من 33.2 في المائة إلى 90.2 في المائة. هذا هو الفارق الذي تكشفه إعادة ترتيب جهات المغرب بحسب وزن الموارد المحوّلة داخل مجموع مداخيل الجماعات الترابية المسجلة في كل جهة، استناداً إلى أحدث نشرة للمالية المحلية صادرة عن الخزينة العامة للمملكة إلى نهاية غشت 2026.
فالداخلة-وادي الذهب تتصدر التصنيف بعدما شكلت الموارد المحوّلة نحو 90.2 في المائة من مجموع المداخيل المسجلة داخل الجهة، بينما تأتي الدار البيضاء-سطات في الطرف المقابل بنسبة لا تتجاوز 33.2 في المائة، رغم أنها تتصدر المملكة من حيث الحجم الإجمالي للمداخيل.
ولا تقدم الخزينة العامة هذا الترتيب جاهزاً في نشرتها، بل تعرض لكل جهة ثلاثة أصناف من الموارد: موارد تدبرها الجماعات الترابية مباشرة، وموارد تدبرها الدولة لحسابها، وموارد محوّلة إليها.
وقام MarocActu24 بحساب نسبة الصنف الثالث إلى مجموع المداخيل لكل جهة، ثم إعادة ترتيب الجهات الاثنتي عشرة من الأعلى إلى الأدنى.
المصدر الرسمي | الخزينة العامة للمملكة – النشرة الشهرية لإحصائيات المالية المحلية، غشت 2026
الموارد المحوّلة بين جهات المغرب.. من 90.2% إلى 33.2%
في المرتبة الأولى تأتي الداخلة-وادي الذهب، حيث بلغت الموارد المحوّلة 783 مليون درهم من أصل 868 مليون درهم من مجموع المداخيل، أي نحو 90.2 في المائة.
وتأتي العيون-الساقية الحمراء بفارق ضئيل جداً، بعدما سجلت 1.453 مليار درهم من الموارد المحوّلة ضمن إجمالي مداخيل يبلغ 1.612 مليار درهم، بما يعادل نحو 90.1 في المائة.
وفي المرتبة الثالثة تظهر كلميم-واد نون بنسبة 88.6 في المائة، بعدما بلغت الموارد المحوّلة 909 ملايين درهم من أصل 1.026 مليار، تليها درعة-تافيلالت بـ85.4 في المائة، اعتماداً على 1.387 مليار درهم من التحويلات ضمن مجموع مداخيل بلغ 1.624 مليار.
وبالحساب نفسه، يأتي الترتيب الكامل على الشكل التالي:
- الداخلة-وادي الذهب: 90.2%
- العيون-الساقية الحمراء: 90.1%
- كلميم-واد نون: 88.6%
- درعة-تافيلالت: 85.4%
- بني ملال-خنيفرة: 73.3%
- الشرق: 71.6%
- فاس-مكناس: 65.2%
- سوس-ماسة: 55.9%
- مراكش-آسفي: 55.1%
- طنجة-تطوان-الحسيمة: 52.6%
- الرباط-سلا-القنيطرة: 49.4%
- الدار البيضاء-سطات: 33.2%
وهذه النسب محسوبة مباشرة انطلاقاً من الأرقام المنشورة في جدول الخزينة، بقسمة الموارد المحوّلة لكل جهة على إجمالي مداخيل الجماعات الترابية المسجلة داخلها.
المفارقة الأكبر تظهر في الدار البيضاء-سطات.
فالجهة تحتل المرتبة الأولى وطنياً من حيث الحجم المطلق للمداخيل، بنحو 8.581 مليارات درهم، أي 21.8 في المائة من مجموع مداخيل الجماعات الترابية بالمملكة، إلا أن الموارد المحوّلة لا تتجاوز 2.853 مليار درهم، أي نحو ثلث المداخيل فقط.
ويرجع ذلك إلى اختلاف تركيبة مواردها. فالدار البيضاء-سطات تسجل 2.185 مليار درهم من الموارد التي تدبرها الجماعات الترابية مباشرة، إضافة إلى 3.543 مليارات درهم من الموارد التي تدبرها الدولة لحسابها، قبل إضافة 2.853 مليار درهم من الموارد المحوّلة.
وبذلك تمثل الموارد غير المصنفة ضمن التحويلات حوالي ثلثي مداخيل الجماعات الترابية داخل الجهة، في صورة تختلف جذرياً عن الداخلة أو العيون أو كلميم، حيث تقترب التحويلات من تسعة دراهم من كل عشرة دراهم من المداخيل المسجلة.
حتى الرباط-سلا-القنيطرة، التي تحتل المرتبة الثانية وطنياً من حيث الحجم الإجمالي للمداخيل بـ5.383 مليارات درهم، لا تتجاوز فيها الموارد المحوّلة 2.659 مليار درهم، أي حوالي 49.4 في المائة.
أما مراكش-آسفي، صاحبة 4.372 مليارات درهم من المداخيل، فتبلغ النسبة لديها نحو 55.1 في المائة، مقابل 65.2 في المائة بفاس-مكناس و52.6 في المائة بطنجة-تطوان-الحسيمة.
ولا يقتصر التفاوت على المقارنة بين جهتين فقط.
فبين الدار البيضاء-سطات صاحبة أدنى نسبة، والداخلة-وادي الذهب صاحبة أعلاها، توجد فجوة تقارب 57 نقطة مئوية، وهو ما يكشف عن اختلاف كبير في البنية المالية للجماعات الترابية بحسب المجال الجغرافي.
وعلى المستوى الوطني، بلغت الموارد المحوّلة إلى الجماعات الترابية 22.391 مليار درهم إلى نهاية غشت 2026، من أصل مداخيل إجمالية بلغت 39.338 مليار درهم، أي نحو 56.9 في المائة.
