بقلم: قويدر عبد الرحيم
أسعار الغذاء العالمية تضع مشروع قانون المالية المغربي لسنة 2027 أمام اختبار اقتصادي جديد، بعدما توقع البنك الدولي ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأولية بنسبة 7.2 في المائة والحبوب بنسبة 9.3 في المائة خلال السنة المقبلة، في وقت تراهن فيه الحكومة على حصر التضخم عند 1.5 في المائة، وتخصص 19.4 مليار درهم لدعم المواد الأساسية عبر نظام المقاصة.
وتثير هذه التوقعات تساؤلات بشأن قدرة الميزانية على مواجهة ارتفاع محتمل في فاتورة الواردات، خصوصاً إذا تزامنت زيادة الأسعار الدولية مع تراجع محصول الحبوب الوطني عن المستوى المعتمد في المشروع، والبالغ 70 مليون قنطار.
وتزداد أهمية هذه المعطيات بعد اضطرار الحكومة خلال سنة 2026 إلى فتح اعتمادات إضافية بقيمة 8 مليارات درهم لمواجهة ارتفاع تكاليف الدعم، بما في ذلك الأعباء المرتبطة بغاز البوتان والدعم الاستثنائي لمهنيي النقل.
غير أن تقرير البنك الدولي لا يقدم توقعات خاصة بالتضخم في المغرب أو بكلفة صندوق المقاصة، وإنما يعرض سيناريوهات للأسعار العالمية، يتوقف أثرها المحلي على الإنتاج الوطني وحاجيات الاستيراد وأسعار الصرف وسياسة الدعم.
أسعار الغذاء 2027.. زيادات متتالية ومخاطر على الحبوب
كشف البنك الدولي، في تقرير «آفاق أسواق السلع الأولية» الصادر الأربعاء 28 أكتوبر 2026، أن مؤشر أسعار الغذاء مرشح للارتفاع بنسبة 10.3 في المائة خلال السنة الجارية، تليها زيادة بنسبة 7.2 في المائة سنة 2027.
ويعادل ذلك ارتفاعاً تراكمياً يقارب 18.2 في المائة مقارنة بمستويات سنة 2025، لأن الزيادة المتوقعة خلال 2027 تُحتسب على الأسعار التي تكون قد ارتفعت أصلاً في 2026.
وتبدو الضغوط أكبر في سوق الحبوب، إذ يتوقع البنك الدولي ارتفاع مؤشر أسعارها بنسبة 14.1 في المائة سنة 2026، ثم بنسبة 9.3 في المائة خلال 2027.
وتعكس هذه التوقعات مخاطر مرتبطة باضطراب نقل الحبوب عبر البحر الأسود، وارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة، واحتمال تأثر المحاصيل الزراعية بظواهر مناخية شديدة، وفي مقدمتها ظاهرة «إل نينيو».
كما تشير البيانات التفصيلية إلى احتمال ارتفاع متوسط السعر المرجعي للقمح الأمريكي من صنف «HRW» من 311 دولاراً للطن خلال 2026 إلى 353 دولاراً سنة 2027، أي بزيادة تقارب 13.5 في المائة.
لكن هذا المؤشر لا يمثل السعر الذي يؤديه المغرب بالضرورة مقابل وارداته من القمح، لاختلاف الأصناف ومصادر التوريد وشروط التعاقد والشحن.
وتبقى جميع هذه الأرقام توقعات قابلة للمراجعة، وليست ارتفاعات تحققت بالفعل في الأسواق.
المصدر الرسمي | البنك الدولي – تقرير آفاق أسواق السلع الأولية، 28 أكتوبر 2026
التقرير الكامل | البنك الدولي – Commodity Markets Outlook, October 2026
مالية 2027 تراهن على 70 مليون قنطار من الحبوب
تأتي توقعات البنك الدولي بعد تقديم وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية فوزي لقجع مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام البرلمان يوم الجمعة 23 أكتوبر.
