استيراد الأبقار من البرازيل سجّل قفزة لافتة خلال سنة واحدة فقط، بعدما كشفت وزارة الزراعة والثروة الحيوانية البرازيلية أن قيمة صادرات الأبقار الحية الموجهة إلى المغرب ارتفعت من 41 مليون دولار سنة 2024 إلى 213.5 مليون دولار خلال 2025، أي بأكثر من خمسة أضعاف.
وبحساب نسبة الزيادة، تكون قيمة هذه الصادرات قد ارتفعت بنحو 421 في المائة خلال عام واحد، في رقم رسمي يفتح، في خضم النقاش الانتخابي حول حصيلة الحكومة وأسعار اللحوم وإعادة تكوين القطيع، باباً أوسع لقياس النتائج الفعلية للسياسات التي اعتمدها المغرب خلال السنوات الأخيرة.
وبالتحويل التقريبي إلى العملة المغربية، تعادل قيمة 213.5 مليون دولار قرابة ملياري درهم، أي نحو 200 مليار سنتيم، مع التأكيد أن هذا التحويل تقريبي ويتغير باختلاف سعر الصرف، بينما يبقى الرقم الأصلي المثبت رسمياً من الجانب البرازيلي هو 213.5 مليون دولار.
المصدر الرسمي | وزارة الزراعة والثروة الحيوانية البرازيلية – 6 غشت 2026
والرقم الأكثر دلالة لا يتعلق بقيمة الصادرات وحدها.
فالوزارة البرازيلية أكدت أن البرازيل استحوذت خلال سنة 2025 على 46.7 في المائة من واردات المغرب من الأبقار الحية.
وهذا يعني أن ما يقارب نصف الأبقار الحية التي استوردها المغرب خلال السنة، وليس نصف القطيع الوطني أو نصف استهلاك المملكة من اللحوم، كان مصدره البرازيل.
وهو تمييز ضروري، لأن نسبة 46.7 في المائة تخص واردات المغرب من هذا المنتج تحديداً، ولا تعني أن البرازيل توفر نصف حاجيات المغاربة الإجمالية من الأبقار أو اللحوم.
ولا تبدو القفزة محصورة في سنة 2025.
فالوزارة البرازيلية أفادت أيضاً بأن المغرب أصبح خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026 ثاني أكبر وجهة لصادرات البرازيل من الأبقار الحية، ما يؤكد استمرار حضور السوق المغربية بقوة ضمن وجهات مصدري الماشية البرازيليين.
وتوضح المعطيات الرسمية ذاتها أن الأبقار الحية الموجهة إلى الذبح تستفيد منذ نهاية 2022 من تعليق رسم الاستيراد عند دخولها ضمن حصص تعريفية سنوية تحددها السلطات المغربية، وأن الحصة المقررة لسنة 2026 حُددت في 300 ألف رأس.
وفي يوليوز الماضي، توسعت إجراءات فتح السوق أكثر، بعدما صدر المرسوم رقم 2.26.584 المتعلق بوقف استيفاء رسم الاستيراد المفروض على الأغنام الحية ولحوم الأبقار والأغنام والماعز والجمال.
ودخل التدبير حيز التنفيذ في 27 يوليوز 2026 ويستمر إلى غاية 31 دجنبر، ويشمل الواردات القادمة من مختلف البلدان وليس البرازيل وحدها.
الجريدة الرسمية | المرسوم رقم 2.26.584
استيراد الأبقار من البرازيل يضع حصيلة القطيع والأسعار تحت المجهر
وراء هذه الأرقام التجارية توجد أزمة داخلية أعمق مرتبطة بالقطيع الوطني والجفاف وارتفاع كلفة الأعلاف والضغط الذي عرفته أسعار اللحوم الحمراء.
فالوزارة البرازيلية نفسها، نقلاً عن معطيات للحكومة المغربية، أشارت إلى أن إحصاء 2025 أظهر تراجعاً يقارب 30 في المائة في أعداد الأبقار، في سياق نسبته إلى توالي سنوات الجفاف وارتفاع تكاليف تغذية الماشية.
وكان الإحصاء الوطني للقطيع، المنجز بين 26 يونيو و11 غشت 2025، قد أحصى 32.83 مليون رأس من مختلف أصناف الماشية، من بينها نحو 2.094 مليون رأس من الأبقار.
وبالتالي، فإن توسع الاستيراد لم يأت من فراغ، بل جاء في سياق محاولة تعويض جزء من تراجع العرض الوطني وتأمين تموين السوق باللحوم الحمراء.
لكن السؤال الذي تطرحه أرقام برازيليا يتعلق بحجم هذا التحول.
فقيمة صادرات الأبقار البرازيلية إلى المغرب لم ترتفع ببضعة ملايين من الدولارات فقط، بل انتقلت من 41 مليون دولار إلى 213.5 مليون دولار في سنة واحدة.
وفي الوقت نفسه أصبحت البرازيل وحدها توفر 46.7 في المائة من واردات المغرب من الأبقار الحية.
هذه الأرقام تجعل استيراد الأبقار من البرازيل مؤشراً مهماً عند تقييم التحول الذي طرأ على طريقة تأمين حاجيات السوق المغربية خلال سنوات أزمة القطيع.
ولا يعني ذلك، في حد ذاته، أن الاستيراد كان خياراً خاطئاً.
فالاستيراد يمكن أن يشكل أداة ظرفية لتجنب نقص العرض خلال فترات الجفاف وتراجع الإنتاج الداخلي، كما أن توسيع مصادر التوريد قد يساهم في ضمان استمرار تموين الأسواق.
