تدخل وثائق سبتة، الأربعاء 9 شتنبر 2026، واحدة من أكثر مراحل الأزمة الإسبانية حساسية، بعدما قررت حكومة بيدرو سانشيز نشر نحو 40 وثيقة وتقريراً وتنبيهاً تلقتها أجهزة الدولة خلال الفترة الممتدة من فاتح يوليوز إلى فاتح غشت، بالتزامن مع رفع السرية جزئياً عن مواد استخباراتية مرتبطة بالأحداث التي انتهت بدخول أكثر من 70 ألف شخص إلى المدينة يومي 30 و31 يوليوز.
وأعلنت المتحدثة باسم الحكومة الإسبانية إلما سايز، عقب اجتماع مجلس الوزراء الثلاثاء 8 شتنبر، أن الوثائق ستصبح متاحة على الموقع الرسمي لقصر «لا مونكلوا» على امتداد يوم الأربعاء، مؤكدة أن الحكومة تريد تمكين المواطنين من الاطلاع على المعلومات التي كانت بحوزتها لأنها، بحسب تعبيرها، «ليس لديها ما تخفيه».
ولا تعني حزمة الأربعين وثيقة أن جميع المواد المنتظر نشرها كانت مصنفة سرياً بالدرجة نفسها، إذ يتعلق الأمر بمزيج من تقارير الوضع والتنبيهات والمراسلات الصادرة عن أجهزة مختلفة، بينما شمل قرار رفع السرية جزئياً مواد محفوظة لدى أجهزة الاستخبارات المدنية والعسكرية.
المصدر | الحكومة الإسبانية – عرض موقف بيدرو سانشيز من تقارير ما قبل أزمة سبتة
وتكشف تفاصيل وثائق سبتة التي سبقت نشر الحزمة أن من بين المواد التي تقرر إخراجها إلى العلن ثلاث مذكرات صادرة عن مركز الاستخبارات الوطني «CNI»، وتقريراً أعده مركز استخبارات القوات المسلحة «CIFAS»، إلى جانب محتوى اتصالات أجراها جهاز الاستخبارات مع مندوبية الحكومة في سبتة ووحدة المعلومات المركزية الخاصة رقم 3 التابعة للحرس المدني.
وتمنح وثائق سبتة أهمية سياسية تتجاوز مجرد نشر أرشيف أمني، لأنها ستسمح للمرة الأولى بمقارنة التسلسل الزمني الحقيقي للتنبيهات مع الرواية التي قدمها سانشيز أمام مجلس النواب قبل أقل من أسبوع.
وثائق سبتة تضع تحذير CIFAS وتوقيته تحت المجهر
يبرز تقرير «CIFAS» باعتباره أكثر العناصر حساسية حتى الآن، بعدما كشفت إذاعة «Cadena SER» أن الوثيقة تضمنت تحذيراً من أن وقوع «دخول جماعي» إلى سبتة بالتزامن مع عيد العرش المغربي كان احتمالاً مرجحاً.
غير أن قيمة هذا التحذير لا يمكن فصلها عن توقيت وصوله، إذ تشير المعطيات المنشورة إلى أن التقرير بلغ القيادة العليا لوزارة الدفاع يوم 30 يوليوز نفسه، وهو اليوم الذي تحولت فيه محاولات العبور إلى أزمة استثنائية، ما ترك هامشاً زمنياً محدوداً للتحرك على المستوى الوزاري.
وتجعل هذه النقطة من الساعة والتاريخ المثبتين على الوثيقة عنصرين مركزيين في قراءة ما سيُنشر الأربعاء، لأن وجود عبارة تحذر من «دخول جماعي» لا يكفي وحده لإثبات أن الحكومة كانت تملك إنذاراً مبكراً يمكن أن يمنع الأزمة.
السؤال الأكثر دقة يتعلق بتاريخ إعداد التقرير، والمرحلة التي بدأت خلالها المعلومات التي يتضمنها تتداول داخل المؤسسة العسكرية، والجهات التي كانت مطلعة عليها قبل وصولها إلى قمة وزارة الدفاع، وما إذا كانت تلك المعطيات قد وصلت في وقت يسمح بتغيير مستوى الانتشار الأمني على الحدود.
المصدر | Cadena SER – تفاصيل رفع السرية وتقرير CIFAS
وهنا تحديداً ستخضع رواية سانشيز لاختبار الوثائق.
