تقرير Freedom House عن المغرب يضع، قبل أيام من الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، مجموعة من الأرقام اللافتة أمام النقاش حول الشفافية ومكافحة الفساد وجودة البيئة السياسية والانتخابية، بعدما حصل المغرب على 37 نقطة فقط من أصل 100 في أحدث نسخة من تقرير «Freedom in the World».
التقرير الصادر في مارس 2026 صنف المغرب ضمن الدول «الحرة جزئياً»، ومنحه 13 نقطة من أصل 40 في الحقوق السياسية و24 نقطة من أصل 60 في الحريات المدنية.
لكن الرقم الإجمالي ليس وحده الأكثر لفتاً للانتباه داخل بطاقة المغرب.
ففي السؤال الذي يقيس ما إذا كانت الحكومة تعمل بانفتاح وشفافية، حصل المغرب على نقطة واحدة من أصل أربع.
وحصل كذلك على 1/4 في المؤشر الخاص بمدى قوة وفعالية الضمانات الموجودة ضد الفساد الرسمي، بينما نال السؤال المتعلق بمدى قدرة رئيس الحكومة المنتخب والبرلمان المنتخب على تحديد سياسات الحكومة نقطة واحدة من أصل أربع.
وتأتي هذه العلامات في لحظة سياسية دقيقة، مع دخول الأحزاب الحملة الانتخابية وتقديم الأغلبية الحكومية حصيلة ولايتها إلى الناخبين قبل اقتراع 23 شتنبر.
المصدر الرئيسي | Freedom House – Morocco: Freedom in the World 2026
تقرير Freedom House عن المغرب.. 1/4 للشفافية ومكافحة الفساد
تضع بطاقة المغرب مؤشري الشفافية ومكافحة الفساد في المستوى نفسه: نقطة واحدة من أصل أربع لكل منهما.
ولا يعني ذلك، وفق منهجية Freedom House، أن التقرير يقدم حكماً قضائياً بوجود فساد أو يقيّم أداء حكومة بعينها بصورة شاملة، وإنما يقيس الحقوق السياسية والحريات المدنية والظروف الفعلية التي تؤثر فيها، بالاعتماد على شبكة موحدة من الأسئلة تطبق على البلدان والأقاليم المشمولة بالتقرير.
غير أن الرقم يبقى ذا دلالة سياسية قوية، خصوصاً عندما يأتي في مؤشرين يمسان مباشرة جودة عمل المؤسسات: مدى انفتاح وشفافية الحكومة، ومدى قوة وفعالية الضمانات ضد الفساد الرسمي.
وفي السياق المغربي، يفتح ذلك سؤالاً يتجاوز وجود القوانين والمؤسسات إلى مدى انعكاسها العملي على إتاحة المعلومة والرقابة والمساءلة ومنع تضارب المصالح وحماية المال العام.
وقبل الانتخابات الحالية، كانت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها قد دعت بدورها إلى تعزيز الضمانات المرتبطة بنزاهة الاقتراع وحماية الموارد العمومية من التوظيف الانتخابي.
اقرأ أيضاً | نزاهة انتخابات 2026.. هيئة النزاهة تحذر من توظيف الموارد العمومية وتدعو إلى التبليغ قبل 23 شتنبر
ولا يقف تقرير Freedom House عند مؤشري الشفافية والفساد.
ففي الجانب الانتخابي، منح المغرب نقطتين من أصل أربع في السؤال المتعلق بمدى عدالة القوانين والإطار الانتخابي ومدى تطبيقها بصورة محايدة من قبل الجهات المكلفة بإدارة الانتخابات.
كما حصل السؤال المتعلق بما إذا كان النواب الحاليون قد انتخبوا في انتخابات حرة ونزيهة على نقطتين من أصل أربع.
أما المؤشر الذي يسأل عما إذا كانت أمام المعارضة فرصة واقعية لزيادة دعمها أو الوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات، فقد منح المغرب نقطة واحدة فقط من أصل أربع.
وهذه النقطة الأخيرة تضع موضوع التداول السياسي وشروط المنافسة الانتخابية في قلب قراءة التقرير، لكنها لا تسمح وحدها باستخلاص نتيجة مسبقة حول الانتخابات التشريعية الجارية.
