أقل من 24 ساعة كانت كافية لتضع أرشيف العلاقة بين حزب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار مجدداً وسط مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة.
فمساء الثلاثاء 29 شتنبر، كان هشام المهاجري، عضو المكتب السياسي لـ«البام»، يصف احتمال إعادة التحالف مع التجمع الوطني للأحرار بأنه قد يكون «مغامرة».
وفي صباح الأربعاء 30 شتنبر، كان محمد شوكي، رئيس «الأحرار»، يغادر لقاءه مع رئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري متحدثاً عن «الوضوح والصراحة» و«المصلحة العليا للوطن».
المشهد لا يعني أن أحد الطرفين أعلن التراجع رسمياً عن موقفه، ولا أن إعادة تشكيل التحالف السابق أصبحت محسومة، لكنه يعيد إلى الواجهة سلسلة من التصريحات والبلاغات التي تبادلها الحزبان قبل انتخابات 23 شتنبر، ويضعها إلى جانب اللغة الجديدة التي بدأت ترافق مشاورات تشكيل الأغلبية.
المهاجري، خلال استضافته مساء الثلاثاء في برنامج «نقطة إلى السطر» بالقناة الأولى، قال إنه لا يرغب شخصياً في إعادة تشكيل التحالف الثلاثي السابق الذي جمع «البام» والأحرار والاستقلال، معتبراً أن العودة إلى التحالف مع التجمع الوطني للأحرار قد تكون «مغامرة»، بالنظر، وفق تقديره، إلى تشبث الحزب بقطاعات وزارية من بينها الاقتصاد والمالية والفلاحة.
المصدر | SNRT News – المهاجري: التحالف مع «الأحرار» قد يكون مغامرة
وبعد ساعات فقط، جلس وفد التجمع الوطني للأحرار إلى طاولة المشاورات مع المنصوري.
وعقب اللقاء، قال محمد شوكي إن الاجتماع شكّل مناسبة لـ«نقاش مسؤول» اتسم بـ«الوضوح والصراحة»، وإن الحزب اطلع على تصور رئيسة الحكومة المعينة للمرحلة المقبلة، قبل أن يؤكد أن «الأحرار»، باعتباره حزباً مسؤولاً، سيساهم في المستقبل بما يستحضر «المصلحة العليا للوطن في كل الحالات».
ولم يعلن شوكي عقب الاجتماع أن حزبه قرر دخول الحكومة، كما لم تعلن المنصوري التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الأغلبية أو توزيع الحقائب، لذلك يظل الحديث في هذه المرحلة متعلقاً بالمشاورات وليس بتحالف حكومي محسوم.
المصدر | تصريحات محمد شوكي بعد لقاء فاطمة الزهراء المنصوري
«البام» والأحرار.. من بلاغات الاتهام إلى طاولة مشاورات الحكومة
لكن خلف صورة الأربعاء يوجد أرشيف لم يمض عليه سوى أسابيع.
ففي 25 غشت 2026، أصدر المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار بلاغاً رسمياً اتهم فيه حزب الأصالة والمعاصرة باستمالة عدد من برلمانييه ومنتخبيه وقياداته الترابية وممارسة ضغوط عليهم.
وقال «الأحرار» إن هذه الممارسات تمس، وفق موقفه، بأخلاقيات العمل السياسي وقواعد التنافس الديمقراطي، محذراً من انعكاسها على ثقة المواطنين في الأحزاب وفي العملية السياسية.
المصدر الرسمي | التجمع الوطني للأحرار – بلاغ المكتب السياسي بتاريخ 25 غشت 2026
وفي اليوم الموالي، جاء الرد الرسمي من حزب الأصالة والمعاصرة.
«البام» رفض ما وصفه بـ«المغالطات»، واستهجن إقحام اسمه في اتهامات المساس بأخلاقيات العمل السياسي، نافياً ممارسة الضغط والإكراه على المنتخبين من أجل الالتحاق به.
وتظل هذه، في الحالتين، اتهامات سياسية متبادلة بين الحزبين. ولا تشير المعطيات المنشورة التي تم الاطلاع عليها إلى نتيجة قضائية تثبت وقوع ضغط أو إكراه في الحالات موضوع السجال.
المصدر الرسمي | حزب الأصالة والمعاصرة – الرد على بلاغ «الأحرار»
وكان MarocActu24 قد تابع المواجهة عند اندلاعها، بعدما حدد «الأحرار» ثمانية أسماء ضمن الحالات التي أثارها، بينما رد «البام» باستحضار أكثر من 17 برلمانياً قال إن التجمع رشحهم خلال انتخابات 2021 بعدما كانوا ينتمون إلى أحزاب أخرى.
