كشفت معطيات حديثة للخزينة العامة للمملكة أن المداخيل الجمركية بلغت أكثر من 42.2 مليار درهم عند نهاية شهر ماي 2026، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 7.9 في المائة مقارنة مع الفترة نفسها من السنة الماضية.
ويعكس هذا الرقم استمرار أهمية الجبايات الجمركية ضمن موارد الدولة، خصوصاً أنها ترتبط مباشرة بحركة الواردات، والضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد، والضريبة الداخلية على الاستهلاك المفروضة على المنتجات الطاقية.
وبحسب المعطيات المنشورة، تجاوزت مداخيل الرسوم الجمركية 7 مليارات درهم عند متم ماي، بارتفاع قدره 6.6 في المائة. أما الضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد، وهي المكون الأكبر ضمن هذه المداخيل، فقد بلغت حوالي 26.06 مليار درهم، مسجلة نمواً بنسبة 6.5 في المائة.
وتبرز الضريبة الداخلية على استهلاك المنتجات الطاقية كأحد العناصر اللافتة في هذه الحصيلة، إذ قاربت مداخيلها 9.1 مليارات درهم، بزيادة بلغت 13.2 في المائة. وهذا المعطى يسلط الضوء على الوزن المالي للمواد الطاقية في منظومة التحصيل، كما يربط بين أسعار الطاقة، وحركة الاستهلاك، وكلفة النقل والإنتاج.
ولا يمكن قراءة هذه الأرقام من زاوية مالية صرفة فقط. فارتفاع المداخيل الجمركية قد يعكس، من جهة، حركية في المبادلات التجارية ودخول سلع أكثر إلى السوق الوطنية، لكنه قد يعكس من جهة أخرى استمرار ارتباط الاقتصاد المغربي بعدد من الواردات الأساسية، سواء تعلق الأمر بالطاقة أو المواد الأولية أو التجهيزات أو السلع الاستهلاكية.
وهنا يظهر السؤال الاقتصادي الأوسع: هل تعكس هذه المداخيل دينامية صحية في الاقتصاد، أم تكشف استمرار ضغط الواردات على الميزان التجاري وعلى الأسعار؟ فالجباية الجمركية تمنح الخزينة موارد مهمة، لكنها ترتبط في جزء منها بما يؤديه المستهلك والمقاولة في النهاية عبر الأسعار والكلفة.
كما أن ارتفاع الضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد يطرح بدوره نقاشاً حول أثر الاستهلاك المستورد على الموارد العمومية. فكلما ارتفعت الواردات الخاضعة للضريبة، ارتفعت المداخيل، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحسناً كاملاً في بنية الاقتصاد، خاصة إذا لم يواكبه تطور أقوى في الإنتاج المحلي والصادرات.
وتبقى هذه الحصيلة مؤشراً مهماً على وضع المالية العمومية خلال الأشهر الأولى من السنة، لكنها تحتاج إلى قراءة متوازنة تربط بين الموارد الجبائية، وحركية السوق، ومستوى الواردات، والقدرة الشرائية، وكلفة الطاقة.
وبين لغة الأرقام وأسئلة الواقع الاقتصادي، تؤكد مداخيل الجمارك أن الاقتصاد المغربي ما زال يتحرك داخل معادلة دقيقة: البحث عن موارد مالية قوية للدولة، مع الحاجة في الوقت نفسه إلى تقليص الضغط على المقاولات والمواطنين، وتعزيز الإنتاج الوطني بما يخفف التبعية للواردات.