التقرير لا يقيم انتخابات 23 شتنبر 2026
من الضروري هنا وضع الأرقام في سياقها الزمني الصحيح.
تقرير «Freedom in the World 2026» أُطلق في 19 مارس 2026، لكنه يغطي التطورات والوقائع المسجلة بين فاتح يناير و31 دجنبر 2025.
وبالتالي فإن العلامات الواردة فيه لا تشكل تقييماً لانتخابات 23 شتنبر 2026، ولا تقول إن هذا الاقتراع غير نزيه، لأنه لم يكن قد جرى أصلاً خلال الفترة التي يقيمها التقرير.
الأدق مهنياً هو اعتبار هذه الأرقام مؤشرات عن البيئة السياسية والمؤسساتية التي سبقت الاستحقاق الحالي.
وهو تمييز أساسي حتى لا تتحول قراءة تقرير دولي إلى حكم مسبق على عملية انتخابية لا يمكن تقييم نزاهتها وشفافيتها إلا بناء على ما يجري خلالها وما يصدر لاحقاً عن الهيئات المختصة والمراقبين.
وقد دخلت السلطات القضائية بدورها مرحلة مواكبة العملية الانتخابية، بعدما دعت رئاسة النيابة العامة إلى التصدي للمخالفات الانتخابية وتسريع الأبحاث المرتبطة بالشكايات وترتيب الآثار القانونية على الأفعال التي يثبت مساسها بنزاهة الاقتراع.
اقرأ أيضاً | انتخابات 2026 تحت الاستنفار القضائي.. النيابة العامة تأمر بتسريع الشكايات وسط جدل «التزكيات مقابل المال»
واللافت أن العلامة الإجمالية للمغرب لم تتغير بين تقريري 2025 و2026.
ففي النسخة السابقة أيضاً حصل المغرب على 37 نقطة من أصل 100، منها 13/40 في الحقوق السياسية و24/60 في الحريات المدنية.
كما بقيت المؤشرات المرتبطة بالشفافية وضمانات مكافحة الفساد والإطار الانتخابي وفرص المعارضة على العلامات نفسها: 1/4 للشفافية، و1/4 لضمانات مكافحة الفساد، و2/4 للإطار الانتخابي، و1/4 لفرصة المعارضة في زيادة دعمها أو الوصول إلى السلطة بواسطة الانتخابات.
بل إن الرجوع إلى نسخ أقدم من التقرير يظهر أن العلامة الإجمالية البالغة 37/100 ظلت مستقرة في سلسلة من التقارير المتتالية، وهو ما يجعل النقاش لا يتعلق بانخفاض مفاجئ خلال سنة واحدة، وإنما باستمرار تقييم منخفض نسبياً عبر عدة سنوات.
وهنا تتغير طبيعة السؤال.
فبدلاً من السؤال عن سبب تراجع علامة المغرب في سنة محددة، يصبح السؤال هو لماذا لم تتحسن مؤشرات مثل شفافية عمل المؤسسات وضمانات مكافحة الفساد والمنافسة السياسية رغم تعاقب السنوات والإصلاحات المعلنة؟
وتقول Freedom House في تقديمها للمغرب إن المملكة تنظم دورياً انتخابات تعددية للبرلمان والهيئات المحلية، وإن إصلاحات 2011 نقلت جزءاً من الصلاحيات المرتبطة بالحكومة إلى المؤسسات المنتخبة.
لكن المنظمة ترى في الوقت نفسه أن مركز اتخاذ القرار يتأثر بعوامل وسلطات تتجاوز المؤسسات المنتخبة، وهو ما يدخل ضمن تفسيرها لبعض العلامات المنخفضة في باب الحقوق السياسية وعمل الحكومة.
وهنا أيضاً ينبغي التمييز بين ما تقوله المنظمة وبين حقيقة قانونية أو قضائية ثابتة.
فهذه التقديرات تمثل تقييم Freedom House وفق منهجيتها الخاصة، وليست أحكاماً صادرة عن مؤسسة قضائية مغربية أو هيئة تابعة للأمم المتحدة.
Freedom House منظمة أمريكية غير ربحية، وتقول إن إعداد تقرير «Freedom in the World 2026» شارك فيه محللون ومستشارون خبراء، وإن التقييم يعتمد على مصادر تشمل المواد الصحفية والأبحاث الأكاديمية وتقارير المنظمات غير الحكومية والاتصالات المهنية والبحث الميداني، قبل مناقشة العلامات ومراجعتها.
