بقلم: فاطمة السملالي
وضعت دراسة علمية دولية جديدة التعاون اللامركزي بالمغرب أمام اختبار يتعلق بقدرته على تقليص الفوارق بين الجهات، بعدما أظهرت نتائج بحث شمل 38 دولة إفريقية أن توسيع الشراكات الخارجية للجماعات الترابية لا يرتبط بالضرورة بتنمية أكثر توازناً، ما لم يتزامن مع تحسن الحكامة وتقوية المؤسسات والقدرات الإدارية المكلفة بتنفيذ المشاريع.
الدراسة، المنشورة في فاتح أكتوبر 2026 بمجلة «African Development Review»، التي تصدرها دار النشر العلمية «Wiley» لفائدة البنك الإفريقي للتنمية، تقدم نتائج إحصائية حول العلاقة بين التعاون اللامركزي والتفاوتات الترابية، لكنها تكتسب أهمية إضافية عند ربطها بدراسة ثانية للباحثين نفسيهما تناولت وثائق التخطيط في الجهات المغربية الاثنتي عشرة، ورصدت اختلالات في إدماج الشراكات الخارجية ضمن برامج التنمية الجهوية.
واللافت أن البحث الإفريقي حدد عتبة تقديرية لجودة الحكامة تقارب ثلاث نقاط في مؤشر تقييم السياسات والمؤسسات الوطنية «CPIA»، تصبح فوقها العلاقة بين التعاون اللامركزي وانخفاض الفوارق الترابية مختلفة إحصائياً عن الصفر، دون أن يعني ذلك أن تجاوز هذه العتبة يضمن تلقائياً تحقيق التنمية أو تقليص التفاوتات.
وتفتح هذه النتائج سؤالاً بشأن حصيلة الجهوية المتقدمة بالمغرب، خصوصاً في ما يتعلق بقدرة المجالس الجهوية على تحويل الاتفاقيات الموقعة مع شركاء أجانب إلى مشاريع قابلة للقياس، ومدى مساهمة هذه المشاريع في تقليص الفوارق بين المجالات الترابية.
38 دولة إفريقية تكشف العلاقة بين الحكامة وتقليص الفوارق
أنجز الدراسة الباحثان المغربيان جامع لمكيش ومحمد كحل، المنتميان إلى المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالدار البيضاء، التابعة لجامعة الحسن الثاني، تحت عنوان «Decentralized Cooperation and the Future of African Regional Development: What Public Policies to Bridge the Territorial Gap?».
واعتمد الباحثان على معطيات تغطي الفترة الممتدة بين سنتي 2000 و2022، شملت 38 دولة إفريقية، باستخدام نماذج اقتصادية وإحصائية لقياس العلاقة بين كثافة التعاون اللامركزي ومستوى الفوارق الاقتصادية بين المناطق.
وأظهرت النتائج أن ارتفاع مؤشر كثافة التعاون اللامركزي بنقطة مئوية واحدة ارتبط بانخفاض مقداره 0.00142 نقطة في معامل جيني الجهوي، الذي يقيس التفاوتات على سلم يمتد من صفر إلى واحد.
ويعادل هذا الانخفاض نحو 0.32 في المائة من متوسط معامل جيني داخل العينة المدروسة، وهو أثر محدود في حجمه الحسابي، لكنه يقدم مؤشراً إحصائياً على العلاقة بين التعاون اللامركزي والتفاوتات الترابية.
ولا يعني هذا الرقم أن توقيع اتفاقية دولية إضافية يخفض الفوارق بنسبة محددة، لأن المؤشر المستعمل لقياس التعاون اللامركزي يعتمد أساساً على بيانات المساعدات الإنمائية الرسمية الموجهة إلى المستويات الترابية، وليس على العدد البسيط للاتفاقيات الموقعة.
كما لا تمثل النتيجة نسبة انخفاض سجلها المغرب منفرداً، وإنما تقديراً مستخرجاً من نموذج شمل مجموعة من الاقتصادات الإفريقية خلال فترة طويلة.
