عاد تمويل مؤسسة «الرواج» المغربية إلى واجهة الرقابة البرلمانية في مدريد، بعدما نشرت النشرة الرسمية للكونغرس الإسباني، الاثنين 21 شتنبر 2026، سؤالاً كتابياً يطالب الحكومة بكشف مبررات قرض يصل سقفه إلى 10 ملايين يورو لفائدة المؤسسة، وتحديد مجموع ما تلقته من الدولة الإسبانية منذ سنة 2018.
الوثيقة تحمل المرجع 184/043335، ووقعها نواب مجموعة «فوكس» فرانسيسكو خوسيه ألكاراز مارتوس، وخورخي كامبوس أسينسي، وماريا دي لوس رييس روميرو فيلتشيس.
وتظهر سجلات الكونغرس أنها أودعت في 7 شتنبر 2026 تحت رقم التسجيل 125281، قبل نشرها ضمن النشرة الرسمية للبرلمان في 21 شتنبر.
ويطرح النواب ثلاثة أسئلة على السلطة التنفيذية: ما إذا كانت تعتزم مواصلة منح التمويل للمغرب، وما المبررات التي استندت إليها لمنح المبلغ للمؤسسة، ثم ما القيمة الإجمالية التي تلقتها «Fondation Arrawaj» من الدولة الإسبانية منذ سنة 2018 إلى اليوم.
المصدر الرسمي | سؤال الكونغرس الإسباني رقم 184/043335
لكن قراءة الوثيقة الجديدة بمعزل عن السجل الرسمي السابق قد تعطي انطباعاً مضللاً بأن مدريد أعلنت الآن تحويل 10 ملايين يورو جديدة إلى مؤسسة مغربية.
الوثائق الحكومية الإسبانية تكشف أن الأمر يتعلق في الأصل بقرض قديم قابل للسداد، وليس بمنحة جديدة بقيمة 10 ملايين يورو.
تمويل مؤسسة الرواج.. 10 ملايين في العقد و6.5 ملايين صُرفت فعلياً
في جواب رسمي قدمته الحكومة الإسبانية إلى مجلس النواب في نونبر 2024، أوضحت وزارة الاقتصاد والتجارة والمقاولة أن العملية تعود إلى مؤسسة «Fundación Albaraka»، التي أصبحت لاحقاً «Fondation Al Arrawaj».
ووفق الجواب الحكومي، وافقت اللجنة التنفيذية لصندوق تعزيز التنمية «FONPRODE» على العملية في 9 فبراير 2018، قبل أن يأذن مجلس الوزراء الإسباني بالقرض في 3 غشت من السنة نفسها.
وسُجلت قيمة القرض الاسمية في 10 ملايين يورو، بمدة سداد تمتد إلى سبع سنوات، منها سنتان كفترة سماح، وبسعر فائدة ثابت قدره 2.85 في المائة سنوياً.
غير أن الرقم الأكثر أهمية في الجواب السابق هو أن إسبانيا لم تكن قد صرفت 10 ملايين يورو كاملة. فحتى جواب الحكومة المؤرخ في 22 نونبر 2024، لم تتجاوز المبالغ المحولة فعلياً 6.5 ملايين يورو، موزعة على دفعتين.
وهذا الفرق بين «قيمة القرض» و«المبلغ المصروف» هو المفتاح لفهم السؤال الجديد: رقم 10 ملايين يورو يمثل سقف العملية الأصلية، بينما آخر رقم صرف رسمي أمكن التحقق منه برلمانياً كان 6.5 ملايين يورو.
المصدر الرسمي | جواب الحكومة الإسبانية بشأن قرض Albaraka/Arrawaj
كما أن قرار مجلس الوزراء الإسباني الصادر في 3 غشت 2018 كان واضحاً في توصيف العملية باعتبارها قرضاً بحد أقصى 10 ملايين يورو لفائدة مؤسسة Albaraka المغربية، ممولاً من صندوق FONPRODE، بهدف توسيع تمويل المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والفئات التي لا تصل بصورة كافية إلى الخدمات المالية التقليدية.
المصدر الرسمي | قرار مجلس الوزراء الإسباني بتاريخ 3 غشت 2018
وتصف مؤسسة «الرواج» نفسها بأنها جمعية للقروض الصغرى غير ربحية، أُنشئت سنة 1996 وتعمل على الإدماج الاقتصادي والاجتماعي والشمول المالي لفائدة أصحاب المشاريع الصغيرة والمقاولات الصغيرة جداً المستبعدة من قنوات التمويل التقليدية.
وهناك تفصيل مؤسساتي يستحق التوضيح: السؤال البرلماني الجديد يستعمل تسمية «FONPRODE» المرتبطة بالقرض التاريخي، بينما أصبحت الأداة المالية الإسبانية تحمل منذ شتنبر 2025 اسم «الصندوق الإسباني للتنمية المستدامة FEDES»، خلفاً لـFONPRODE، مع استمرار العمليات القديمة ضمن محفظة التعاون المالي الإسباني.