وبحسب العرض الرسمي، تستند الحكومة إلى فرضيات تشمل نمواً اقتصادياً بنسبة 3.7 في المائة، وتضخماً عند 1.5 في المائة، ومحصول حبوب يبلغ 70 مليون قنطار، وسعراً لغاز البوتان في حدود 600 دولار للطن.
وتكتسب فرضية الإنتاج الفلاحي أهمية مباشرة بالنسبة إلى فاتورة الاستيراد، لأن تراجع المحصول عن المستوى المتوقع قد يدفع المغرب إلى استيراد كميات إضافية من الحبوب، بحسب حاجيات الاستهلاك وحجم المخزون المتوفر.
وإذا تزامنت هذه الزيادة في الكميات مع ارتفاع الأسعار الدولية، فقد ترتفع القيمة الإجمالية للمشتريات الخارجية بفعل العاملين معاً.
لكن لا يمكن احتساب الزيادة المحتملة في الفاتورة انطلاقاً من توقعات البنك الدولي وحدها، إذ يتطلب ذلك معرفة حجم المحصول الفعلي، وكميات الاستيراد الضرورية، وأسعار الشراء والتأمين والنقل وسعر صرف الدرهم.
كما أن ارتفاع الأسعار العالمية لا يعني بالضرورة زيادة مماثلة في كلفة جميع واردات المغرب، لأن المملكة تتزود من أسواق مختلفة، وقد تتغير الأسعار وفق المنشأ والنوعية وتوقيت إبرام العقود.
المصدر الرسمي | مجلس النواب – عرض فرضيات مشروع قانون المالية لسنة 2027
19.4 مليار درهم للمقاصة مقابل اعتمادات معدلة في 2026
خصص مشروع قانون المالية لسنة 2027 مبلغ 19.4 مليار درهم لمواصلة دعم غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني للقمح اللين، بهدف الحفاظ على أسعار هذه المواد والحد من أثر تقلبات الأسواق الدولية على الأسر.
ويأتي هذا الغلاف في أعقاب سنة عرفت مراجعة الاعتمادات المخصصة للمقاصة، بعدما انتقلت من 13.77 مليار درهم في الميزانية الأصلية لسنة 2026 إلى نحو 21.77 مليار درهم عقب فتح 8 مليارات درهم إضافية.
وتكشف المقارنة أن المبلغ المقترح لسنة 2027 يزيد بنحو 5.63 مليارات درهم عن الاعتمادات الأصلية لسنة 2026، لكنه يقل بحوالي 2.37 مليار درهم عن الغلاف المعدل خلال السنة الجارية.
غير أن الاستنتاج بأن الحكومة خفضت الإنفاق الفعلي على دعم المواد الأساسية سيكون غير دقيق.
فالاعتمادات الأصلية والمعدلة لا تمثل بالضرورة المبالغ التي صُرفت فعلياً، كما أن الزيادة الاستثنائية في 2026 لم ترتبط بتمويل المواد الثلاث وحدها، بل ساهمت أيضاً في مواجهة تكاليف الدعم الموجه إلى مهنيي النقل.
لذلك ينبغي الفصل بين الكلفة المباشرة لدعم غاز البوتان والسكر والدقيق، وبين التدخلات الاستثنائية الأخرى التي قد تفرضها تقلبات أسعار الطاقة.
ومع ذلك، تُظهر الحاجة إلى تعديل الاعتمادات خلال 2026 أن الكلفة المالية للدعم قد تختلف عن التقديرات الأولية، وهو ما يمنح توقعات البنك الدولي أهمية إضافية عند مناقشة اعتمادات السنة المقبلة.