اقرأ أيضاً | الأحرار والبام يتبادلان الاتهامات.. 8 أسماء مقابل أكثر من 17 برلمانياً
ولم يتوقف الخلاف عند بلاغات غشت.
ففي 21 شتنبر، قبل يومين من الانتخابات، أعلن محمد المهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية لـ«البام»، مساندته للموقف الشخصي الذي سبق أن عبرت عنه المنصوري بشأن عدم المشاركة في تحالف يقوده التجمع الوطني للأحرار إذا تصدر الأخير الانتخابات.
وقال بنسعيد حينها: «ساندتها في هذا التوجه، كما مجموعة من الإخوان ساندوها»، رابطاً ذلك بما وصفه بـ«هجمات» تعرض لها حزبه بسبب إعلانه طموحه في تصدر الاستحقاقات.
وكان موقف المنصوري قبل الاقتراع قد صيغ باعتباره موقفاً شخصياً، مع بقاء القرار النهائي بشأن التحالفات من اختصاص المؤسسات التقريرية للحزب.
لكن الصندوق غيّر المعادلة.
فبعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات 23 شتنبر، قالت المنصوري يوم 24 شتنبر إن حزبها «لا يضع أي خط أحمر» مسبقاً أمام التحالف مع الأحزاب السياسية.
وأكدت أن «البام» لا يتعامل مع أي حزب باعتباره مستبعداً سلفاً، وأن البرامج والتصورات هي التي ستشكل أساس النقاش، فيما ستُحسم القرارات داخل مؤسسات الحزب. وهو موقف منشور أيضاً على البوابة الرسمية للأصالة والمعاصرة.
المصدر الرسمي | «البام»: لا خطوط حمراء.. والبرامج هي الفيصل
وبذلك أصبح تسلسل المواقف أكثر وضوحاً.
في 25 غشت، اتهامات رسمية من «الأحرار» لـ«البام» بشأن الاستمالة والضغوط.
في 26 غشت، رد رسمي ونفي من «البام».
قبل الانتخابات، موقف شخصي للمنصوري متحفظ على إعادة التحالف إذا تصدر «الأحرار»، ومساندة علنية من بنسعيد لهذا التوجه.
بعد الانتخابات، «لا خطوط حمراء» أمام أي حزب.
ثم مساء 29 شتنبر، وصف المهاجري إعادة التحالف مع «الأحرار» بأنها قد تكون «مغامرة».
وبعد ساعات، صباح 30 شتنبر، يجلس وفد الأحرار إلى طاولة المنصوري ويخرج رئيس الحزب متحدثاً عن «الوضوح والصراحة» و«المصلحة العليا للوطن».
هذا التسلسل لا يثبت أن التحالف بين الحزبين أصبح محسوماً، كما لا يجعل اختلاف المواقف تناقضاً تلقائياً؛ فالمنصوري شددت منذ البداية على أن القرار النهائي مؤسساتي، والمهاجري قدم موقفه باعتباره تقديراً سياسياً داخل نقاش أوسع حول التحالفات.
كما أن نتائج الانتخابات تفرض على الحزب المتصدر البحث عن أغلبية برلمانية، وهو ما يجعل المشاورات مع الأحزاب الأخرى جزءاً طبيعياً من عملية تشكيل الحكومة.
لكن الأرشيف يصبح مهماً عند تقييم المسافة بين خطاب الحملة وخيارات ما بعد الصندوق.
وكان MarocActu24 قد توقف، عقب تعيين المنصوري، عند السيناريو الحسابي لإعادة جمع مكونات الأغلبية السابقة؛ فحزب الأصالة والمعاصرة حصل على 97 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار على 66، والاستقلال على 65، ما يمنح الأحزاب الثلاثة مجتمعة 228 مقعداً إذا قررت إعادة تشكيل تحالفها السابق.
اقرأ أيضاً | من مواجهة الحملة إلى حسابات 228 مقعداً.. هل تعود أغلبية أخنوش برئاسة المنصوري؟
إلى حدود الأربعاء 30 شتنبر، المؤكد هو أن «البام» و«الأحرار» انتقلا من مرحلة المواجهة الانتخابية إلى مرحلة التفاوض السياسي، من دون إعلان اتفاق حكومي بينهما.
وإذا انتهت المشاورات إلى إعادة جمع الحزبين داخل الأغلبية نفسها، فستصبح المقارنة بين خطاب ما قبل 23 شتنبر وخيارات ما بعده جزءاً أساسياً من قراءة الاتفاق الجديد: ما الذي تغير في الشروط والبرامج وموازين القوة حتى أصبح التعاون ممكناً من جديد؟
أما إذا انتهت المفاوضات إلى افتراق الحزبين، فستظل تصريحات «المغامرة» و«المصلحة العليا للوطن» جزءاً من الجولة الأولى لمشاورات لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.