وكان MarocActu24 قد توقف سابقاً عند أرقام أكبر نُسبت إلى التمويلات الإسبانية الموجهة إلى المغرب، موضحاً أهمية التمييز بين القروض القابلة للسداد والمنح والضمانات وباقي أدوات التمويل.
اقرأ أيضاً | 1.260 مليار يورو تهز الإعلام الإسباني… فماذا حصل عليه المغرب فعلاً؟
«فوكس» يربط التمويل بأحداث سبتة
الجانب المالي ليس وحده الحاضر في السؤال الجديد، فقد ربط النواب الثلاثة مسألة استمرار التمويل الإسباني للمغرب بأحداث سبتة، مستخدمين في الوثيقة تعبير «الغزو»، ونسبوا إلى السلطات المغربية دوراً في تلك الأحداث.
غير أن هذا التوصيف يجب إبقاؤه منسوباً بوضوح إلى نواب «فوكس»، فهو جزء من عرضهم السياسي المرافق للسؤال، وليس خلاصة قضائية نهائية تثبت مسؤولية السلطات المغربية عن أحداث سبتة.
فالوثيقة المنشورة حالياً ليست تقرير تحقيق ولا قراراً حكومياً، وإنما سؤال برلماني ينتظر جواب السلطة التنفيذية.
وكانت قضية العلاقات مع المغرب قد أصبحت خلال الأسابيع الأخيرة محوراً لمبادرات أخرى لـ«فوكس» داخل البرلمان الإسباني، من بينها مطالبة بوقف منح التأشيرات للمواطنين المغاربة إلى حين اعتراف الرباط بما يعتبره الحزب السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية ومواقع أخرى، وهي مبادرة حزبية لا تمثل في حد ذاتها قراراً حكومياً نافذاً.
اقرأ أيضاً | إسبانيا.. فوكس يطالب بوقف تأشيرات المغاربة حتى تعترف الرباط بسيادة مدريد على سبتة ومليلية
ما الجديد في ملف تمويل مؤسسة الرواج؟
الجديد ليس اكتشاف قرض بقيمة 10 ملايين يورو، لأن قرار الترخيص به معلن منذ 2018، كما أن الحكومة الإسبانية سبق أن كشفت جزءاً مهماً من شروطه وحجم ما صُرف منه.
الجديد هو عودة الملف رسمياً إلى الكونغرس في شتنبر 2026، مع سؤال يطلب هذه المرة كشف الحساب الكامل منذ 2018 إلى اليوم.
وهنا تكمن النقطة التي قد تحمل معطى جديداً فعلاً. فالرقم الرسمي الأخير الذي أمكن التحقق منه يعود إلى نونبر 2024، حين قالت الحكومة إن 6.5 ملايين يورو فقط صُرفت من أصل سقف يبلغ 10 ملايين.
أما السؤال الحالي فيطلب المجموع الذي تلقته المؤسسة إلى غاية 2026.
وبالتالي، فإن جواب الحكومة المقبل يمكن أن يكشف ما إذا كانت 3.5 ملايين يورو المتبقية من السقف الأصلي قد صُرفت لاحقاً، أو ما إذا كانت هناك عمليات تمويل أخرى من الدولة الإسبانية لفائدة المؤسسة خلال الفترة اللاحقة.
ولا تسمح الوثيقة الجديدة وحدها بالجزم بأي من الاحتمالين، لأنها سؤال برلماني وليست جواباً حكومياً أو كشفاً محاسبياً جديداً.
كما توجد تمويلات أخرى حصلت عليها أو تسعى «الرواج» إلى الحصول عليها من مؤسسات مالية دولية مختلفة، لكن هذه العمليات مستقلة عن القرض الإسباني موضوع السؤال البرلماني، ولا ينبغي جمعها معه باعتبارها أموالاً مقدمة من الدولة الإسبانية.
وحتى 21 شتنبر 2026، لم يظهر ضمن السجل الرسمي الذي جرى الاطلاع عليه جواب حكومي جديد عن الأسئلة الثلاثة الواردة في الملف 184/043335.
لذلك فإن الصياغة الأدق للملف هي أن قرضاً إسبانياً قديماً بسقف 10 ملايين يورو عاد إلى الرقابة البرلمانية، بينما يؤكد آخر جواب حكومي متاح أن 6.5 ملايين يورو فقط كانت قد صُرفت حتى نونبر 2024.
وسيكون الجواب الجديد للحكومة الإسبانية هو الوثيقة الحاسمة لمعرفة ما إذا تغير هذا الرقم بعد 2024، وما مجموع ما تلقته مؤسسة «الرواج» من الدولة الإسبانية منذ سنة 2018، وما المبررات التي ستقدمها مدريد لاستمرار أو تغيير سياستها التمويلية تجاه المؤسسة والمغرب.


