شنّ الصحافي المغربي علي أنوزلا هجوماً حاداً على منتقدي طريقة جلوس أخنوش داخل البرلمان، معتبراً أن الجدل الذي أثاره ظهور رئيس الحكومة السابق عزيز أخنوش واضعاً رجلاً فوق أخرى يكشف، في نظره، عن ثقافة سياسية تقوم على الخضوع للسلطة أكثر مما تقوم على احترام المؤسسات ومحاسبة المسؤولين.
وجاء موقف أنوزلا في تدوينة على موقع «فيسبوك»، وفق النص المنسوب إليه، عقب موجة من الانتقادات التي أثارتها صورة أخنوش خلال افتتاح السنة التشريعية الجديدة، الجمعة 9 أكتوبر 2026، بحضور الملك محمد السادس، بعدما اعتبر بعض المعلقين أن وضعية جلوسه لا تنسجم مع الأعراف البروتوكولية المرتبطة بهذه المناسبة الرسمية.
غير أن أنوزلا اختار مقاربة مختلفة، إذ اعتبر أن تحويل وضعية جلوس عادية إلى قضية تستوجب الإدانة يكشف عن تصور للعلاقة بين المواطن والسلطة يرى في المظاهر الجسدية معياراً للاحترام، بدل الاحتكام إلى الدستور والقانون ومبادئ المسؤولية والمحاسبة.
وقال الصحافي المغربي إنه تابع «باستغراب، بل وبشيء من الفزع» حجم الانتقادات الموجهة إلى أخنوش، مشيراً إلى أن بعض المعلقين تعاملوا مع وضع رجل فوق أخرى وكأن صاحبها «أتى أمراً جللاً، أو ارتكب جرماً عظيماً يستوجب الإدانة والعقاب».
ورأى أن الأخطر في هذه الانتقادات لا يتعلق بالدفاع عن البروتوكول، وإنما بما وصفه بـ«منسوب المحافظة والخضوع المتجذر في بعض العقول»، متسائلاً عن الأساس الذي يجعل طريقة معينة في الجلوس دليلاً على عدم احترام المؤسسات.
جلوس أخنوش.. أنوزلا يهاجم ثقافة الخضوع أمام السلطة
طرح علي أنوزلا سؤالاً مباشراً بشأن المعيار الذي ينبغي اعتماده للحكم على احترام المسؤولين للمؤسسات، قائلاً: «وهل يُقاس احترام المؤسسات بطريقة الجلوس أمامها، أم باحترام الدستور والقانون والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة؟».
واعتبر أن بعض ردود الفعل تعيد إنتاج ثقافة الخوف من السلطة، وتمنح الخضوع والخنوع صفة الاحترام، إلى درجة يصبح معها السلوك الجسدي العادي موضوعاً للمحاسبة الأخلاقية والسياسية.
وبحسب القراءة التي قدمها، فإن الإشكال لا يكمن في طريقة جلوس أخنوش نفسها، وإنما في التصورات التي تدفع بعض الأشخاص إلى اعتبار الانضباط الجسدي والخشوع أمام السلطة معياراً أساسياً للوقار والاحترام.
ويأتي هذا الموقف في مقابل انتقادات إعلامية اعتبرت أن طبيعة المناسبة الدستورية ورمزيتها تقتضيان احترام أعراف اللياقة والبروتوكول. غير أن مجرد تداول الصورة لا يكفي لإثبات وقوع مخالفة رسمية، في غياب تحديد قاعدة بروتوكولية ملزمة جرى خرقها.
تغطية إعلامية | الجدل حول طريقة جلوس أخنوش خلال افتتاح البرلمان
ولم يقدم أنوزلا دفاعه عن طريقة جلوس أخنوش باعتباره دفاعاً عن حصيلته الحكومية أو اختياراته السياسية، بل حرص على الفصل بين حرية الشخص في الجلوس بالطريقة التي يراها مناسبة، وبين حق المواطنين في انتقاد المسؤولين ومحاسبتهم على قراراتهم.
وقال في هذا السياق: «يمكننا أن نختلف مع أخنوش، وأن ننتقد حصيلة سياساته الكارثية، بل وأن نحاسبه سياسياً على كل ما فعله أو لم يفعله».
وتعكس عبارة «سياساته الكارثية» تقييم أنوزلا الشخصي للحصيلة الحكومية، وليس حكماً موضوعياً مثبتاً بشأن جميع السياسات التي اعتمدتها الحكومة السابقة.
