتاج رؤوس جديدة مستقبلاً.

المصدر الرسمي | وزارة الفلاحة عبر البوابة الوطنية – إطلاق الدعم المباشر للمربين

لكن هذه السياسة تضع السوق أمام معادلة اقتصادية دقيقة؛ فالحفاظ على الإناث ضروري لاستعادة الإنتاج الحيواني، غير أنه قد يقلص عدد الرؤوس المتاحة للذبح في الأجل القصير.

وتزداد أهمية هذا العامل عندما يتزامن مع تراجع القطيع البقري، لأن العرض يصبح أكثر محدودية قبل أن تبدأ نتائج التكاثر في الظهور داخل الأسواق.

وهذا تحديداً ما أبرزته المندوبية السامية للتخطيط في تفسيرها لاستمرار الضغط على أسعار اللحوم الحمراء خلال الفصل الثالث.

ولا يعني ذلك أن برنامج الحفاظ على الإناث تسبب وحده في الغلاء، إذ تؤثر في الأسعار أيضاً تكاليف التربية والنقل والتوزيع وحجم الواردات وتوازن العرض والطلب.

كما أن استمرار ارتفاع الأسعار خلال مرحلة إعادة تكوين القطيع لا يثبت، في حد ذاته، فشل البرنامج؛ فهدف إعادة بناء الثروة الحيوانية يمتد زمنياً إلى ما بعد صرف المساعدات.

لكن هذا التفسير يجعل معرفة الجدول الزمني المتوقع لتحسن الإنتاج الوطني أمراً ضرورياً لتقييم النتائج.

الإعفاءات الجمركية.. ماذا استفاد المستهلك من استيراد اللحوم؟

بالتوازي مع دعم المربين، اتجهت الحكومة إلى تسهيل استيراد الماشية واللحوم لتعزيز العرض في السوق الوطنية.

فبموجب المرسوم رقم 2.26.584 الصادر في 23 يوليوز 2026، ودورية إدارة الجمارك رقم 6762/211 بتاريخ 27 يوليوز، تقرر تعليق استيفاء رسوم الاستيراد على الأغنام الأليفة الحية وعدد من أصناف لحوم الأبقار والأغنام والماعز والإبل.

ودخلت التدابير حيز التطبيق يوم 27 يوليوز، وتستمر إلى غاية 31 دجنبر 2026.

ولا تشمل هذه الإعفاءات جميع المنتجات الحيوانية دون استثناء، إذ حددت الإجراءات رسماً جمركياً بنسبة 30 في المائة على بعض أصناف الأحشاء المستوردة.

المصدر | Medias24 – تفاصيل دورية إدارة الجمارك رقم 6762/211

وتؤكد الصفحة 26 من تقرير المندوبية أن نشاط تحويل اللحوم وحفظها استفاد من تعزيز حجم واردات اللحوم، بالتزامن مع إجراءات تعليق الرسوم الجمركية.

وهذا مؤشر على استفادة جزء من سلسلة الإنتاج والتحويل من ارتفاع العرض المستورد.

لكنه لا يحدد مقدار الانخفاض الذي تحقق، إن وجد، في الأسعار النهائية التي يؤديها المستهلك داخل محلات الجزارة والأسواق.

فإلغاء رسم الاستيراد يخفض أحد عناصر تكلفة دخول المنتج، لكنه لا يضمن انتقال التخفيض بالقيمة نفسها إلى المستهلك، نظراً إلى تأثير أسعار الشراء الخارجية وتكاليف النقل والتبريد والتخزين وهوامش الوسطاء.

ويتطلب قياس أثر الإعفاء معرفة تكلفة استيراد اللحوم قبل التدابير وبعدها، والكميات المستوردة، ثم مقارنة هذه البيانات بأسعار البيع بالجملة والتقسيط.

ولا يقدم تقرير المندوبية حصيلة مالية لحجم الرسوم الجمركية التي لم تُستوف، أو القيمة التي انعكست منها فعلياً على أسعار البيع النهائية.

استيراد الأبقار من البرازيل.. 213.5 مليون دولار في سنة

كان MarocActu24 قد كشف في تقرير سابق، استناداً إلى معطيات رسمية لوزارة الزراعة والثروة الحيوانية البرازيلية، أن قيمة صادرات الأبقار الحية من البرازيل إلى المغرب ارتفعت من 41 مليون دولار سنة 2024 إلى 213.5 مليون دولار سنة 2025.

وتمثل هذه القفزة نمواً يقارب 421 في المائة في قيمة الصادرات البرازيلية الموجهة إلى المغرب خلال سنة واحدة.

كما أشارت الوزارة البرازيلية، نقلاً عن معطيات مغربية، إلى أن الإحصاء الوطني للقطيع سنة 2025 أظهر تراجعاً يقارب 30 في المائة في أعداد الأبقار، في سياق تأثر القطاع بالجفاف وتكاليف الأعلاف.

ولا تتعلق هذه الأرقام بواردات اللحوم خلال الفصل الثالث من 2026، لكنها تقدم مؤشراً موثقاً على توسع اعتماد المغرب على استيراد الحيوانات الحية لتعويض جزء من ضعف العرض الوطني.

