وضعت وزارة الفلاحة نفسها بقوة وسط حسابات تشكيل الحكومة الجديدة، بعدما طالب هشام المهاجري، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، بإحداث تغيير داخل القطاع، معتبراً أن استمرار الحقيبة تحت الإشراف السياسي نفسه طوال سنوات طويلة يفرض فتح النقاش حول ما جرى داخلها.

المهاجري، الذي حل مساء الثلاثاء 29 شتنبر 2026 ضيفاً على برنامج «نقطة إلى السطر» بالقناة الأولى، كان يتحدث عن موقفه الشخصي من إمكانية إعادة التحالف مع التجمع الوطني للأحرار، قبل أن يعتبر أن تكرار التجربة السابقة قد يكون «مغامرة»، في سياق حديثه عن القطاعات التي يرى أن «الأحرار» ظل متشبثاً بها، وبينها الاقتصاد والمالية والفلاحة. وأكدت SNRT News صباح الأربعاء مضمون هذا الموقف وسياقه السياسي.

لكن العبارة الأكثر لفتاً جاءت عندما انتقل المهاجري مباشرة إلى وزارة الفلاحة قائلاً: «وزارة الفلاحة خص يكون فيها تغيير ضروري، لأن حزب شاد وزارة الفلاحة 20 سنة، خصنا نعرفو أش واقع داخل هذك الوزارة».

التصريح لا يتعلق فقط بتقييم حصيلة قطاع حكومي، بل يضع واحدة من أثقل الحقائب الوزارية مباشرة داخل مفاوضات ما بعد الانتخابات، في وقت بدأت فيه مشاورات تشكيل الأغلبية الجديدة.

المصدر | SNRT News – المهاجري: التحالف مع «الأحرار» قد يكون مغامرة

وزارة الفلاحة و«20 سنة».. ماذا تقول التواريخ؟

رقم «20 سنة» الذي استخدمه المهاجري يحتاج، مع ذلك، إلى بعض التدقيق.

عزيز أخنوش تولى وزارة الفلاحة سنة 2007 واستمر على رأسها إلى غاية تشكيل حكومة أكتوبر 2021، أي لنحو 14 سنة، قبل أن يخلفه محمد صديقي في الوزارة، وتؤكد المصادر الرسمية والحزبية هذا التسلسل الزمني.

لكن أخنوش لم يحمل صفة الانتماء إلى التجمع الوطني للأحرار طوال تلك الفترة بشكل متصل.

فقرار المجلس الدستوري الصادر في يناير 2012 يوثق للبلاغ الذي أعلن فيه أخنوش يوم فاتح يناير من السنة نفسها استقالته من التجمع الوطني للأحرار، قبل أن تعود قيادة الحزب في أكتوبر 2016 إلى فتح باب عودته، لينتخب في 29 أكتوبر من السنة نفسها رئيساً للحزب.

وبعد مغادرة أخنوش وزارة الفلاحة سنة 2021، تولى محمد صديقي الحقيبة، قبل أن يخلفه أحمد البواري إثر التعديل الحكومي ليوم 23 أكتوبر 2024. ويظهر البواري حالياً ضمن أعضاء المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار على الموقع الرسمي للحزب.

وعليه، فإن ربط وزارة الفلاحة بأخنوش ثم بشخصيات مرتبطة بـ«الأحرار» يمتد منذ سنة 2007 إلى اليوم، أي ما يقارب 19 سنة، لكن وصف هذه الفترة كلها بأنها عشرون سنة متصلة من التدبير الحزبي لـ«الأحرار» يبقى توصيفاً سياسياً للمهاجري أكثر منه حساباً حزبياً حرفياً، بالنظر خصوصاً إلى فترة خروج أخنوش من الحزب بين 2012 و2016.

غير أن الجزء الثاني من تصريح المهاجري، «خصنا نعرفو أش واقع داخل هذك الوزارة»، يفتح بدوره مفارقة أخرى داخل «البام» نفسه.

فالحزب يضم اليوم فوزي لقجع، الذي لا تبدأ معرفته بالجانب المالي للقطاع الفلاحي مع الحكومة الحالية.

السيرة الرسمية التي نشرتها وزارة الاقتصاد والمالية عند تعيين لقجع مديراً للميزانية توثق أنه شغل بين 2003 و2010 منصب رئيس قسم القطاع الفلاحي والمقاصة بمديرية الميزانية، بعدما كان قبل ذلك رئيساً لقسم القطاعات الإدارية. وفي يونيو 2010 عُين نائباً لمدير الميزانية، ثم مديراً لها في يناير 2011.

وهنا تظهر المفارقة الزمنية: عندما تولى عزيز أخنوش وزارة الفلاحة سنة 2007، كان لقجع داخل وزارة الاقتصاد والمالية مسؤولاً عن القسم المكلف بالقطاع الفلاحي والمقاصة.

المصدر الرسمي | وزارة الاقتصاد والمالية – السيرة المهنية لفوزي لقجع

هذا الموقع الإداري لا يعني أن لقجع كان يدبر وزارة الفلاحة أو يتحمل مسؤولية قراراتها القطاعية أو صفقاتها وتدبيرها الداخلي، لكنه يعني أنه راكم معرفة مباشرة بالشق المالي والميزانياتي المرتبط بالقطاع.