ويرى صاحب التدوينة أن النقاش العمومي يكون أكثر جدوى عندما ينصرف إلى نتائج التدبير الحكومي والقرارات الاقتصادية والاجتماعية، عوض التركيز على الإشارات الجسدية وتفسيرها باعتبارها مواقف سياسية أو رسائل موجهة إلى المؤسسات.
وسبق لموقع MarocActu24 أن تناول جانباً من مساءلة أخنوش داخل البرلمان، عندما عاد ملف إصلاح التعليم إلى الواجهة خلال جلسة خصصت للسياسة الحكومية في القطاع، وسط نقاش بشأن الاعتمادات المرصودة والنتائج الفعلية للإصلاح.
اقرأ أيضاً | أخنوش أمام البرلمان.. التعليم يعود إلى واجهة المساءلة و99 مليار درهم تحت المجهر
وذهب أنوزلا أبعد في انتقاده لبعض المعلقين على صورة أخنوش، معتبراً أن ردود فعلهم تكشف عن تصور محافظ للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، يربط الاحترام بالانضباط الجسدي ولا يتصور الوقار خارج مظاهر الخشوع أمام السلطة.
وقال إن محاكمة أخنوش بسبب طريقة جلوسه «لا تكشف شيئاً عنه بقدر ما تكشف الكثير عن ثقافة سياسية محافظة بل ومتخلفة ما زالت تسكن بعض منتقديه».
ويعكس هذا الوصف حدة الموقف الذي اختاره الصحافي المغربي، إذ لم يكتف بالاعتراض على الانتقادات، بل وضعها ضمن نقاش أوسع بشأن الثقافة السياسية وعلاقة الأفراد بالمؤسسات.
وتزامن الجدل حول جلوس أخنوش مع مرحلة سياسية جديدة أعقبت انتخابات 23 شتنبر 2026، التي أفضت إلى تكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة الجديدة، فيما انتقل النقاش السياسي إلى مستقبل الأحزاب التي شاركت في الحكومة السابقة وموقعها داخل التحالفات المقبلة.
وكان MarocActu24 قد تابع سيناريو عودة مكونات أغلبية أخنوش إلى الحكومة الجديدة، في ظل حسابات برلمانية تمنح الأحزاب الثلاثة التي شاركت في التجربة السابقة مجموع 228 مقعداً، دون أن يعني ذلك بالضرورة اتفاقها على تجديد التحالف.
اقرأ أيضاً | من مواجهة الحملة إلى حسابات 228 مقعداً.. هل تعود أغلبية أخنوش برئاسة المنصوري؟
وفي ختام تدوينته، استحضر أنوزلا مفهوم «العبودية الطوعية»، المرتبط بالمفكر الفرنسي إتيان دو لا بويسي، الذي تناول خضوع الأفراد للسلطة واستمرار الطاعة رغم قدرة الناس على مساءلة أسبابها.
واستخدم الصحافي هذا المفهوم لانتقاد ما يعتبره استعداداً لدى بعض الأشخاص لفرض مظاهر الخضوع على الآخرين، حتى عندما يتعلق الأمر بتصرف شخصي بسيط مثل وضعية الجلوس.
وسخر من تحول مراقبة طريقة وضع الأرجل إلى معيار للطاعة والاحترام، معتبراً أن المشكلة الحقيقية ليست في الصورة التي ظهر فيها أخنوش، وإنما في «عقول ما زالت تعتقد أن احترام السلطة يبدأ من طريقة الجلوس أمامها».
وبذلك نقل أنوزلا الجدل حول جلوس أخنوش من سؤال البروتوكول واللياقة خلال المناسبات الرسمية إلى نقاش بشأن حدود الاحترام الواجب للمؤسسات، والفارق بين احترامها والخضوع للأشخاص الذين يمثلونها.
وبين من رأى في وضعية جلوس أخنوش سلوكاً غير ملائم لرمزية المناسبة، ومن اعتبر تضخيمها تعبيراً عن ثقافة سياسية محافظة، يبقى الخلاف قائماً حول تفسير الصورة، في وقت شدد فيه أنوزلا على أن المعيار الأساسي للحكم على المسؤولين ينبغي أن يكون احترام القانون ونتائج التدبير والمساءلة السياسية، لا وضعية الجلوس داخل قاعة البرلمان.
