بقلم: قويدر فؤاد

كشف تقرير وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية المرافق لمشروع قانون المالية لسنة 2027 أن مشروع المرسوم المنظم للتعاقد بين الدولة والمؤسسات والمقاولات العمومية، الذي استُكمل إعداده سنة 2024، ظل ضمن مسطرة المصادقة، رغم إعلان الوزارة في تقرير السنة الماضية استيفاء مراحل التحقق والمشاورات المطلوبة، وترقب عرضه على مجلس الحكومة في أقرب الآجال، في ملف تنظيمي يرتبط بحكامة قطاع يضم 274 مؤسسة ومقاولة عمومية.

وتُظهر المقارنة بين التقريرين استمرار المسار التنظيمي لنص يُنتظر أن يحدد الحالات التي يتعين فيها إبرام عقود البرامج بين الدولة ومؤسساتها، ويضبط الالتزامات المتبادلة وأهداف الأداء وآليات التتبع والتقييم، ضمن إصلاح يرمي إلى تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة وتحسين تدبير الموارد العمومية.

وتكمن أهمية المعطيات الجديدة في أن الوزارة سبق أن أعلنت قرب استكمال اعتماد النص، قبل أن يعود تقرير مالية 2027 إلى تقديمه باعتباره مشروعاً ينتظر استكمال المسطرة التنظيمية، دون توضيح الأسباب التي حالت دون اعتماد المرسوم خلال الفترة الفاصلة بين التقريرين.

مرسوم حكامة المؤسسات العمومية.. ماذا تغير بين ماليتي 2026 و2027؟

توضح الصفحة 105 من النسخة الفرنسية لتقرير المؤسسات والمقاولات العمومية المرافق لمشروع مالية 2027، المنشور يوم 23 أكتوبر 2026، أن مشروع المرسوم رقم 2.23.365 استُكمل سنة 2024 وأُدرج في مسطرة المصادقة، بعد إجراء المشاورات مع الأطراف المعنية.

ويأتي المشروع تنفيذاً للمادة 36 من القانون الإطار رقم 50.21 المتعلق بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، التي تنص على اعتماد إطار تنظيمي يحدد الحالات التي ينبغي فيها إبرام عقود البرامج بين الدولة والمؤسسات والمقاولات العمومية.

لكن العودة إلى تقرير مالية 2026 تكشف أن الوزارة كانت قد أعلنت استيفاء المشروع مراحل التحقق والموافقة المطلوبة من الأطراف المعنية، مع توقع عرضه على مجلس الحكومة للمصادقة عليه في أقرب الآجال.

وشملت المشاورات، بحسب التقرير السابق، الأمانة العامة للحكومة والوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، والمصالح المعنية بوزارة الاقتصاد والمالية، إلى جانب عدد من القطاعات الحكومية الوصية.

وبين إعلان قرب عرض المرسوم على مجلس الحكومة في تقرير مالية 2026، واستمرار الحديث عن مصادقته المرتقبة في تقرير مالية 2027، لا تقدم الوثيقتان تفسيراً محدداً للمدة التي استغرقها مساره التنظيمي، ولا تكشفان عما إذا كانت صياغته خضعت لمراجعات إضافية أو ظهرت ملاحظات استدعت تأجيل اعتماده.

المصدر الرسمي | وزارة الاقتصاد والمالية، تقرير المؤسسات والمقاولات العمومية المرافق لمشروع مالية 2027، الصفحة 105 من النسخة الفرنسية

نسخة مطابقة منشورة للاطلاع | تقرير المؤسسات والمقاولات العمومية لسنة 2027

المصدر الرسمي | تقرير المؤسسات والمقاولات العمومية المرافق لمشروع مالية 2026، منشور عبر مجلس المستشارين، خاصة الملخص التنفيذي وصفحة 106

عقود البرامج مستمرة رغم تأخر المرسوم

لا تعني الإشارة إلى استمرار مسطرة المصادقة توقف جميع عمليات التعاقد بين الدولة ومؤسساتها، إذ يكشف التقرير الأحدث عن تقدم في إبرام عدد من عقود البرامج وفق الأطر المعمول بها.

وسجلت الوزارة إبرام عقد برنامج جديد بين الدولة والصندوق المغربي للتقاعد يغطي الفترة 2025-2027، بعدما كان التقرير السابق يدرجه ضمن العقود التي توجد في طور التحضير.

كما أوضح تقرير مالية 2027 أن مشروع عقد البرنامج الخاص بمكتب تنمية التعاون يوجد في مرحلة التشاور، بينما بلغ المشروع المتعلق بوكالة الحوض المائي لأبي رقراق والشاوية مرحلة متقدمة.

وتشمل الأشغال التحضيرية مؤسسات أخرى، من بينها التعاون الوطني ووكالة التنمية الرقمية والوكالة المغربية لتنمية الأنشطة اللوجستية ومكتب الصرف.