كما توضح منهجيتها أن التقرير يقيس بصورة أساسية الحقوق والحريات التي يتمتع بها الأفراد فعلياً، وليس الأداء العام للحكومة في مختلف القطاعات.
وهذا التفصيل مهم لأن علامة 1/4 في الشفافية، مثلاً، لا يمكن تحويلها مهنياً إلى القول إن «الحكومة حصلت على 1 من 4 في حصيلتها»، بل تعني أن المغرب حصل على هذه العلامة ضمن السؤال المحدد الذي تستعمله المنظمة لقياس مدى عمل الحكومة بانفتاح وشفافية.
الأمر نفسه ينطبق على مكافحة الفساد.
فالعلامة 1/4 لا تقول إن جميع مؤسسات مكافحة الفساد عديمة الفعالية، لكنها تعكس تقييم المنظمة لمجمل قوة وفعالية الضمانات القائمة ضد الفساد الرسمي خلال فترة التقييم.
ولهذا تكتسب الأرقام أهميتها في اللحظة الانتخابية الحالية.
فالانتخابات لا تتعلق فقط بمقارنة وعود الأحزاب المتعلقة بالتشغيل والصحة والتعليم والاستثمار، وإنما أيضاً بتقييم الطريقة التي تدار بها السلطة والموارد العمومية ومستوى الشفافية والمساءلة والثقة في المؤسسات.
وعندما تعرض الأغلبية الحكومية حصيلة خمس سنوات وتطلب الأحزاب من المواطنين تجديد الثقة أو تغيير الاختيار، تصبح مؤشرات من قبيل 1/4 في الشفافية و1/4 في ضمانات مكافحة الفساد جزءاً من المعطيات التي يمكن إدخالها في النقاش العام، شريطة تقديمها بحجمها الحقيقي ومن دون تحميل التقرير ما لا يقوله.
الأمر نفسه بالنسبة إلى مؤشر الإطار الانتخابي.
فالحصول على 2/4 في السؤال المتعلق بعدالة القوانين الانتخابية وتنفيذها بصورة محايدة لا يسمح بالحكم مسبقاً على اقتراع 2026، لكنه يبين أن المنظمة لم تمنح البيئة الانتخابية السابقة العلامة الكاملة.
أما 1/4 في فرصة المعارضة للوصول إلى السلطة عبر الانتخابات، فيفتح نقاشاً أوسع حول التنافس السياسي والتداول والثقة في قدرة صناديق الاقتراع على إنتاج تغيير سياسي فعلي.
وبين التقرير السابق والتقرير الحالي، بقيت هذه الأرقام دون تغير يذكر.
لذلك فإن السؤال الذي تضعه أرقام Freedom House قبل 23 شتنبر ليس من سيفوز فقط، ولا عدد المقاعد التي سيحصل عليها كل حزب، بل ما إذا كانت الولاية المقبلة ستدفع المؤشرات المرتبطة بالشفافية ومكافحة الفساد والمنافسة السياسية إلى الأعلى.
المغرب يدخل انتخابات 2026 ومعه رقم إجمالي يبلغ 37 من أصل 100، و13 من 40 في الحقوق السياسية، و24 من 60 في الحريات المدنية، ونقطة واحدة من أربع في شفافية عمل الحكومة، ونقطة واحدة في قوة وفعالية ضمانات مكافحة الفساد، ونقطتان من أربع في الإطار الانتخابي، ونقطة واحدة من أربع في فرصة المعارضة للوصول إلى السلطة بواسطة الانتخابات.
إنها ليست نتيجة لانتخابات 23 شتنبر، ولا حكماً مسبقاً عليها.
لكنها أرقام منشورة عن البيئة السياسية والمؤسساتية التي سبقتها.
والاختبار بعد الاقتراع لن يكون فقط معرفة من سيدخل الحكومة ومن سينتقل إلى المعارضة، بل ما إذا كان المغرب سيعود في التقارير المقبلة إلى الأرقام نفسها، أم ستتحرك مؤشرات الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد والمنافسة السياسية نحو مستويات أعلى.