واستمر هذا التقاطع لاحقاً.

ففي فبراير 2022، وبعد انتقاله إلى الحكومة وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية، قدم لقجع بنفسه تفاصيل البرنامج الاستثنائي المخصص لمواجهة آثار تأخر التساقطات، بقيمة إجمالية بلغت 10 مليارات درهم.

ووفق وزارة الاقتصاد والمالية، تضمن البرنامج تمويل وإعادة هيكلة ديون الفلاحين، والتأمين على المحاصيل، وتمويل أنشطة فلاحية متضررة، بينها دعم قطاع تربية الماشية.

المصدر الرسمي | وزارة الاقتصاد والمالية – تفاصيل برنامج 10 مليارات درهم لمواجهة آثار الجفاف

كما أكد المهاجري نفسه خلال حوار «نقطة إلى السطر» أن لقجع ساهم في إعداد البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة وفي حملته الانتخابية.

وهنا يمكن إعادة طرح سؤال المهاجري من داخل حزبه نفسه: إذا كان «البام» يريد معرفة حصيلة وزارة الفلاحة بالأرقام، فهو يضم اليوم مسؤولاً راكم سنوات طويلة من التعامل المالي والميزانياتي مع القطاع، قبل أن يصبح مديراً للميزانية ثم وزيراً مكلفاً بها.

القرب المالي لا يعني المسؤولية عن التدبير القطاعي، لكنه يتيح الانتقال بالنقاش من الشعارات إلى أرقام الاعتمادات والدعم والتمويل وكلفة البرامج والنتائج التي تحققت مقابل الأموال المرصودة.

وكان MarocActu24 قد توقف سابقاً عند هذه المفارقة، بعدما انتقد لقجع المسار الحكومي وهو نفسه يشغل أحد أكثر المناصب ارتباطاً بتنفيذ الميزانية والسياسات المالية.

اقرأ أيضاً | من «نتائج اجتماعية باهرة» إلى «قفة صعيبة».. لقجع ينتقد مسار حكومة يشغل فيها منصب وزير الميزانية

كما تابع MarocActu24 ملف الدعم المرتبط بالقطاع الفلاحي واستيراد الأغنام، حيث أعاد النقاش أيضاً طرح الحدود بين دور وزارة المالية في توفير الاعتمادات ودور وزارة الفلاحة في التنفيذ القطاعي.

اقرأ أيضاً | دعم استيراد الأغنام.. 43.7 مليار سنتيم تربك دفاع لقجع

لكن تصريح المهاجري يفتح كذلك سؤالاً يخص صاحبه مباشرة: هل يطالب فقط بإخراج وزارة الفلاحة من اليد السياسية التي تولتها خلال السنوات الماضية، أم يمكن أن يضع خطابه اسمه ضمن النقاش السياسي حول هوية من سيتولى الحقيبة؟

إلى حدود صباح الأربعاء 30 شتنبر، لا توجد معلومة رسمية منشورة تثبت أن هشام المهاجري طلب وزارة الفلاحة لنفسه، أو أن قيادة حزب الأصالة والمعاصرة رشحته لتوليها.

لذلك لا يمكن تقديم هذا الاحتمال باعتباره خبراً عن مفاوضات الحقائب.

غير أن توقيت التصريح يمنحه دلالة سياسية واضحة، لأنه صدر بينما كان المهاجري يناقش مباشرة تركيبة الأغلبية المقبلة وموقفه من إعادة التحالف مع التجمع الوطني للأحرار، ثم انتقل إلى القطاعات التي يرى ضرورة تغيير طريقة تدبيرها، ووضع وزارة الفلاحة في مقدمتها.

وفي المقابل، لا يقف حزب الأصالة والمعاصرة خارج حصيلة الحكومة السابقة، إذ كان شريكاً في الأغلبية وشارك في التصويت على قوانين المالية والتوجهات الحكومية العامة.

والمهاجري نفسه أقر خلال البرنامج بوجود مسؤولية سياسية مشتركة لمكونات الحكومة السابقة، مع تمييزه بينها وبين المسؤولية القطاعية المباشرة التي يتحملها، وفق طرحه، كل وزير عن قطاعه.

وتكتسب وزارة الفلاحة وزناً خاصاً في مفاوضات الحكومة المقبلة بالنظر إلى ارتباطها بالأمن الغذائي والجفاف والماء والأسعار ودعم الفلاحين والكسابة والاستيراد، فضلاً عن البرامج والتمويلات العمومية الكبرى التي تمر عبر القطاع.

لذلك ستكون هوية الحزب والشخصية اللذين ستؤول إليهما الوزارة واحدة من الإشارات السياسية المهمة في توزيع النفوذ داخل الأغلبية المقبلة: هل يحتفظ التجمع الوطني للأحرار بالحقيبة إذا شارك في الحكومة؟ أم تنتقل إلى مكون آخر؟ وإذا أصر «البام» على التغيير، فأي اسم سيقترحه؟

المهاجري أعلن موقفه من استمرار الوضع قائلاً إن التغيير داخل الوزارة «ضروري».

أما ما إذا كان يرى نفسه جزءاً من هذا التغيير، فلا يوجد حتى الآن ما يثبت ذلك.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version