وتوضح هذه المعطيات أن التعاقد بين الدولة ومؤسساتها استمر عملياً، لكن اعتماد المرسوم الجديد يهدف إلى وضع إطار تنظيمي موحد يحدد حالات اللجوء إلى عقود البرامج وشروط إعدادها وتنفيذها وتقييم نتائجها.

ويكتسي هذا التمييز أهمية خاصة، لأن التأخر في المصادقة على المرسوم لا يعني غياب جميع آليات الحكامة أو توقف العقود السابقة، وإنما استمرار الحاجة إلى استكمال النص التنظيمي الذي تعتبره الوزارة أحد المكونات الأساسية لإصلاح القطاع.

ثلاثة مستويات للتعاقد ودليل جديد يعوض مرجع 2013

يتجاوز مشروع المرسوم تنظيم العلاقة المباشرة بين الدولة والمؤسسات والمقاولات العمومية، إذ يرتبط بإرساء منظومة تعاقدية متكاملة تحدد المسؤوليات داخل المؤسسات نفسها.

ويعتمد التصور الوارد في تقرير مالية 2027 ثلاثة مستويات مترابطة، يتمثل أولها في عقود البرامج التي تجمع الدولة بالمؤسسات والمقاولات العمومية، وثانيها في عقود الأداء المبرمة بين الأجهزة التداولية والمسيرين، وثالثها في عقود الأهداف التي تربط المسيرين بالمسؤولين الرئيسيين داخل المؤسسات.

ويستهدف هذا التنظيم الانتقال من الاكتفاء بتحديد الاعتمادات والوسائل إلى اعتماد التزامات واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، تسمح بتقييم ما أنجزته المؤسسة مقارنة بالأهداف المحددة لها.

كما يرتبط المرسوم بدليل منهجي جديد للتعاقد، أعدته الوزارة ليحل محل الدليل المعتمد منذ سنة 2013، ويحدد قواعد إعداد العقود والتفاوض بشأنها وتنفيذها ومراقبة نتائجها.

ويشمل الدليل نماذج مرجعية لعقود البرامج والأداء والأهداف، إضافة إلى مقتضيات مرتبطة بالاستدامة والانتقال الأخضر والمسؤولية الاجتماعية والبيئية وإعداد التقارير المتعلقة بالأداء والمناخ.

وتنص الوثائق على أن المصادقة على الدليل المنهجي الجديد ستتم بقرار من الوزير المكلف بالمالية بعد اعتماد مشروع المرسوم رقم 2.23.365، ما يجعل استكمال الإطار المنهجي الجديد مرتبطاً بالمسار التنظيمي للنص.

وكان تقرير مالية 2026 قد أشار إلى إعداد هذا الدليل بدعم من الوكالة الفرنسية للتنمية، في إطار تحديث منهجية التعاقد وتطوير أدوات تتبع الأداء داخل المؤسسات والمقاولات العمومية.

البرلمان يدخل على خط تأخر مرسوم التعاقد

لم يبق موضوع التعاقد بين الدولة والمؤسسات والمقاولات العمومية محصوراً في التقارير الحكومية، بل وصل إلى مجلس النواب من خلال السؤال الكتابي رقم 27882، الذي وجهه النائب إدريس السنتيسي إلى الوزارة المكلفة بالاقتصاد والمالية.

وتناول السؤال موضوع التعاقد باعتباره أداة لتحديث حكامة المؤسسات العمومية وتحسين نجاعتها التقنية والمالية وترشيد النفقات، مع المطالبة بتوضيح مآل مشروع المرسوم رقم 2.23.365 ومدى تقدم تنزيله.

كما طلب السنتيسي تقديم حصيلة عقود البرامج المبرمة، وبيان انعكاساتها على تحسين الأداء المالي والحكامة، والإجراءات المعتمدة لتوحيد منهجية إعداد العقود وضمان وضوح الأهداف والمؤشرات القابلة للتقييم.

وأظهرت البوابة الرسمية لمجلس النواب أن السؤال لم يكن قد تلقى جواباً منشوراً في البيانات المتاحة عند المراجعة، دون أن تسمح هذه المعلومة بتحديد أسباب غياب الجواب أو الجزم بعدم توصل النائب بمعلومات عبر مسار آخر.

ويطرح السؤال البرلماني جانباً إضافياً من ملف المرسوم، يتعلق بكيفية قياس النتائج التي تحققها عقود البرامج القائمة، ومدى قدرة الإطار التنظيمي الجديد على توحيد معايير المحاسبة والتقييم.

المصدر الرسمي | مجلس النواب، السؤال الكتابي رقم 27882 لإدريس السنتيسي بشأن حكامة المؤسسات والمقاولات العمومية وآفاق تطوير عقود البرامج

274 مؤسسة ومقاولة عمومية.. لماذا يكتسي المرسوم هذه الأهمية؟

تزداد أهمية المشروع التنظيمي بالنظر إلى حجم القطاع الذي يستهدفه إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية بالمغرب.