والنتيجة الأكثر أهمية ظهرت عند إدراج جودة الحكامة في التحليل، إذ وجد الباحثان أن العلاقة بين التعاون اللامركزي وتراجع التفاوتات تصبح أقوى مع تحسن المؤشرات المؤسساتية.
وحددت الدراسة عتبة تقديرية تقارب ثلاث نقاط في مؤشر «CPIA»، الذي يستخدمه البنك الدولي لتقييم جودة السياسات والمؤسسات، تظهر فوقها العلاقة الإحصائية بصورة أكثر وضوحاً.
وتعني هذه النتيجة أن توسيع الشراكات الخارجية قد لا يحقق الأثر التنموي المنتظر بالدرجة نفسها في بيئات مؤسساتية مختلفة، خصوصاً عندما تكون قدرات التخطيط والتنفيذ والتنسيق محدودة.
وشملت الاختبارات التي أجراها الباحثان نماذج بديلة لمؤشرات الحكامة والتفاوتات، إضافة إلى نماذج مكانية أظهرت نتائج تتسق مع احتمال امتداد بعض المنافع التنموية إلى مناطق مجاورة وعبر الحدود.
غير أن الباحثين شددا على أن النتائج لا تسمح بإثبات علاقة سببية نهائية، وأن التقديرات ينبغي قراءتها باعتبارها مؤشرات على اتجاه العلاقة، وليس مقادير مضمونة للأثر الاقتصادي.
المصدر العلمي الأصلي | African Development Review – دراسة 38 دولة إفريقية المنشورة في 1 أكتوبر 2026
التعاون اللامركزي بالمغرب.. دراسة ثانية ترصد اختلالات في 12 جهة
تكتسب نتائج الدراسة الإفريقية بعداً أكثر ارتباطاً بالمغرب عند العودة إلى بحث آخر أنجزه جامع لمكيش ومحمد كحل، ونُشر خلال سنة 2026 في مجلة «Regional Science Policy & Practice»، تحت عنوان «Decentralized cooperation and regional development planning in Morocco: Institutional misalignments and their implications for regional policy and territorial cohesion».
واعتمد هذا البحث على مراجعة منظمة للنصوص القانونية والتقارير المؤسساتية ووثائق برامج التنمية الخاصة بالجهات المغربية الاثنتي عشرة، بهدف تقييم موقع التعاون اللامركزي داخل منظومة التخطيط التي تقوم عليها الجهوية المتقدمة.
وحدد الباحثان ثلاثة اختلالات مؤسساتية أساسية.
يتعلق الاختلال الأول بضعف الإدماج المنظم لمشاريع التعاون اللامركزي داخل وثائق التخطيط الجهوي، حيث تظهر الاتفاقيات والشراكات في بعض البرامج باعتبارها فرصاً للانفتاح الخارجي، دون ربط واضح دائماً بالأهداف التنموية القابلة للقياس أو الجداول الزمنية والتمويلات وآليات التقييم.
أما الاختلال الثاني، فيرتبط بتفاوت مستوى التنسيق بين المؤسسات والمستويات المختلفة للسلطة في ما يتعلق بتعبئة الموارد الخارجية وتدبيرها، وهو ما قد يحد من انسجام الشراكات مع البرامج التنموية والأولويات الترابية.
ويتمثل الاختلال الثالث في التوتر بين الأهداف المعلنة لتحقيق التضامن والتماسك الترابي، وبين المنافسة بين الجهات على جذب الشركاء الدوليين والتمويلات والخبرات.
وتحذر الدراسة من أن هذه المنافسة قد تمنح الجهات الأكثر قدرة على بناء العلاقات وتعبئة الموارد فرصاً إضافية، بينما تواجه جهات أخرى صعوبات مرتبطة بنقص القدرات التقنية والإدارية.
ولا تعني هذه النتائج أن الجهات الأكثر انفتاحاً على التعاون الدولي ارتكبت مخالفات، أو أن جميع الشراكات المبرمة فشلت، وإنما تشير إلى تفاوت في قدرة المنظومة المؤسساتية على ربط التعاون الخارجي بأولويات التنمية.
