في 32 يوماً فقط، انتقل قاموس نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، من رفض الانجرار إلى صراع الأحزاب خلال الحملة الانتخابية، إلى إعلان أن حزبه سيواصل «دعم التجربة السياسية في البلاد» كيفما كان موقعه بعد انتخابات 23 شتنبر.
وبين العبارتين تغيرت الخريطة السياسية، وانتهت الحملة، وأغلقت صناديق الاقتراع، وبدأت مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري.
قبل الانتخابات، كان نزار بركة حريصاً على إبعاد حزب الاستقلال عن المواجهة التي اشتدت بين شريكيه في الحكومة السابقة، التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة.
فخلال تقديم البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال يوم 29 غشت 2026، شدد بركة على أن حزبه لن ينساق إلى منطق الصراع والسجال، معتبراً أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أغلبية قوية ومنسجمة، وأن الخلافات الحزبية لا تجيب عن انتظارات المواطنين.
المصدر | تقديم البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال – 29 غشت 2026
كان ذلك قاموس مرحلة المنافسة، حين حاول الاستقلال إبقاء مسافة عن الصراع المتصاعد بين «الأحرار» و«البام»، مع التركيز على ما بعد الانتخابات وإمكانية بناء أغلبية جديدة.
لكن أول انتقال في لغة بركة لم ينتظر حتى انطلاق مشاورات تشكيل الحكومة.
فصباح 24 شتنبر، مباشرة بعد إعلان النتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية، قال إن المرحلة الجديدة تقتضي «الخروج من منطق التنافس الانتخابي» والتركيز على انتظارات المواطنين والتعبئة لمواجهة التحديات الكبرى.
وأضاف بركة حينها أن «حزب الاستقلال سيواصل أينما كان موقعه، العمل لما فيه مصلحة الوطن والمواطن».
كانت الصيغة واسعة سياسياً، إذ يمكن لحزب مشارك في الحكومة أو موجود في المعارضة أن يقول إنه يعمل لمصلحة الوطن والمواطن.
المصدر | تصريحات نزار بركة بعد نتائج انتخابات 23 شتنبر
نزار بركة.. من «أينما كان الموقع» إلى «دعم التجربة»
بعد ستة أيام، أصبحت العبارة أكثر اتصالاً بالسياق السياسي الجديد.
فعقب لقائه، الأربعاء 30 شتنبر، برئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري في إطار مشاورات تشكيل الحكومة، أكد نزار بركة أن حزب الاستقلال سيواصل «دعم التجربة السياسية في البلاد، كيفما كان موقعه».
وفي الوقت نفسه، لم يعلن بركة أن حزب الاستقلال قرر دخول الحكومة.
بل أكد أن قرار المشاركة سيُحسم داخل مؤسسات الحزب، في وقت تقرر فيه عقد المجلس الوطني يوم السبت 3 أكتوبر 2026 لتقييم نتائج الانتخابات والتداول في مسألة المشاركة في الحكومة المقبلة.
المصدر | مشاورات تشكيل الحكومة ولقاء المنصوري بوفد حزب الاستقلال
وهنا تظهر المفارقة السياسية.
في 24 شتنبر، كان بركة يتحدث عن «العمل لما فيه مصلحة الوطن والمواطن أينما كان الموقع».
وفي 30 شتنبر، وبعد الجلوس إلى طاولة المشاورات مع رئيسة الحكومة المكلفة، أصبحت الصيغة هي «دعم التجربة السياسية في البلاد» كيفما كان موقع حزب الاستقلال.
الفرق في الكلمات محدود، ولا يكفي وحده للقول إن نزار بركة انقلب على موقف سابق أو حسم موقع حزبه من الحكومة، لكنه يكشف تغيراً في القاموس السياسي المستخدم مع انتقال البلاد من مرحلة الانتخابات إلى مرحلة تشكيل الأغلبية الجديدة.
فعبارة «العمل من أجل مصلحة الوطن» تظل قابلة للاستعمال من الحكومة والمعارضة معاً.
أما عبارة «دعم التجربة السياسية في البلاد» فتطرح سؤالاً أكثر تحديداً حول طبيعة هذا الدعم، خصوصاً إذا انتهى المجلس الوطني إلى اختيار موقع خارج الحكومة.
وكان MarocActu24 قد توقف، مباشرة بعد تعيين المنصوري، عند إمكانية إعادة تجميع الأحزاب الثلاثة التي شكلت حكومة عزيز أخنوش، بعدما أفرزت انتخابات 23 شتنبر 97 مقعداً للأصالة والمعاصرة، و66 للتجمع الوطني للأحرار، و65 لحزب الاستقلال، أي 228 مقعداً إذا اجتمعت الأحزاب الثلاثة مجدداً.
اقرأ أيضاً | من مواجهة الحملة إلى حسابات 228 مقعداً.. هل تعود أغلبية أخنوش برئاسة المنصوري؟
كما سبق لـMarocActu24 أن تابع البرنامج السياسي الذي دخل به حزب الاستقلال انتخابات 2026، والقائم على ملفات القدرة الشرائية ومحاربة الفساد والخدمات العمومية والسيادة الوطنية، وهي الالتزامات التي ستكون بدورها جزءاً من النقاش حول شروط أي مشاركة حكومية جديدة.
اقرأ أيضاً | حزب الاستقلال يدخل انتخابات 2026 بخمسة تعهدات
المقارنة بين تصريحات نزار بركة ترسم بذلك ثلاث محطات متتالية.
في 29 غشت، خلال الحملة الانتخابية، كان التركيز على عدم الانجرار إلى «الصراع والسجال» وعلى بناء أغلبية قوية.
وفي 24 شتنبر، بعد ظهور النتائج، دعا إلى الخروج من منطق التنافس، مؤكداً أن الحزب سيعمل من أجل مصلحة الوطن والمواطن «أينما كان موقعه».
ثم في 30 شتنبر، مع انطلاق مشاورات تشكيل الحكومة، ظهرت العبارة الجديدة: الاستقلال سيواصل «دعم التجربة السياسية في البلاد، كيفما كان موقعه».
ولا تسمح هذه التصريحات وحدها بالجزم بأن الحزب اختار المشاركة في الحكومة، كما لا تسمح باعتبار أن المجلس الوطني أصبح أمام قرار محسوم سلفاً.
لكنها تكشف أن قاموس نزار بركة انتقل خلال 32 يوماً من إدارة المسافة مع صراعات الحملة إلى لغة أكثر ارتباطاً باستمرارية التجربة السياسية بعد الانتخابات.
ولهذا ستتضح الدلالة الكاملة لعبارة «دعم التجربة كيفما كان الموقع» بعد اجتماع المجلس الوطني يوم 3 أكتوبر.
فإذا اختار حزب الاستقلال المشاركة في الحكومة، ستكون العبارة منسجمة مع موقعه داخل الأغلبية الجديدة.
أما إذا اختار البقاء خارجها، فسيصبح السؤال مختلفاً: كيف يمكن لحزب أن يوجد في المعارضة، وفي الوقت نفسه يعلن مسبقاً «دعم التجربة السياسية في البلاد»؟ وأين ستنتهي حدود الدعم وتبدأ وظيفة المعارضة؟
