عادت سندات الطلب بالجماعات الترابية إلى واجهة النقاش حول نجاعة الإنفاق العمومي، بعد معطيات تحدثت عن توصل مصالح مديرية مالية الجماعات المحلية بمراسلات من رؤساء جماعات تنبه إلى عروض مالية شديدة الانخفاض قدمتها مقاولات للفوز بطلبيات عمومية، قبل أن تظهر لاحقاً صعوبات في الوفاء بالالتزامات وتنفيذ الأشغال والخدمات المتفق عليها.
وتكتسب القضية حساسية إضافية بالنظر إلى أن السعر المنخفض يفترض، من حيث المبدأ، أن يسمح للجماعات بترشيد نفقاتها، غير أن النتيجة قد تنقلب إلى العكس عندما تفوز مقاولة بطلبية بثمن لا يغطي عملياً كلفة المواد واليد العاملة والنقل والمعدات الضرورية لإنجاز الأشغال أو الخدمات.
وبحسب المعطيات المنشورة السبت 12 شتنبر 2026، فإن بعض المنافسات المرتبطة بسندات الطلب تحولت، في الحالات التي أثارتها المراسلات، إلى سباق نحو تقديم أقل سعر، حتى عندما يصبح العرض المالي بعيداً عن الكلفة الفعلية لتنفيذ الالتزام.
وتحدثت المعطيات نفسها عن ظهور صعوبات مالية ولوجستية لدى مقاولات فازت بطلبيات في مناطق بعيدة عن مقراتها، مع الإشارة إلى حالات بجهتي الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة.
وفي بعض الحالات، لجأت مقاولات فائزة، وفق المصدر الصحفي، إلى البحث لاحقاً عن مزودين محليين لتوفير المواد أو المساهمة في تنفيذ جزء من الأشغال، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤالاً مركزياً يتعلق بمدى التحقق من القدرات التقنية والمالية للمنافسين قبل إسناد الطلبيات، بدل اختزال المنافسة في مقارنة الأسعار فقط.
المصدر الصحفي | سندات الطلب تشعل «حرب الأسعار»
سندات الطلب بالجماعات الترابية.. ماذا تقول القواعد الحالية؟
العودة إلى المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية تكشف أن سندات الطلب تخضع حالياً لسقف مالي يصل إلى 500 ألف درهم مع احتساب الرسوم، بالنسبة إلى الأعمال من النوع نفسه وخلال السنة المالية الواحدة ولكل آمر بالصرف أو آمر مساعد بالصرف.
وتفرض القواعد الحالية، من حيث الأصل، إخضاع سندات الطلب للمنافسة المسبقة، مع نشر إعلان الشراء في بوابة الصفقات العمومية، قبل فحص العروض المقدمة وترتيبها وفق المقتضيات التنظيمية المعمول بها.
وتكمن أهمية هذا الجانب في أن الاختيار على أساس السعر الأقل يمكن أن يحقق وفراً مالياً للجماعة عندما يكون العرض واقعياً وقابلاً للتنفيذ، لكنه قد يتحول إلى مصدر تعثر عندما ينخفض السعر إلى مستوى لا يسمح للمقاولة بتغطية التكاليف الأساسية للأشغال أو الخدمات المطلوبة.
المصدر الرسمي | المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية
غير أن الملف يكتسب بعداً إضافياً مع مشروع المرسوم رقم 2.26.435، الذي أعد لتغيير وتتميم مرسوم الصفقات العمومية، ويتضمن تعديلات مباشرة على القواعد المؤطرة لسندات الطلب.
ويقترح المشروع رفع الحد الأقصى لسندات الطلب من 500 ألف إلى 800 ألف درهم مع احتساب الرسوم، أي زيادة قدرها 300 ألف درهم في السقف المالي الذي يمكن تدبيره عبر هذه الآلية.
ولا يقتصر المشروع على رفع السقف فقط، بل يتجه أيضاً إلى تعزيز الضوابط المرتبطة بالمنافسة وفحص العروض، في محاولة للحد من الحالات التي يكون فيها السعر المقدم غير واقعي مقارنة مع الكلفة الحقيقية لتنفيذ الطلبية.