رئيس الحكومة الإسبانية كان قد أكد أمام الكونغرس يوم 3 شتنبر أنه راجع التقارير والرسائل والمذكرات الشفوية التي أرسلتها قوات الأمن ومركز الاستخبارات الوطني إلى السلطات السياسية ومندوبية الحكومة في سبتة، وقال إن أياً منها «لم يتجاوز وصف المعطيات أو التنبيه الروتيني»، وإن أياً منها لم يتوقع «لا حجم ولا احتمال» ما حدث لاحقاً.
سانشيز لم ينف أن يوليوز شهد ارتفاعاً في محاولات العبور سباحة، كما لم ينف صدور توصيات بتشديد الحذر، لكنه فصل بين رصد تزايد تلك المحاولات وبين القدرة على توقع وصول عشرات الآلاف خلال ساعات.
وقال، بحسب النص المنشور رسمياً من «لا مونكلوا»، إن هناك فرقاً بين ملاحظة ارتفاع عمليات العبور سباحة وضرورة توخي مزيد من الحذر، وبين القدرة على توقع وصول 70 ألف شخص إلى سبتة خلال ساعات.
وكان MarocActu24 قد تابع تفاصيل مثول سانشيز أمام البرلمان، بعدما أقر أيضاً بأن الدرك المغربي سمح بالعبور خلال عشر ساعات مركزية من يوم 30 يوليوز، مع تأكيده أن الحكومة الإسبانية لا تتوفر حتى الآن على أدلة صلبة تثبت أن المغرب خطط للعملية أو نفذها.
اقرأ أيضاً | سانشيز أمام البرلمان: الدرك المغربي سمح بالعبور 10 ساعات.. ومدريد تحقق
وتكشف معطيات أخرى أن ملف التنبيهات لم يبدأ يوم 30 يوليوز، إذ سبق أن تحدث سانشيز عن سبع مذكرات مكتوبة أو شفهية صادرة عن «CNI»، بينها تقارير أوصت بتشديد الاحتياطات عند حاجز تاراخال بعد حكم للمحكمة العليا الإسبانية صدر يوم 8 يوليوز، وسط ارتفاع ملحوظ في محاولات الدخول سباحة.
لهذا لن يكون معيار تقييم الوثائق هو مجرد العثور على كلمة «تحذير»، بل طبيعة السيناريو الذي وصفه كل جهاز، وتاريخ إصدار التحذير، ومستوى الدقة الذي وصل إليه، والجهات التي تسلمته قبل 30 يوليوز.
وتزداد حساسية الوثائق المنتظرة مع استمرار الجدل حول تقرير مركز الشرطة الوطني للهجرة والحدود «CENIF»، الذي أُحيل إلى قاضية المحكمة الوطنية ماريا تاردون، وتضمن استنتاجات تتحدث عن «تساهل» من قوات الأمن المغربية ومشاركة عناصر في توجيه بعض العابرين عبر المياه، استناداً إلى تحليل صور ومقاطع وشهادات منشورة.
لكن مضمون تقرير الشرطة لا يساوي، قانونياً أو استخباراتياً، إثبات صدور قرار سياسي مغربي بالتخطيط للعملية.
التقرير يقدم مؤشرات واستنتاجات بشأن سلوك عناصر على الأرض وطريقة تطور عملية العبور، لكنه لا يحدد حتى الآن جهة سياسية مغربية باعتبارها صاحبة أمر مثبت بتنظيم العملية، بينما يؤكد سانشيز أن الحكومة الإسبانية لم تتوصل إلى أدلة صلبة تسمح لها باتهام المغرب رسمياً بالتخطيط أو التنفيذ.
وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية لأن الفترة التي تغطيها حزمة الأربعاء تنتهي في فاتح غشت، وهو ما يعني أن بعض التقارير والتحقيقات اللاحقة المتعلقة بتحديد الجهة التي ربما وقفت خلف الأحداث لن تكون بالضرورة جزءاً من الوثائق المنشورة الآن.
وأشارت «إلباييس» إلى أن الحزمة تركز أساساً على ما كانت تعرفه الدولة قبل الأزمة وأثناء بدايتها، وليس على كل ما جمعته الأجهزة لاحقاً حول المسؤوليات المحتملة.
المصدر | El País – تفاصيل تقرير CENIF بشأن أحداث سبتة
وكان السجال بشأن دور المغرب قد انتقل في وقت سابق إلى قلب المواجهة بين الحكومة والمعارضة، بعدما اتهم الحزب الشعبي حكومة سانشيز بالضعف في إدارة العلاقة مع الرباط، بينما تمسك رئيس الحكومة بغياب أدلة استخباراتية حاسمة تبرر توجيه اتهام رسمي للمغرب.