المصدر الرسمي | وزارة الاقتصاد والمالية – تقرير المقاصة المرافق لمشروع قانون المالية 2027
وكان MarocActu24 قد تناول الضغوط التي تعرضت لها ميزانية المقاصة خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، بعدما أظهرت بيانات الخزينة العامة للمملكة بلوغ إصدارات النفقات المتعلقة بها نحو 11.1 مليار درهم إلى نهاية غشت.
ومثل هذا المبلغ 80.5 في المائة من الاعتمادات الأصلية البالغة 13.77 مليار درهم، قبل أخذ الزيادة اللاحقة في الاعتبار.
ولا تعني تلك النسبة استنفاد الغلاف المعدل أو حتمية تجاوز الاعتمادات في نهاية السنة، لكنها توضح الفارق بين البرمجة الأولية وتطور التنفيذ المالي.
اقرأ أيضاً | 1110 مليارات سنتيم في 8 أشهر.. المقاصة تستهلك 80.5% من غلاف 2026
القمح الفرنسي يكشف اختلاف المؤشرات
تظهر وثائق المقاصة المغربية أن متوسط السعر الدولي للقمح اللين الفرنسي بلغ نحو 241 دولاراً للطن خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، مقابل 238 دولاراً في الفترة نفسها من سنة 2025.
وتعادل هذه الزيادة نحو 1.3 في المائة، وهي أقل بكثير من الارتفاع الذي يتوقعه البنك الدولي للسعر المرجعي للقمح الأمريكي خلال السنة المقبلة.
ولا يتعلق الأمر بتناقض بين المصدرين، لأن المقارنة تشمل صنفين مرجعيين مختلفين وفترتين زمنيتين غير متطابقتين.
كما أن المغرب يستورد القمح وفق احتياجاته وشروط السوق، ما يجعل السعر النهائي مرتبطاً بالمنشأ والنوعية والنقل والتأمين وسعر الصرف، وليس بمؤشر عالمي واحد.
وتكتسب هذه الفروق أهمية عند تقدير العبء المحتمل على ميزانية الدولة، خاصة عندما تتدخل السلطات لتخفيف أثر أسعار الحبوب المستوردة على تموين السوق الوطنية.
ارتفاع الغذاء عالمياً لا يعني تضخماً مغربياً بالنسبة نفسها
قد توحي مقارنة ارتفاع أسعار الغذاء العالمية بنسبة 7.2 في المائة مع فرضية التضخم المغربي عند 1.5 في المائة بوجود تعارض بين توقعات البنك الدولي والحكومة.
لكن المؤشرين لا يقيسان الظاهرة نفسها.
فمؤشر البنك الدولي يتتبع أسعار مجموعة من السلع الغذائية الأولية المتداولة في الأسواق العالمية، بينما يقيس التضخم بالمغرب التغير في أسعار سلة أوسع من السلع والخدمات التي تستهلكها الأسر.
ويتأثر التضخم المحلي كذلك بحجم الإنتاج الوطني وتكاليف النقل والتوزيع والضرائب وهوامش التجارة والدعم العمومي.
وقد تتحمل ميزانية الدولة جزءاً من ارتفاع الأسعار عبر المقاصة، فيما يمكن أن ينتقل جزء آخر إلى المستهلك بحسب طبيعة المنتوج ومدى خضوعه للدعم والمنافسة.
ولهذا، لا تسمح توقعات البنك الدولي بالقول إن نسبة التضخم التي اعتمدتها الحكومة غير قابلة للتحقق.
لكنها تثير سؤالاً مشروعاً بشأن حجم الضغوط الخارجية الذي أخذته الحكومة في الحسبان عند إعداد الفرضيات المتعلقة بالأسعار والدعم.
النفط بين 79 و105 دولارات.. سيناريوهان مختلفان
لا تتجه جميع مؤشرات الطاقة نحو الارتفاع خلال 2027.
ففي سيناريو البنك الدولي الأساسي، يُتوقع تراجع متوسط سعر خام برنت من 91 دولاراً للبرميل سنة 2026 إلى 79 دولاراً خلال 2027، أي بانخفاض يقارب 13.2 في المائة.
