يفتح الصرف الصحي القروي بالمغرب من جديد سؤال المسافة بين تعبئة التمويلات وظهور أثرها على الأرض، بعدما كشفت وثيقتان ألمانيتان جديدتان انتقال المرحلة الثانية من البرنامج الوطني للصرف الصحي بالمناطق القروية إلى مرحلة «الموافقة على التمويل»، بغلاف مرتبط بالعمليتين يصل إلى 45.55 مليون يورو، في وقت لا تتجاوز فيه نسبة الأسر القروية المرتبطة بالشبكة العمومية 9.6 في المائة على الصعيد الوطني.
ونشرت مؤسسة «Germany Trade & Invest»، التابعة للحكومة الفيدرالية الألمانية، يوم 21 شتنبر 2026، إشعارين يتعلقان بدعم المرحلة الثانية من البرنامج عبر بنك التنمية الألماني KfW.
وتحمل العملية الرئيسية المرجع 202367381، وترتبط بقرض ميسر قيمته 45 مليون يورو، فيما تحمل العملية المواكبة المرجع 202370203 وترتبط بمنحة بقيمة 550 ألف يورو، ليصل مجموع الغلاف المرتبط بالعمليتين إلى 45.55 مليون يورو، أي في حدود نصف مليار درهم تقريباً بحسب سعر الصرف.
لكن قراءة التاريخ المالي للمشروع تكشف تفصيلاً أساسياً: التمويل ليس التزاماً وُلد لأول مرة في شتنبر 2026، إذ تعود برمجته إلى سنة 2023، بينما يتمثل التطور الجديد في إعلان انتقاله إلى مرحلة «الموافقة على التمويل».
وهذا التمييز مهم، لأن الموافقة المالية لا تعني أن مبلغ 45.55 مليون يورو صُرف كاملاً بالفعل، ولا أن جميع المنشآت الممولة أصبحت جاهزة أو دخلت الخدمة.
المصدر الرئيسي | Germany Trade & Invest – المرحلة الثانية من الصرف الصحي القروي
المصدر | Germany Trade & Invest – الإجراء المواكب للمرحلة الثانية
الصرف الصحي القروي بالمغرب.. 9.6% فقط مرتبطون بالشبكة
تكتسب هذه التمويلات ثقلاً أكبر عند وضعها أمام نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024.
فبحسب المندوبية السامية للتخطيط، لا تتجاوز نسبة الأسر القروية التي تقطن مساكن مرتبطة بالشبكة العمومية للصرف الصحي 9.6 في المائة، مقابل 93.4 في المائة في الوسط الحضري.
ويعني ذلك حسابياً أن نحو 90.4 في المائة من الأسر القروية غير مرتبطة بالشبكة العمومية.
لكن هذه النسبة لا تعني أن 90.4 في المائة من الأسر القروية تفتقر إلى أي نظام للصرف الصحي، لأن جزءاً مهماً منها يعتمد على الحفر الصحية وحلول أخرى.
وتفيد المندوبية بأن 41.8 في المائة من الأسر القروية تستعمل الحفر الصحية، فيما يصل معدل الولوج إلى خدمات الصرف الصحي المحسنة، عند احتساب حلول من بينها الحفر الصحية، إلى 82.4 في المائة وطنياً.
المصدر الرسمي | المندوبية السامية للتخطيط – المؤشرات الاجتماعية ونتائج RGPH 2024
وتزداد الفجوة وضوحاً في جهة سوس–ماسة، وهي إحدى الجهات التي تضم أقاليم سبق أن شملتها برامج ممولة من KfW.
فبحسب المندوبية السامية للتخطيط، بلغت نسبة الأسر القروية المرتبطة بالشبكة العمومية للصرف الصحي بالجهة 3.7 في المائة فقط سنة 2024، مقابل 83.8 في المائة في الوسط الحضري.
المصدر الرسمي | المندوبية السامية للتخطيط – مونوغرافية سوس–ماسة 2025
ولا تكشف هذه الأرقام وحدها ما إذا كان برنامج بعينه متأخراً أو ناجحاً، لكنها تحدد حجم الخصاص الذي يفترض أن تساهم الاستثمارات الجديدة في تقليصه، وتضع مؤشراً واضحاً يمكن العودة إليه لاحقاً لقياس الأثر.
وسبق لـMarocActu24 أن تابع مشروعاً آخر في قطاع الماء ممولاً من البنك الإفريقي للتنمية، أظهر بدوره أهمية الفصل بين التمويل المرصود والنتائج الميدانية، بعدما امتد أفق إنجازه إلى 2028 وظلت بعض مؤشرات التنفيذ بعيدة عن أهدافها النهائية.
اقرأ أيضاً | مشروع مياه الشرب يمتد إلى 2028.. 10 كيلومترات من أصل 300 و«صفر» أمام 250 ألف عداد
وتكشف وثيقة أخرى مرتبطة مباشرة بالمرحلة الثانية أن الانتقال من التمويل إلى الأشغال يمر بمسار تقني وإداري متعدد المراحل.
ففي 26 مارس 2026، نُشر طلب لتقديم خدمات استشارية يحمل المرجع BMZ202367381/KfW513824، يهدف إلى دعم إعداد مشاريع PNAM – Phase 2، وملاءمة ملفات طلبات العروض مع متطلبات KfW، وضمان احترام المعايير البيئية والاجتماعية والصحية والسلامة، إلى جانب تحديث أو استكمال الدراسات الخاصة بالمشاريع المرشحة للتمويل.
