أثار تصنيف فلسطين أكشن إرهابية من طرف الولايات المتحدة مواجهة حقوقية جديدة، بعدما أدان مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان القرار الأمريكي واعتبره قيداً «غير متناسب وغير ضروري» على حرية التعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات والمشاركة في الشؤون العامة.
وجاء الموقف، أمس الخميس 27 غشت 2026، بعد يوم واحد من إدراج وزارة الخزانة الأمريكية مجموعة «Palestine Action» البريطانية ضمن عقوبات مكافحة الإرهاب، في خطوة قالت واشنطن إنها تدخل ضمن مواجهة شبكات تعتبرها مرتبطة بما تصفه بـ«الإرهاب اليساري العنيف».
وحذر مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من أن التوسع في استخدام مصطلح «الإرهاب» يمكن أن يترك أثراً مخيفاً على المجال المدني، ويؤدي إلى تراجع قدرة النشطاء والمواطنين على ممارسة حقوقهم في التعبير والتجمع والمشاركة العامة.
المصدر | رويترز – موقف مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان
نقلت رويترز موقف مكتب فولكر تورك الذي وصف القرار الأمريكي بأنه قيد غير متناسب وغير ضروري على الحريات العامة.
تصنيف فلسطين أكشن إرهابية.. لماذا تعترض الأمم المتحدة؟
يرتكز اعتراض مكتب حقوق الإنسان على أن التدابير المتخذة ضد المجموعة لا تمس أعضاءها فقط، بل يمكن أن تمتد آثارها إلى ممارسة حقوق التعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات بالنسبة إلى أشخاص لا يشاركون في أعمال عنيفة.
وقال المكتب إن استعمال مفهوم الإرهاب بصورة واسعة سبق أن أظهر قدرة على إحداث «أثر مخيف» على المجال المدني، وهو ما دفعه إلى التحذير من أن تصنيف فلسطين أكشن إرهابية قد يتجاوز ما هو ضروري ومتناسب لحماية الأمن ومواجهة الأفعال العنيفة.
ولا يعني الموقف الأممي أن مكتب حقوق الإنسان ينفي حق الدول في ملاحقة أعمال التخريب أو العنف أو الجرائم التي قد تقع خلال الاحتجاجات، وإنما يتمحور خلافه حول استخدام قوانين مكافحة الإرهاب وما إذا كانت الحدود التي رُسمت في هذه القضية أوسع مما تسمح به المعايير الحقوقية الدولية.
وأثار القرار أيضاً مخاوف لدى خبراء أمميين، بينهم المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب بن سول، والمقررة الخاصة بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي، التي اعتبرت أن مثل هذه التدابير يمكن أن تؤدي إلى إسكات منتقدين للسياسات الإسرائيلية.
ماذا فعلت واشنطن؟
أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، يوم 26 غشت 2026، اتخاذ إجراءات بموجب الأمر التنفيذي 13224 المعدل، وهو أحد الأطر القانونية الأمريكية الأساسية المتعلقة بالعقوبات المرتبطة بالإرهاب.
وشملت الإجراءات «Palestine Action»، إلى جانب كيان «Autistici/Inventati» الإيطالي وشبكة «مسار بديل» ومسؤولين مرتبطين بها، فيما قالت الخزانة إن الخطوة تندرج ضمن استراتيجية أمريكية تستهدف جماعات تصفها بأنها تستخدم العنف لتحقيق أهداف سياسية.
واتهمت السلطات الأمريكية «فلسطين أكشن» بتنفيذ أو دعم تحركات استهدفت شركات دفاع ومنشآت عسكرية، وتسببت، بحسب الرواية الأمريكية، في إتلاف معدات وإصابة أفراد من الشرطة البريطانية.
المصدر الرسمي | وزارة الخزانة الأمريكية – 26 غشت 2026
البيان الرسمي يتضمن الأساس القانوني للعقوبات والجهات التي استهدفتها واشنطن.
ويترتب على إدراج المجموعة في نظام العقوبات الأمريكي تجميد أصولها ومصالحها الخاضعة للولاية الأمريكية، مع فرض قيود واسعة على المعاملات المالية معها، وإمكان تعرض أطراف أخرى لمخاطر عقوبات عند تسهيل معاملات محظورة وفق القواعد الأمريكية.
ولا يشمل القرار المنظمات الفلسطينية عموماً أو مؤسسات الإغاثة العاملة في الأراضي الفلسطينية، بل يتعلق تحديداً بمجموعة احتجاجية مقرها بريطانيا ركزت أنشطتها على شركات ومنشآت مرتبطة بصناعة الدفاع والتعاون العسكري مع إسرائيل.
ماذا تقول «فلسطين أكشن»؟
تقول المجموعة إن تحركاتها تستهدف تعطيل شركات تعتبرها جزءاً من البنية الصناعية العسكرية التي تدعم العمليات الإسرائيلية، وتصف أساليبها بأنها أعمال مباشرة لتعطيل تلك الشركات.
وهذا موقف المجموعة نفسها، ولا يمثل حكماً مستقلاً على قانونية جميع أنشطتها.
وفي المقابل، تقول السلطات البريطانية والأمريكية إن بعض العمليات تجاوزت الاحتجاج السلمي إلى اقتحام منشآت وإلحاق أضرار بممتلكات ومعدات.