وكان وزن الموارد المحوّلة يبلغ 57.8 في المائة خلال الفترة نفسها من سنة 2025، بينما ارتفعت في المقابل حصة الموارد التي تدبرها الجماعات الترابية مباشرة من 19.2 في المائة إلى 20.8 في المائة.
وتشمل الموارد المحوّلة أساساً حصة الجماعات الترابية من منتوج الضريبة على القيمة المضافة، وحصة الجهات من الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل، وحصة من الضريبة على عقود التأمين، إلى جانب أموال المساهمة والإعانات.
وبلغت حصة الجماعات الترابية من منتوج الضريبة على القيمة المضافة وحدها 15.337 مليار درهم إلى نهاية غشت، لتشكل أكبر مورد منفرد ضمن مداخيلها، بينما بلغت حصة الجهات من الضريبة على الشركات 3.102 مليارات درهم ومن الضريبة على الدخل 1.938 مليار.
وكان MarocActu24 قد توقف في شتنبر عند تطور مداخيل الجماعات الترابية خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة، بعدما بلغت المداخيل الجبائية 32.4 مليار درهم، بالتوازي مع ارتفاع الاستثمار المحلي.
اقرأ أيضاً | 32.4 مليار درهم مداخيل جبائية للجماعات.. والاستثمار يقفز 36.4% في 7 أشهر
وتظهر بيانات غشت أن ست جهات فقط تستحوذ مجتمعة على 73.8 في المائة من مداخيل الجماعات الترابية، تتقدمها الدار البيضاء-سطات بـ21.8 في المائة، ثم الرباط-سلا-القنيطرة بـ13.7 في المائة، ومراكش-آسفي بـ11.1 في المائة، وفاس-مكناس بـ9.2 في المائة، وطنجة-تطوان-الحسيمة بـ9.1 في المائة، وسوس-ماسة بـ8.9 في المائة.
وهنا تظهر مفارقة أخرى: الجهات الأكبر من حيث الحجم المالي الإجمالي ليست بالضرورة الأكثر وزناً للتحويلات داخل بنيتها، بل إن الدار البيضاء-سطات، صاحبة أكبر كتلة من المداخيل، هي صاحبة أدنى نسبة للتحويلات في هذا التصنيف.
وفي المقابل، توجد الجهات الأربع الأولى في الترتيب جميعها فوق 85 في المائة، أي أن الغالبية الساحقة من المداخيل المسجلة للجماعات الترابية الواقعة داخل مجالاتها تأتي من الموارد المحوّلة وفق تصنيف الخزينة.
لكن هذه الأرقام تحتاج إلى تمييز مهم حتى لا تتحول المقارنة إلى استنتاج غير دقيق.
فالجدول لا يعرض ميزانية «مجلس الجهة» وحدها، وإنما يجمع مداخيل الميزانيات الرئيسية لمختلف الجماعات الترابية داخل المجال الجغرافي لكل جهة، بما يشمل الجهة والعمالات والأقاليم والجماعات.
ولذلك لا يصح القول إن «مجلس جهة الداخلة-وادي الذهب يعتمد بنسبة 90.2 في المائة على التحويلات»، وإنما الأدق أن الموارد المحوّلة تشكل 90.2 في المائة من مجموع المداخيل المسجلة للجماعات الترابية المصنفة داخل المجال الجغرافي للجهة.
كما أن ارتفاع نسبة الموارد المحوّلة لا يمثل بمفرده دليلاً على ضعف التدبير المالي، تماماً كما أن انخفاضها لا يثبت وحده جودة التدبير.
فالقدرة على توليد الموارد المحلية تتأثر بحجم الاقتصاد والعقار والنشاط التجاري والسكاني، وبالضرائب المطبقة، وبالتوزيع القانوني للموارد بين الدولة والجماعات، وبالاختصاصات المختلفة للجهات والجماعات والعمالات والأقاليم.
لكن التفاوت يبقى معطى مالياً قائماً يستحق النقاش.
فداخل المنظومة نفسها، توجد مجالات ترابية لا تمثل التحويلات سوى ثلث مداخيل جماعاتها تقريباً، بينما تتجاوز النسبة 90 في المائة في مجالات أخرى.
وكان MarocActu24 قد تابع أيضاً جانباً آخر من تمويل الجماعات، بعدما بلغت التزامات قروض صندوق التجهيز الجماعي 2.27 مليار درهم خلال النصف الأول من 2026، بارتفاع 46 في المائة، بينما وصلت المبالغ المصروفة فعلياً إلى 1.41 مليار درهم.
اقرأ أيضاً | 2.27 مليار درهم لتمويل الجماعات.. قروض صندوق التجهيز تقفز 46% في ستة أشهر
وبين الداخلة بـ90.2 في المائة والدار البيضاء بـ33.2 في المائة، لا يقدم التصنيف حكماً على نجاح جهة وفشل أخرى، لكنه يكشف بصورة رقمية حجم الاختلاف في بنية المالية الترابية بالمغرب.
وهذا يعيد إلى الواجهة سؤالاً مركزياً في ورش الجهوية المتقدمة: إلى أي حد نجحت المنظومة، بعد أكثر من عقد، في توسيع قدرة المجالات الترابية على توليد مواردها محلياً، وتقليص الفوارق الكبيرة في تركيبة التمويل بين جهة وأخرى؟
فالرهان لا يتعلق بإلغاء التحويلات، التي تشكل جزءاً أساسياً من نظام التضامن والتمويل الترابي، وإنما بمعرفة ما إذا كان تطور الجهوية يواكبه في المقابل نمو حقيقي ومستدام للموارد التي تستطيع الجماعات الترابية تعبئتها داخل مجالاتها.


