أعادت دراسة حديثة حول نوايا التصويت في المغرب سؤال الثقة السياسية إلى واجهة النقاش العمومي، قبل أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية المقررة في شتنبر 2026.
الدراسة، التي أنجزتها جمعية “Les Citoyens” بين يناير وأبريل 2026، شملت حوالي 3000 شخص من الجهات الاثنتي عشرة للمملكة، وفتحت نافذة على طبيعة العلاقة الحالية بين المواطنين والأحزاب السياسية.
المعطى الأكثر لفتاً للانتباه هو أن 24,1 في المائة من المشاركين صرحوا بأن لا شيء يمكن أن يقنعهم بالتصويت في الانتخابات المقبلة. كما كشف المصدر أن 41,3 في المائة من المستجوبين قالوا إنهم قاطعوا انتخابات شتنبر 2021.
ورغم أن عينة الدراسة، وفق المصدر نفسه، لا تقدم تمثيلاً علمياً كاملاً لكل الجسم الانتخابي، فإنها تظل مؤشراً سياسياً مقلقاً على اتساع مسافة الشك بين جزء من المواطنين والفاعلين الحزبيين.
الأرقام لا ينبغي قراءتها فقط باعتبارها موقفاً من يوم الاقتراع، بل باعتبارها إشارة إلى أزمة أعمق تمس الثقة في الوساطة السياسية، وفي قدرة الأحزاب على الإنصات والتأطير وإنتاج بدائل مقنعة.
فالانتخابات ليست مجرد لوائح وصناديق وحملات، بل هي لحظة لاختبار العلاقة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية. وكلما ارتفعت نسبة العزوف أو فقدان الثقة، أصبح السؤال أكبر من المشاركة الانتخابية نفسها: هل يشعر المواطن بأن صوته قادر فعلاً على تغيير شيء في السياسات العمومية؟.
تأتي هذه المعطيات في سياق سياسي يعرف حركية مبكرة مرتبطة بالتحضير للاستحقاقات المقبلة، من تزكيات وتحالفات وانتقالات حزبية وخطابات حول تجديد النخب. غير أن كل هذه الحركة قد لا تكون كافية إذا لم تلامس جوهر الإشكال: استعادة الثقة.
الرسالة التي تقدمها الدراسة واضحة. الناخب، خاصة الشاب والمتعلم والحضري، لم يعد يكتفي بالشعارات العامة أو الوعود الموسمية، بل يبحث عن أثر ملموس في التعليم والصحة والشغل والقدرة الشرائية والحكامة المحلية.
لذلك، تبدو انتخابات 2026 أمام اختبار مزدوج: اختبار الأحزاب في إقناع المواطنين، واختبار المؤسسات في ضمان عرض سياسي قادر على تحويل المشاركة إلى معنى، لا مجرد واجب انتخابي عابر.
الاستحقاق المقبل لن يحسم فقط بالخريطة الحزبية، بل بدرجة قدرة السياسة على استرجاع جاذبيتها لدى مواطنين صار جزء منهم يرى أن المسافة بين الخطاب والواقع أكبر من صندوق الاقتراع.