كما أن البحث اعتمد أساساً على تحليل وثائقي للجيل الأول من برامج الجهوية المتقدمة، ولا يشكل افتحاصاً مالياً شاملاً للاتفاقيات المنجزة أو تقييماً ميدانياً لكل مشروع دولي داخل الجهات الاثنتي عشرة.
المصدر العلمي | Regional Science Policy & Practice – دراسة التعاون اللامركزي والتخطيط الجهوي بالمغرب، 2026
وتعيد الدراستان معاً طرح سؤال يتعلق بكيفية تقييم التعاون اللامركزي بالمغرب، خصوصاً أن عدد الاتفاقيات الموقعة لا يكشف وحده قيمة التمويلات التي وصلت فعلياً إلى المشاريع، أو عدد فرص الشغل التي أُحدثت، أو حجم الخدمات والبنيات التحتية التي استفادت منها الساكنة.
فالاتفاقية قد تحدد نوايا التعاون وتبادل الخبرات دون أن تتضمن التزاماً مالياً مباشراً، بينما تحتاج الاتفاقيات الاستثمارية إلى إجراءات تنفيذ وتمويل وتتبع تميز بين المشاريع المعلنة وتلك التي دخلت مرحلة الإنجاز.
ويصبح هذا التمييز أساسياً عند الحديث عن تقليص الفوارق، لأن ارتفاع عدد الشراكات في جهة معينة لا يعني بالضرورة تحسن وضعيتها مقارنة بالجهات الأخرى.
وفي سياق مرتبط بالتفاوتات الترابية، كشف تصنيف نشره MarocActu24 في 7 أكتوبر 2026، استناداً إلى بيانات الخزينة العامة للمملكة، عن اختلاف كبير في وزن الموارد المحولة ضمن مداخيل الجماعات الترابية بحسب المجال الجغرافي.
فقد بلغت نسبة الموارد المحولة 90.2 في المائة من مجموع مداخيل الجماعات الترابية المسجلة داخل جهة الداخلة-وادي الذهب، مقابل 33.2 في المائة داخل مجال جهة الدار البيضاء-سطات.
ويعني ذلك وجود فارق يقارب 57 نقطة مئوية في تركيبة الموارد المالية، لكنه لا يعني أن مجلس جهة الداخلة يعتمد مباشرة بالنسبة نفسها على التحويلات، لأن المعطيات تشمل الجماعات الترابية المصنفة بحسب المجال الجغرافي للجهة، وليس ميزانيات المجالس الجهوية وحدها.
كما لا يشكل ارتفاع الاعتماد على الموارد المحولة دليلاً تلقائياً على ضعف الحكامة، لأن هذه التحويلات تدخل أيضاً ضمن آليات التمويل والتضامن الترابي.
لكن الفوارق المسجلة تبرز اختلاف القدرات المالية المحلية، وهو عنصر ينبغي أخذه في الاعتبار عند تقييم قدرة المجالات الترابية على إعداد المشاريع وجذب الشراكات وتنفيذها.
اقرأ أيضاً | 90.2% في الداخلة مقابل 33.2% بالدار البيضاء.. تصنيف يكشف فجوة الموارد المحولة بين جهات المغرب
ولا تتعلق الإشكالية بحجم التمويل وحده، بل تمتد إلى نشر المعلومات التي تسمح بتقييم كيفية استعمال الموارد ومدى تقدم المشاريع.
وكان MarocActu24 قد تناول، في 3 شتنبر 2026، نتائج تقرير للبنك الدولي بشأن أحد مؤشرات برنامج «ENNAJAA»، بعدما سجل بقاء عدد التقارير نصف السنوية المنشورة حول تنفيذ الاستثمار العمومي على مستوى الجهات عند صفر، مقابل هدف محدد في ستة تقارير.