ومن بين المقتضيات المقترحة تمديد مدة نشر إعلان الشراء، وإدراج معطيات أكثر تفصيلاً بشأن المواصفات التقنية وتقدير صاحب المشروع لكلفة الأعمال، إلى جانب إمكان المطالبة بوثائق أو ضمانات إضافية بحسب طبيعة الطلبية.
والأهم في سياق الجدل الحالي أن مشروع التعديل يفتح المجال أمام استبعاد العروض المنخفضة بكيفية غير عادية، وفق الشروط والضوابط التي يحددها النص التنظيمي، قبل ترتيب العروض المقبولة مالياً واختيار العرض المستوفي للشروط.
وبذلك، فإن مشروع التعديل لا يتجه فقط إلى توسيع الهامش المالي المتاح أمام الإدارات والجماعات عبر رفع سقف سندات الطلب، وإنما يسعى في المقابل إلى تقوية آليات التحقق من واقعية الأسعار والقدرة على التنفيذ.
غير أن سقف 800 ألف درهم وباقي المقتضيات الجديدة لا ينبغي تقديمها في المرحلة الحالية باعتبارها قواعد نافذة، لأنها واردة ضمن مشروع مرسوم يحتاج إلى استكمال المسار التنظيمي ونشر النص النهائي قبل دخوله حيز التطبيق.
الوثيقة الرسمية | مشروع المرسوم رقم 2.26.435
وتزداد أهمية النقاش حول سندات الطلب بالجماعات الترابية بالنظر إلى حجم الموارد المالية التي أصبحت تدبرها الجماعات، وتنامي نفقات الاستثمار المحلي ومشاريع البنيات والتجهيزات والخدمات.
وكان MarocActu24 قد تابع معطيات مالية أظهرت أن المداخيل الجبائية للجماعات الترابية بلغت 32.4 مليار درهم خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026، بالتوازي مع ارتفاع نفقات الاستثمار المحلي.
اقرأ أيضاً | المداخيل الجبائية للجماعات الترابية تبلغ 32.4 مليار درهم
كما سبق للموقع أن تابع ارتفاع التزامات قروض صندوق التجهيز الجماعي إلى 2.27 مليار درهم خلال النصف الأول من 2026، ما يعكس حجم التمويلات الموجهة إلى المشاريع المحلية، ويجعل جودة تنفيذ الطلبيات جزءاً مباشراً من سؤال فعالية الإنفاق العمومي على المستوى الترابي.
🟦 اقرأ أيضاً | 2.27 مليار درهم لتمويل الجماعات
ورغم أهمية المعطيات المتداولة، فإن المراسلات المشار إليها لم تنشر للعموم حتى الآن، كما لم يصدر، بحسب المعطيات المتاحة، بلاغ تفصيلي رسمي يحدد عدد سندات الطلب التي واجهت صعوبات في التنفيذ، أو القيمة المالية الإجمالية للطلبيات المعنية، أو أسماء المقاولات والجماعات المرتبطة بهذه الحالات.
لذلك لا تسمح المعطيات المتاحة حول سندات الطلب بالجماعات الترابية بالجزم بحجم الظاهرة على الصعيد الوطني، ويبقى الحديث عن حالات محددة منسوباً إلى المصادر التي كشفت عن المراسلات، في انتظار وثائق رسمية أو توضيحات إضافية من الجهات المختصة.
غير أن المؤكد أن ملف سندات الطلب بالجماعات الترابية أصبح أمام معادلة أكثر حساسية: من جهة، عروض مالية شديدة الانخفاض قد تحقق وفراً ظاهرياً قبل أن تواجه صعوبات في التنفيذ، ومن جهة ثانية، مشروع تنظيمي رسمي يقترح رفع السقف من 500 ألف إلى 800 ألف درهم، بالتوازي مع تشديد آليات فحص الأسعار وإقصاء العروض غير الواقعية.