اقرأ أيضاً | البرازيل صدّرت للمغرب أبقاراً بـ213.5 مليون دولار في 2025.. 46.7% من الواردات

وبذلك، فإن زيادة الاستيراد قد تساعد على تعويض الخصاص، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على اتجاه الأسعار دون متابعة مستويات الطلب وتكاليف سلسلة التوزيع.

دعم الاستيراد السابق.. 437 مليون درهم وحصيلة أثارت الجدل

لا يمثل الدعم المباشر للمربين أول تدخل مالي حكومي في سوق الماشية خلال السنوات الأخيرة.

فقد سبق للدولة تخصيص 437 مليون درهم لدعم استيراد الأغنام خلال سنتي 2023 و2024، في عملية شملت نحو 875 ألف رأس و156 مستورداً، وفق المعطيات التي أعلنتها وزارة الفلاحة في أبريل 2025.

وكان الهدف المعلن زيادة العرض وحماية القطيع الوطني وتخفيف الضغط على الأسعار خلال الفترات التي شهدت ارتفاع الطلب.

لكن حصيلة الإجراء أصبحت موضوع نقاش سياسي، خصوصاً بعد تصريحات لفوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، أقر فيها بأن النتائج لم تكن في مستوى ما كان مأمولاً.

وفي المقابل، اعتبرت وزارة الفلاحة أن التدابير ساهمت في تعزيز العرض وضمان تموين الأسواق والحد من بلوغ الأسعار مستويات أعلى.

وكان MarocActu24 قد تناول هذا الملف، مع التمييز بين القيمة الرسمية للدعم والتقييمات السياسية المتباينة لنتائجه.

اقرأ أيضاً | دعم استيراد الأغنام.. 43.7 مليار سنتيم تربك دفاع لقجع

وتختلف هذه المساعدات السابقة عن برنامج إعادة تكوين القطيع الذي انطلق لاحقاً، كما تختلف عن الإعفاءات الجمركية المطبقة خلال النصف الثاني من 2026.

ولهذا لا يجوز جمعها باعتبارها جميعاً نفقات مصروفة ضمن برنامج واحد، أو اعتبار مبلغ الإعفاء الجمركي مساوياً لقيمة الأموال التي يتلقاها المربون.

أسعار اللحوم الحمراء بالمغرب.. ما الذي ينبغي توضيحه؟

تظهر الوثائق الرسمية أن الحكومة تعتمد مسارين متوازيين: مساراً لإعادة بناء القطيع الوطني وتشجيع تكاثره، ومساراً لتوفير كميات إضافية من اللحوم والماشية عبر الاستيراد.

لكن تقرير المندوبية يشير إلى استمرار الضغط الصعودي لأسعار اللحوم الحمراء خلال الفصل الثالث من 2026، رغم انخفاض أسعار الغذاء إجمالاً.

ولا تسمح هذه النتيجة وحدها بتحديد نصيب كل عامل من عوامل الغلاء، أو معرفة أثر كل درهم من الدعم على تكلفة الإنتاج والسعر النهائي.

كما لا تثبت المعطيات أن الدعم العمومي استُعمل خارج أهدافه، أو أن المستوردين احتفظوا بالمكاسب الناتجة عن الإعفاءات الجمركية دون نقل أي جزء منها إلى المستهلكين.

ويحتاج تقييم هذه الفرضيات إلى بيانات تفصيلية بشأن تطور أعداد الماشية، وحجم الذبح، وتكاليف التربية والاستيراد، وهوامش البيع داخل مختلف حلقات التوزيع.

وتبرز هنا أسئلة محددة أمام وزارة الفلاحة والجهات المكلفة بالتجارة والجمارك: ما الحجم الفعلي للواردات المستفيدة من الإعفاء؟ وكم بلغت كلفتها الجبائية؟ وكيف تطورت أسعار اللحوم المحلية والمستوردة منذ يوليوز 2026؟

كما تبرز الحاجة إلى معرفة عدد الإناث التي جرى الاحتفاظ بها فعلياً، والنتائج المسجلة في أعداد المواليد، وتقديرات المدة اللازمة لتحسن العرض المحلي الموجه للذبح.

فالمعطيات الحالية تسمح بتأكيد تخصيص نحو 10.22 مليارات درهم لمرحلتي دعم المربين، وتوسيع التسهيلات الجمركية، لكنها لا توفر بعد حصيلة موحدة تقارن هذه التدخلات بما تحقق من نتائج في السوق.

والفارق بين حماية القطيع وخفض أسعار اللحوم ليس تفصيلاً ثانوياً؛ فقد ينجح البرنامج في دعم استعادة الإنتاج الحيواني تدريجياً، دون أن يظهر أثره سريعاً على ميزانية المستهلك.

وبينما يبقى الحفاظ على إناث الماشية ضرورياً للتكاثر، تظل الحاجة قائمة إلى توضيح كيفية تأمين العرض خلال المرحلة الانتقالية، حتى لا يتحمل المستهلك وحده ضغط محدودية الحيوانات المتاحة للذبح.

وهكذا، فإن استمرار غلاء اللحوم الحمراء لا يحسم وحده حصيلة برنامج إعادة تكوين القطيع، لكنه يجعل تقييم الدعم والإعفاءات الجمركية بالأرقام أمراً ضرورياً، لمعرفة متى ستنعكس الاستثمارات العمومية على الإنتاج الوطني وأسعار البيع التي تؤديها الأسر المغربية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version