وقد يساعد هذا التراجع، إذا تحقق، على تخفيف جزء من فاتورة الواردات الطاقية.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة انخفاض كلفة دعم غاز البوتان، لأن سعر الخام يختلف عن أسعار غاز البترول المسال الذي يعتمد عليه نظام المقاصة المغربي.
كما عرض البنك الدولي سيناريو سلبياً مشروطاً بتفاقم اضطرابات الإمدادات والصدمات المناخية، قد يصل فيه متوسط برنت إلى 105 دولارات للبرميل سنة 2027، مع ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة تفوق توقعاته الأساسية بـ12 في المائة.
وهذا السيناريو ليس توقعاً مؤكداً أو بديلاً معتمداً عن السيناريو الأساسي، وإنما اختبار لاحتمال وقوع صدمات أشد إذا تصاعدت الاضطرابات الجيوسياسية والتجارية.
ويكشف الفرق بين السيناريوهين اتساع نطاق المخاطر التي قد تواجه الدول المستوردة للطاقة والغذاء، ومن بينها المغرب.
وسبق أن تابع MarocActu24 قرار الحكومة مواصلة الدعم الاستثنائي لمهنيي النقل، خلال اجتماع وزاري عقد يوم 30 شتنبر 2026، على خلفية ارتفاع أسعار المحروقات وتداعيات التوترات الدولية.
وأعلن الاجتماع حينها أن مخزون الغازوال وغاز البوتان يغطي فترة تتراوح بين 40 و60 يوماً، وفق الوضعية المعروضة في ذلك التاريخ.
ويختلف هذا المعطى المتعلق بالمخزون عن كلفة المقاصة، لكنه يوضح تعدد الأدوات التي تلجأ إليها الدولة لمواجهة اضطرابات الطاقة.
اقرأ أيضاً | دعم النقل مستمر.. مخزون الوقود يكفي 40 إلى 60 يوماً
ما الذي ينبغي أن توضحه الحكومة للبرلمان؟
تضع التوقعات الجديدة أمام مناقشة مشروع مالية 2027 ثلاثة ملفات مالية واقتصادية مترابطة.
يتعلق الأول بمدى حساسية فاتورة الحبوب لتراجع المحصول الوطني عن 70 مليون قنطار، في حال ارتفاع الأسعار الدولية وتكاليف النقل.
ويهم الثاني قدرة مبلغ 19.4 مليار درهم المبرمج للمقاصة على تغطية الالتزامات المنتظرة، خصوصاً إذا ارتفعت أسعار المواد المدعمة فوق المستويات المعتمدة عند إعداد الميزانية.
أما الثالث فيتعلق بالهامش المالي المتاح لمواجهة الصدمات، ومدى توفر سيناريوهات بديلة تسمح بتعبئة اعتمادات إضافية دون اضطراب البرامج الاجتماعية والاستثمارية.
ولا يثبت تقرير البنك الدولي أن الحكومة ستضطر إلى تعديل اعتمادات المقاصة خلال 2027، أو أن الأسعار الداخلية ستشهد ارتفاعاً مماثلاً للمؤشرات العالمية.
لكنه يوفر معطيات جديدة يمكن استخدامها لتقييم متانة فرضيات مشروع القانون قبل المصادقة عليه.
فالحكومة تراهن على تضخم محدود ومحصول حبوب عند 70 مليون قنطار، بينما يرجح البنك الدولي استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والحبوب في الأسواق العالمية خلال السنة المقبلة.
وبين هذين المسارين، سيكون حجم الإنتاج الفلاحي الفعلي، وتكلفة الاستيراد، وتطور أسعار الطاقة، من العوامل الحاسمة في تحديد العبء الذي ستتحمله الميزانية ومدى انتقاله إلى القدرة الشرائية للأسر المغربية.