ومن أبرز الوقائع التي استندت إليها السلطات البريطانية حادث قاعدة «برايز نورتون» التابعة لسلاح الجو الملكي في يونيو 2025، بعدما دخل ناشطون إلى القاعدة وألحقوا أضراراً بطائرتين عسكريتين.
بريطانيا سبقت الولايات المتحدة إلى الحظر
كانت الحكومة البريطانية قد أعلنت في يوليوز 2025 حظر «فلسطين أكشن» بموجب قانون الإرهاب، إلى جانب مجموعتين أخريين، معتبرة أن طبيعة بعض أنشطتها تبرر إدراجها ضمن المنظمات المحظورة.
المصدر الرسمي | الحكومة البريطانية
أعلنت وزارة الداخلية البريطانية مشروع حظر «فلسطين أكشن» في فاتح يوليوز 2025، ودخل الحظر حيز التنفيذ بعد استكمال المسطرة البرلمانية.
وأحدث القرار البريطاني موجة غير مسبوقة من الاعتقالات المرتبطة بالاحتجاجات المؤيدة للمجموعة أو الرافضة لحظرها.
وتظهر أحدث الإحصاءات الرسمية البريطانية أن 2819 من أصل 3061 اعتقالاً مرتبطاً بأنشطة مصنفة إرهابية خلال السنة المنتهية في 31 مارس 2026 كانت مرتبطة بالاشتباه في دعم «فلسطين أكشن»، أي نحو 92% من إجمالي الاعتقالات المسجلة في تلك الفترة.
ومن بين هؤلاء، وجهت اتهامات إلى 484 شخصاً، بينما ظل عدد كبير من الملفات قيد التحقيق أو المتابعة، وهو ما يجعل رقم الاعتقالات مختلفاً عن عدد الإدانات القضائية النهائية.
المصدر الرسمي | إحصاءات الحكومة البريطانية حتى مارس 2026
تتضمن الوثيقة أعداد الاعتقالات والاتهامات المرتبطة بدعم «فلسطين أكشن» بعد حظرها.
فتح الإحصاءات الرسمية البريطانية
الاحتجاج أم الإرهاب؟
أعاد تصنيف فلسطين أكشن إرهابية إلى الواجهة الخلاف حول الحدود الفاصلة بين الاحتجاج المباشر الذي يمكن أن يتضمن مخالفات جنائية وبين الأفعال التي تسمح بتطبيق تشريعات مكافحة الإرهاب.
فالولايات المتحدة وبريطانيا تعتبران أن بعض أعمال المجموعة تنطبق عليها المعايير القانونية التي تسمح باستخدام أدوات مكافحة الإرهاب، بينما يرى مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن توسيع هذا الوصف يهدد بجعل قوانين استثنائية تمتد إلى نطاق أوسع من الاحتجاج السياسي والعمل المدني.
ولا يلغي هذا الخلاف إمكانية ملاحقة من يرتكب التخريب أو الاعتداء أو غيرهما من الجرائم وفق القانون الجنائي العادي، لكنه يترك السؤال قائماً حول ما إذا كانت إضافة صفة «الإرهاب» ضرورية ومتناسبة مع طبيعة الوقائع.
وسبق لـMarocActu24 أن تناول داخل المغرب ملفاً أعاد بدوره النقاش حول حدود حرية التعبير والاحتجاج إلى الواجهة، بعدما دخلت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان على خط متابعة قضائية لشخص على خلفية تفاعل رقمي مرتبط بدعوة للاحتجاج.
اقرأ أيضاً | تعليق على فيسبوك يقود إلى متابعة قضائية بمراكش وحقوقيون يدخلون على الخط
كما تابع الموقع وقفة احتجاجية أمام البرلمان بالرباط مرتبطة برسوم الدراسة في الجامعات العمومية، في نموذج آخر لانتقال الخلاف حول السياسات العامة إلى الاحتجاج السلمي في الفضاء العام.
اقرأ أيضاً | رسوم الجامعات تصل إلى 20 ألف درهم وتفجر احتجاجات أمام البرلمان
القرار الأمريكي يبقى نافذاً
لا يملك مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان سلطة إلغاء القرار الأمريكي، ولذلك فإن إدانته لـتصنيف فلسطين أكشن إرهابية لا توقف العقوبات ولا تلغي القيود المترتبة عليها.
ويظل القرار سارياً ما لم تعدله أو تسحبه السلطات الأمريكية المختصة أو يتغير نتيجة مسار قانوني أو إداري.
أما الخلاف الحقوقي فسيبقى متركزاً على سؤال أوسع: هل يمكن للدولة أن تواجه أفعال التخريب والعنف بالقوانين الجنائية العادية، أم أن طبيعتها تبرر الانتقال إلى أدوات مكافحة الإرهاب بما تحمله من آثار قانونية ومالية أشد؟
ويضع تصنيف فلسطين أكشن إرهابية العلاقة بين مكافحة العنف وحماية حرية الاحتجاج أمام اختبار قانوني وحقوقي جديد.
مكتب الأمم المتحدة يرى أن الولايات المتحدة تجاوزت في هذه الحالة حدود الضرورة والتناسب، بينما تصر واشنطن على أن الإجراءات تستهدف أعمالاً تعتبرها إرهابية وليست نشاطاً سياسياً محمياً.