لكن الاختبار النهائي لا يقف عند عدد الرؤوس التي تصل إلى الموانئ، بل عند الأثر الذي تتركه هذه السياسة على السعر النهائي الذي يؤديه المستهلك وعلى قدرة الإنتاج الوطني على استعادة توازنه.
وسبق لـMarocActu24 أن تابع ملف الدعم العمومي الموجه لاستيراد الأغنام، والذي بلغت كلفته الرسمية 437 مليون درهم، أي 43.7 مليار سنتيم، خلال سنتي 2023 و2024، مقابل نحو 875 ألف رأس و156 مستورداً.
اقرأ أيضاً | من «لعنة الله على الكاذبين» إلى «صفقة المدارس».. دفاع لقجع يصطدم بقرار مشترك في ملف 43.7 مليار سنتيم
كما انتقلت الدولة لاحقاً من دعم الاستيراد إلى برنامج واسع لإعادة تشكيل القطيع، بلغت الكلفة الإجمالية للمساعدة المباشرة المعلن عنها في شطريها 12.8 مليار درهم، وشملت دعم الأعلاف والمحافظة على إناث الأغنام والماعز وإعادة جدولة ديون الكسابة والتلقيح والمواكبة التقنية.
اقرأ أيضاً | فوزي لقجع وأسعار اللحوم.. 12.8 مليار درهم تعيد سؤال الحصيلة
ومن جهة أخرى، توجد معطيات رسمية أحدث يتعين إدراجها في ميزان التقييم.
ففي ماي 2026، قالت مديرية الدراسات والتوقعات المالية إن برنامج إعادة تشكيل القطيع، إلى جانب تحسن الظروف المناخية وولادات الخريف والربيع، مكّن من «استعادة توازن القطيع الوطني»، مشيرة إلى أن عدده الإجمالي أصبح يناهز 40 مليون رأس.
وهذا الرقم يتعلق بمجموع القطيع الوطني بمختلف أصنافه، ولا يمكن مقارنته مباشرة بنسبة 46.7 في المائة التي تخص فقط واردات الأبقار الحية من البرازيل.
المصدر الرسمي | البوابة الوطنية للمملكة – وضعية القطيع في ماي 2026
وهنا يصبح النقاش أكثر دقة.
الحكومة تقول إن برنامج إعادة تشكيل القطيع وتحسن الموسم الفلاحي ساهما في استعادة التوازن.
وفي المقابل، تكشف أرقام التجارة البرازيلية أن الطلب المغربي على الأبقار المستوردة ظل قوياً، وأن المغرب صعد في بداية 2026 إلى المرتبة الثانية ضمن وجهات الأبقار الحية البرازيلية.
ولا يلغي أحد المعطيين الآخر بالضرورة.
فإعادة بناء القطيع عملية تمتد زمنياً، بينما يمكن أن يستمر الاستيراد بالتوازي معها لتأمين العرض، خصوصاً بالنسبة إلى الحيوانات الموجهة للذبح.
لكن استمرار الاعتماد الكبير على الخارج يجعل من المشروع مساءلة النتائج على مستوى الأسعار والقدرة الإنتاجية المحلية.
والمواطن لا يقيس نجاح سياسة الاستيراد بقيمة الصادرات التي تحققها البرازيل، ولا بعدد الرؤوس التي تعبر الموانئ، وإنما بما يدفعه في النهاية مقابل كيلوغرام اللحم.
كما أن الكسابة يحتاجون بدورهم إلى وضوح بشأن المدى الذي سيستمر فيه فتح السوق أمام الأبقار واللحوم المستوردة، وكيف ستوازن الدولة بين تأمين العرض في الأمد القصير وحماية إعادة بناء الإنتاج المحلي في الأمد المتوسط.
ومع دخول الأحزاب مرحلة تقديم حصيلتها وبرامجها للناخبين في تشريعيات 2026، تتحول هذه الأرقام من مؤشرات تجارية إلى مادة مباشرة للمحاسبة السياسية.
فأحزاب الأغلبية الحكومية لا تواجه فقط سؤال ما ستفعله خلال الولاية المقبلة، بل أيضاً سؤال ما تحقق خلال الولاية المنتهية في ملف مس حياة الأسر والكسابة والمالية العمومية.
41 مليون دولار من الأبقار البرازيلية في 2024.
213.5 مليون دولار في 2025.
زيادة تقارب 421 في المائة.
46.7 في المائة من واردات المغرب من الأبقار الحية جاءت من البرازيل.
وحصة تعريفية للاستيراد تبلغ 300 ألف رأس خلال 2026.
وفي الجهة المقابلة، برنامج لإعادة تشكيل القطيع بمليارات الدراهم، ومعطى حكومي أحدث يقول إن العدد الإجمالي للقطيع عاد إلى نحو 40 مليون رأس وإن التوازن تمت استعادته.
وبين الرقمين توجد الحلقة التي تهم الناخب والمستهلك أكثر من غيرها: الأسعار.
لذلك فإن السؤال الانتخابي الأكثر دقة ليس ما إذا كان المغرب استورد الأبقار أم لا، لأن الاستيراد كان جزءاً معلناً من سياسة مواجهة نقص العرض، وإنما: هل نجحت كل هذه التدابير، بما فيها استيراد الأبقار من البرازيل والدعم وإعادة تشكيل القطيع، في الوصول إلى النتيجة التي يشعر بها المواطن في السوق؟
ذلك هو الاختبار الذي يمكن أن تُقاس به الحصيلة بعيداً عن شعارات الحملة: قطيع أقوى، إنتاج محلي أكثر قدرة على الصمود، واعتماد أقل اضطراراً على الخارج، وأسعار يستطيع المستهلك أن يلمس أثر السياسات العمومية عليها.