فقد كشف تقرير وزارة الاقتصاد والمالية المرافق لمشروع قانون المالية لسنة 2027 أن المحفظة العمومية ضمت، عند نهاية شتنبر 2026، ما مجموعه 274 مؤسسة ومقاولة عمومية، تتوزع بين 215 مؤسسة عمومية و59 شركة مساهمة ذات مساهمة مباشرة للخزينة.

وأضاف التقرير أن بعض هذه المؤسسات والمقاولات تمتلك شركات تابعة ومساهمات يصل مجموعها إلى 556 هيئة، تمتلك الأغلبية في 51 في المائة منها.

ولا تدخل هذه الشركات التابعة تلقائياً ضمن عدد المؤسسات والمقاولات العمومية الـ274، لأنها تشكل مستوى إضافياً من المساهمات المرتبطة بالمحفظة العمومية.

وتشرف هذه الهيئات على أنشطة واستثمارات مرتبطة بقطاعات استراتيجية، تشمل البنيات التحتية والنقل والطاقة والماء والصحة والخدمات العمومية، ما يجعل وضوح الالتزامات التعاقدية وآليات تقييم الأداء مسألة تتجاوز التنظيم الإداري إلى تدبير الاستثمارات والموارد العمومية.

المصدر الرسمي | وزارة الاقتصاد والمالية، تقرير المؤسسات والمقاولات العمومية لسنة 2027، الصفحة 23 من النسخة الفرنسية الخاصة بمكونات المحفظة العمومية

وكان MarocActu24 قد تناول في تقرير نشر يوم فاتح شتنبر 2026 وضعية برنامج ممول من البنك الدولي بقيمة أصلية تبلغ 350 مليون دولار لإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، بعدما أظهرت بيانات تتبع التنفيذ أن المؤشر الخاص بعدد المؤسسات المحتسبة باعتبارها أعيدت هيكلتها ظل عند صفر من أصل 22 مؤسسة مستهدفة، وفق آخر قياس منشور آنذاك.

ولا يتعلق هذا المؤشر مباشرة بالمصادقة على مرسوم التعاقد، كما لا يعني توقف الإصلاح بمختلف مكوناته، لكنه يبرز أهمية التمييز بين الإجراءات القانونية والمؤسساتية والنتائج القابلة للقياس عند تقييم تقدم البرامج العمومية.

اقرأ أيضاً | 350 مليون دولار لإصلاح المؤسسات العمومية.. «صفر» في 4 مؤشرات رئيسية بينها إعادة هيكلة 22 مؤسسة

وسبق للموقع أيضاً أن تناول تصريحات حكومية بشأن تحسن مؤشرات الاستثمار والأرباح في قطاع المؤسسات العمومية، وهي معطيات تعكس جانباً من الأداء المالي، بينما يركز مشروع مرسوم التعاقد على ضبط الالتزامات وقياس النتائج وتحسين العلاقة بين الدولة والمؤسسات التابعة لها.

اقرأ أيضاً | إصلاح المؤسسات العمومية يعطي أرقامه.. الاستثمارات تقفز بـ98% والأرباح إلى 26.6 مليار درهم

مرسوم منذ 2024.. ما الذي لم توضحه الوثائق الحكومية؟

تثبت المقارنة بين التقريرين أن مشروع المرسوم رقم 2.23.365 كان قد استُكمل إعداده سنة 2024، وأن الوزارة أعلنت في تقرير مالية 2026 قرب عرضه على مجلس الحكومة، قبل أن يواصل تقرير مالية 2027 تقديمه باعتباره نصاً ينتظر استكمال مسطرة المصادقة.

لكن هذه المعطيات لا تسمح بتحديد الجهة المسؤولة عن طول المسار التنظيمي، ولا تكشف ما إذا كان المشروع خضع لتعديلات أو مشاورات إضافية لم تفصلها التقارير المنشورة.

كما لا تكفي وحدها للجزم بأن وضعية المشروع لم تعرف أي مستجد بعد إعداد تقرير مالية 2027، ما يستوجب التمييز بين آخر وضعية موثقة داخل التقرير وبين أي قرار تنظيمي لاحق قد يصدر بصورة مستقلة.

ويظل استكمال اعتماد المرسوم مرتبطاً، وفق الوثائق الحكومية، بتفعيل إطار موحد للتعاقد وتقييم الأداء، إلى جانب المصادقة على الدليل المنهجي الجديد الذي يفترض أن يعوض مرجع سنة 2013.

وبعد مرور ما يقارب سنتين على استكمال إعداد المشروع، واستمرار الحديث عن مسطرة المصادقة في وثائق مالية 2027، تبقى أسباب هذا المسار الطويل والجدول الزمني لاعتماد النص من المعلومات التي لم تقدم الوزارة بشأنها توضيحاً محدداً في الفقرات المعنية من التقريرين.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version