اقرأ أيضاً | الحزب الشعبي يصعّد ضد سانشيز ويدخل العلاقة مع المغرب في قلب أزمة سبتة
وتفتح وثائق سبتة المنتظرة مساراً ثانياً لا يقل حساسية لا يقل حساسية يتعلق بتدفق المعلومات بين أجهزة الدولة نفسها؛ ماذا عرف «CNI»؟ وماذا عرف «CIFAS»؟ ومتى وصلت التقارير إلى الداخلية والدفاع؟ وما طبيعة الاتصالات التي جرت مع مندوبية الحكومة والحرس المدني؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت الأزمة ناتجة عن غياب إنذار دقيق من الأصل، أم عن وجود إشارات متفرقة لم تستطع مؤسسات الدولة جمعها وتحويلها في الوقت المناسب إلى صورة استخباراتية متكاملة.
وترافق عملية النشر قيود مرتبطة بالأمن القومي، إذ أوضحت مصادر حكومية أن بعض المواد ذات التصنيف الخاص، أو التي تتضمن معلومات قدمتها أجهزة استخبارات حليفة، قد تظل خارج النشر العمومي أو تمر عبر لجنة الأسرار الرسمية في البرلمان حفاظاً على المصادر والمعلومات الحساسة.
هذه الحدود فتحت بدورها مواجهة سياسية، بعدما أبدى زعيم الحزب الشعبي ألبرتو نونييث فييخو شكوكاً بشأن احتمال خروج بعض الوثائق بصورة منقوصة، بينما ردت المتحدثة باسم الحكومة بأن السلطة التنفيذية ستتيح الوثائق التي تلقتها وأن أي معلومات أخرى ذات صلة ستخضع للمساطر القانونية المرتبطة بالأمن القومي.
وتتحرك الأزمة بالتوازي على المسار القضائي، بعدما أعلنت الحكومة الإسبانية نيتها الانضمام بصفتها متضررة إلى القضية المفتوحة أمام المحكمة الوطنية، فيما قبلت القاضية ماريا تاردون الثلاثاء طلب مدينة سبتة للانضمام إلى الملف بصفتها متضررة من الأحداث.
وتشير المعطيات القضائية المنشورة إلى أن المحكمة الوطنية قبلت الاختصاص بالنظر إلى مؤشرات محتملة على جرائم تمس السلام أو استقلال الدولة، إلى جانب جرائم مرتبطة بحقوق المواطنين الأجانب والقتل غير العمد والتنظيم الإجرامي، وهي أوصاف ما تزال موضوع تحقيق ولا تمثل أحكاماً قضائية نهائية بشأن المسؤوليات.
المصدر | تطورات التحقيق أمام المحكمة الوطنية الإسبانية
هكذا تتحول وثائق سبتة من مجرد عملية رفع جزئي للسرية إلى اختبار زمني ودقيق لروايات متعارضة داخل الدولة الإسبانية.
الحكومة تقول إن التحذيرات الموجودة لم تتنبأ بحجم العملية ولا باحتمال وصول أكثر من 70 ألف شخص خلال ساعات، وتكشف المعطيات المتاحة في المقابل عن تقرير عسكري استخدم بالفعل تعبير «دخول جماعي»، لكن وصوله إلى قيادة وزارة الدفاع في يوم بدء الأزمة يجعل توقيته جزءاً أساسياً من الحكم على قيمته.
كما يضع تقرير «CENIF» مؤشرات بشأن سلوك عناصر مغربية على الأرض، من دون أن يقدم حتى الآن دليلاً نهائياً على قرار سياسي مغربي بالتخطيط للعملية، بينما يستمر التحقيق الأمني والقضائي لتحديد ما حدث ومن كان مسؤولاً عنه.
ابتداءً من نشر الوثائق الأربعاء، ستصبح التواريخ والساعات وسلاسل الإرسال أهم من التصريحات السياسية نفسها؛ متى كُتب كل تقرير؟ من تسلمه؟ ماذا قال حرفياً عن مستوى الخطر؟ وما المدة التي فصلت بين الإنذار وبين وصول عشرات الآلاف إلى الحدود؟
تلك المعطيات هي التي ستحدد ما إذا كانت وثائق سبتة ستمنح حكومة سانشيز سنداً قوياً لروايتها بأن الدولة واجهت حدثاً لم يكن ممكناً توقع حجمه، أم ستكشف أن أجهزة داخل الدولة رصدت مؤشرات أكثر خطورة مما ظهر حتى الآن في الخطاب الرسمي.