ويمتد الإطار الزمني للمهمة الاستشارية المنشورة إلى 18 شهراً، وهو ما يوضح أن الصرف الصحي القروي بالمغرب لا ينتقل مباشرة من قرار التمويل إلى بدء الاستغلال، وإنما عبر الدراسات والصفقات والمراجعة التقنية ثم الأشغال والتجارب ودخول المنشآت الخدمة.
المصدر | Germany Trade & Invest – استشارة PNAM Phase 2
وتظهر وثائق مشروع سيدي واعزيز بإقليم تارودانت أن بعض العمليات انتقلت بالفعل إلى مستوى طلبات الأشغال. ويتعلق المشروع بشبكة للصرف الصحي ومحطة للضخ ومنشآت للمعالجة، في إطار البرنامج الوطني للصرف الصحي وبتمويل مشترك مع KfW، مع كلفة تقديرية تقارب 27.43 مليون درهم.
وهذا المثال مهم لأنه يثبت أن التمويل الألماني يمكن أن يتحول إلى مشروع ميداني محدد، لكنه لا يسمح وحده بتقدير نسبة الإنجاز الإجمالية للمرحلة الثانية أو عدد السكان الذين استفادوا منها حتى الآن.
وفي المستوى المحلي، تظل الحاجة ظاهرة أيضاً من خلال شكاوى مرتبطة بالشبكات القائمة. ففي يوليوز 2026، تحدث سكان حي تكثرت بإمنتانوت عن استمرار تسرب المياه العادمة وانتشار الروائح والحشرات، وهي واقعة محلية لا يمكن ربطها تلقائياً بالمشاريع الممولة ضمن المرحلة الثانية، لكنها تعكس طبيعة الضغط الذي يخلقه ضعف التجهيز أو أعطابه على السكان.
كما وصل ملف الصرف الصحي بشيشاوة وإمنتانوت وسيدي المختار إلى البرلمان في سؤال كتابي سابق، تطرق إلى محطات التصفية والحاجة إلى تسريع الدراسات والمرور إلى الأشغال وتمكين الجماعات من تثمين المياه المعالجة.
المصدر الرسمي | مجلس النواب – تدبير قطاع الصرف الصحي بشيشاوة وإمنتانوت وسيدي المختار
وليست هذه أول مساهمة ألمانية في الصرف الصحي القروي بالمغرب.
ففي 22 دجنبر 2022، وقع المغرب وبنك KfW عقدي قرض ومنحة بقيمة إجمالية بلغت 32 مليون يورو، أي نحو 360 مليون درهم آنذاك، لتمويل البرنامج الوطني للتطهير السائل المشترك في 35 مركزاً تابعاً لجماعات قروية بأقاليم الحوز وشيشاوة والصويرة وتارودانت وشفشاون.
المصدر الرسمي | وزارة الاقتصاد والمالية – اتفاق 32 مليون يورو
وهذه السابقة تجعل سؤال المرحلة الثانية أكثر تحديداً: ليس ما إذا كان التمويل موجوداً، وإنما ما النتائج التي حققتها الأموال المعبأة سابقاً، وما الذي سيضيفه غلاف 45.55 مليون يورو الجديد إلى نسبة الربط وجودة المعالجة وعدد السكان المستفيدين؟
وسبق لـMarocActu24 أن تابع من زاوية أوسع توسع الحاجة إلى التمويل الدولي المخصص للأمن المائي والصمود أمام الجفاف، وهي ملفات تتقاطع مع معالجة المياه العادمة وإعادة استخدامها وحماية الموارد المائية.
اقرأ أيضاً | المغرب أمام تمويل دولي جديد لمواجهة الجفاف.. فجوة عالمية تبلغ 278 مليار دولار سنوياً
وتبقى إحدى أهم نقاط النقص في المعطيات المنشورة حول المرحلة الثانية هي غياب لوحة عمومية موحدة تعرض جميع المشاريع المستفيدة من الغلاف المالي، وحصة كل مركز، وعدد السكان المستهدفين، وتواريخ انطلاق الأشغال، ونسب التقدم ومواعيد دخول المنشآت الخدمة.
ولا يعني غياب هذه التفاصيل من الإشعارات الألمانية المفتوحة أن هذه البيانات غير موجودة لدى الجهات المكلفة بالتنفيذ، لكنه يحد من قدرة الرأي العام على الربط بين مبلغ التمويل وبين النتائج الميدانية بصورة مباشرة.
ويكتسب ذلك أهمية إضافية لأن الصرف الصحي يدخل أيضاً في صلب التكيف مع تغير المناخ، عبر الحد من تلويث المياه السطحية والجوفية ورفع قدرة معالجة المياه العادمة وإعادة استخدامها، خصوصاً في ظل الضغط المتزايد على الموارد المائية.
وبالتالي، فإن اختبار الـ45.55 مليون يورو لن يكون في الرقم المعلن وحده، بل في ما ستضيفه إلى المؤشرات التي كشفها إحصاء 2024: هل سترتفع نسبة 9.6 في المائة في المجال القروي؟ وما عدد الأسر الجديدة التي ستصلها الشبكة؟ وكم محطة ستدخل الخدمة؟
التمويل مرصود، والموافقة المالية معلنة، ومسار إعداد المشاريع يتحرك بالفعل. لكن بالنسبة إلى الصرف الصحي القروي بالمغرب، يبقى المؤشر الحاسم هو الانتقال من أرقام التمويل والدراسات إلى شبكات ومحطات تعمل فعلياً وتظهر نتائجها في نسب الربط وجودة الخدمة.
فبالنسبة إلى الأسر القروية، لا يكفي أن تظهر 45.55 مليون يورو في وثائق التمويل؛ القيمة الحقيقية ستقاس بعدد القرى والمراكز التي سترى الشبكات والمحطات على الأرض، وبالوقت الذي سيستغرقه ذلك.