ويتعلق هذا الرقم بمؤشر خاص بتتبع ونشر المعلومات حول الاستثمار الجهوي، وفق آخر قياس متاح في التقرير، وليس بحصيلة الاستثمارات المنجزة أو بعدد مشاريع التعاون الدولي.
كما لا يثبت أن الجهات لم تنجز مشاريع أو أنها لم تستفد من شراكات خارجية، لكنه يبرز أهمية إتاحة تقارير دورية تسمح بمقارنة الاعتمادات المبرمجة بما صُرف فعلياً ومستوى التقدم المادي للمشاريع.
وتتلاقى هذه الإشكالية مع ما سجلته الدراسة المغربية بشأن ضعف الربط بين التعاون اللامركزي وآليات التخطيط والتقييم، دون أن يعني ذلك أن تقرير البنك الدولي يقيس الظاهرة نفسها التي تناولها الباحثان.
اقرأ أيضاً | تقارير الاستثمار الجهوي.. البنك الدولي يسجل «0 من 6» ومنصة التتبع لا تستخدمها الجهات بعد
وتضع هذه المعطيات حصيلة الجهوية المتقدمة أمام سؤال محدد يتعلق بإمكانية تتبع مردودية الشراكات الخارجية من توقيع الاتفاقية إلى إنجاز المشروع وتقييم أثره.
فإذا كانت الدراسة الإفريقية تشير إلى أهمية جودة الحكامة والقدرات المؤسساتية، فإن البحث الخاص بالمغرب يبرز ضرورة جعل التعاون الدولي جزءاً واضحاً من التخطيط الجهوي، بدل التعامل معه باعتباره نشاطاً منفصلاً عن البرامج والاستثمارات.
ويستدعي ذلك، على مستوى التقييم، التمييز بين الاتفاقيات الموقعة والاتفاقيات المفعلة، وحصر التمويلات المعبأة والمبالغ المصروفة، وتحديد المشاريع التي وصلت إلى مرحلة الإنجاز، وربط نتائجها بمؤشرات التنمية والخدمات وفرص الشغل.
كما يطرح سؤالاً بشأن الآليات المتاحة للجهات الأقل قدرة على جذب الشركاء الدوليين، ومدى استفادتها من الدعم التقني والمؤسساتي اللازم لإعداد مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ.
وتوصي الدراسة الإفريقية بإدراج التعاون اللامركزي داخل أطر وطنية منظمة، وتقوية ضمانات الحكامة، والاستثمار في القدرات الإدارية، وتحسين التنسيق بين المستويات الحكومية والسلطات المحلية، مع تشجيع التعاون بين الجماعات المتجاورة عندما توجد فرص لتحقيق منافع مشتركة.
ولا تقدم الدراستان حكماً نهائياً على نجاح الجهوية المتقدمة أو فشلها، كما لا تحددان نسبة دقيقة لمساهمة الشراكات الدولية في تقليص الفوارق بين الجهات المغربية.
لكنهما تقدمان أساساً علمياً لطرح أسئلة على المؤسسات المعنية بشأن عدد الاتفاقيات الدولية المنفذة، وحجم التمويلات التي جرى تعبئتها، والنتائج المسجلة، ومدى مساهمة المشاريع في معالجة الاختلالات الترابية.
وبعد أكثر من عقد على انطلاق الجهوية المتقدمة بصيغتها الحالية، ومع استمرار تطوير إطارها القانوني والمؤسساتي، يصبح تقييم التعاون اللامركزي بالمغرب مرتبطاً بما تحققه الشراكات على الأرض، لا بعدد الاتفاقيات وحده.
وبين دراسة شملت 38 دولة إفريقية وربطت أثر التعاون اللامركزي بجودة الحكامة، وبحث آخر رصد اختلالات التخطيط في الجهات المغربية الاثنتي عشرة، يبقى السؤال المطروح: هل تتوفر منظومة التتبع والتقييم على معطيات كافية لإثبات مساهمة الشراكات الدولية في تقليص الفوارق، أم أن غياب حصيلة منشورة وموحدة يجعل قياس مردوديتها الفعلية أكثر صعوبة؟


