عاد ملف إصلاح التقاعد إلى واجهة النقاش السياسي والاجتماعي، بعدما أصبح واضحاً أن الحسم في هذا الورش الحساس لن يتم خلال الولاية الحكومية الحالية، بل سيُرحّل إلى ما بعد الانتخابات المقبلة.
المعطيات المنشورة اليوم تشير إلى أن الحكومة فضلت تأجيل اتخاذ موقف نهائي بشأن إصلاح أنظمة التقاعد، رغم الاجتماعات والمشاورات التي جرت مع الشركاء الاجتماعيين خلال الأشهر الماضية.
ويبدو أن القرار يعكس حساسية الملف وتعدد أبعاده الاجتماعية والمالية والسياسية. فإصلاح التقاعد لا يتعلق فقط بأرقام الصناديق، بل يمس حياة الأجراء والموظفين والمتقاعدين، ويطرح أسئلة صعبة حول سن الإحالة على التقاعد، نسب المساهمات، وطريقة احتساب المعاشات.
الوزيرة المكلفة بالاقتصاد والمالية أوضحت، وفق ما نقله المصدر، أن الحكومة الحالية لا يمكنها حسم موقف نهائي قبل نهاية الولاية، معتبرة أن الملف يحتاج إلى توافق واسع بين مختلف الأطراف المعنية.
لكن التأجيل، وإن كان مفهوماً من زاوية البحث عن التوافق، يفتح في المقابل سؤال الكلفة الزمنية. فكل سنة انتظار قد تعني ضغطاً إضافياً على التوازنات المالية لبعض الصناديق، وتراجعاً في هامش المناورة أمام أي حكومة مقبلة.
النقابات من جهتها ظلت تبدي تخوفها من أي إصلاح قد يحمل الأجراء والمتقاعدين كلفة الاختلالات، خصوصاً إذا اتجه نحو رفع سن التقاعد أو زيادة الاقتطاعات أو مراجعة طريقة احتساب المعاشات.
هنا يكمن جوهر الملف. فالإصلاح الضروري لا ينبغي أن يتحول إلى وصفة تقنية على حساب الفئات المتوسطة والهشة، كما لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية تحت ضغط الحسابات الانتخابية.
التقاعد قضية مجتمع، وليس مجرد قرار مالي. فهو يمس علاقة المواطن بالدولة، وثقته في أن سنوات العمل والاقتطاع ستقابلها حماية اجتماعية عادلة ومحترمة عند نهاية المسار المهني.
لذلك، يحتاج المغرب إلى إصلاح متوازن يحافظ على ديمومة الصناديق، لكنه لا ينسى العدالة الاجتماعية. فالحلول التي تضمن الأرقام وحدها قد تفشل سياسياً واجتماعياً إذا لم تحظ بثقة المعنيين بها.
ترحيل الملف إلى الحكومة المقبلة لا يعني انتهاء النقاش، بل يعني أن إصلاح التقاعد سيبقى واحداً من أثقل الملفات الاجتماعية المطروحة على طاولة ما بعد انتخابات 2026.


